

وعبرت الهيئة في بيان لها عن استنكارها لعودة الترويج لفكرة ما يدعى "الإقليم الشيعي" التي سبق طرحها في سنوات الاحتلال لافتة إلى أن أحزاب إيران وميليشياتها سعت نحو تحقيق ذلك، ولكنها لم تلق وقتها تجاوبًا شعبيًا يذكر من العراقيين في الوسط والجنوب بمختلف توجهاتهم وفئاتهم.
واعتبرت الهيئة أن الفكرة تأتي كرد فعل يسعى من ينادي بها ومنهم رئيس حكومة الاحتلال الأسبق نوري المالكي، ونواب هم في الأصل قياديون في ميليشيات طائفية للمناورة بها أمام المتغيرات في الساحة الإقليمية بعد الإطاحة بـ"حزب الله" اللبناني، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في محاولة لضبط إيقاع الاصطفاف الطائفي في العراق بما يتناسب مع المستوى المستجد لسياسة التخادم التي تريد الإدارة الأميركية الجديدة العمل في ضوئها.
وفيما يلي نص البيان:
بيان رقم (1585) المتعلق بتصريحات بعض السياسيين المروّجة لفكرة الإقليم الطائفي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن العملية السياسية في العراق قد بلغت حدًا غير مسبوق من التخبط والعبث، والانتهاكات المروعة، والتدمير الممنهج، ومصادرة الحقوق والحرّيات، وتغييب الحقائق، وتردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتزايد المشكلات ذات الصلة بالفسادين المالي والإداري، والسرقات الكبرى، فضلًا عن متلازمة الفشل على الأصعدة كلّها التي تحيق بحكومات الاحتلال المتعاقبة؛ وتسببت بحجم كبير من الضرر البالغ نتيجة اتساع جبهة المخاطر التي تهدد البلد بكيانه ومكوّناته، وشعبه بحاضره ومستقبله، ومؤسساته وموارده.
وممّا استجد على الساحة السياسية مؤخرًا في هذا الصدد؛ عودة الترويج لفكرة ما يدعى (الإقليم الشيعي)، التي سبق طرحها في سنوات الاحتلال الأولى، حين سعت أحزاب إيران وميليشياتها نحو تحقيق ذلك، يوم لم تكن طهران قد بلغت حدّ التغوّل المفرط في العراق؛ ولكنها لم تلق وقتها تجاوبًا شعبيًا يذكر من العراقيين في الوسط والجنوب بمختلف توجهاتهم وفئاتهم. وما فتئت طهران نفسها أن صرفت النظر عن هذه الفكرة؛ بعد أن تعدت حدودها وغدت أحد محوري الاحتلال المزدوج، وظفرت بالعراق كلّه، وانطلق مشروعها منه نحو دول الجوار، متخادمًا مع نظيره الأمريكي، التي صارت حينها ليست بذات قيمة قياسًا إلى الغنيمة الكبرى، التي منحتها واشنطن لطهران وأدواتها، بتمكينها من الهيمنة على العراق كاملًا.
وتعود اليوم الفكرة كرد فعل يسعى من ينادي بها -ومنهم رئيس حكومة الاحتلال الأسبق نوري المالكي، ونواب هم في الأصل قياديون في ميليشيات طائفية- للمناورة بها أمام المتغيرات في الساحة الإقليمية بعد الإطاحة بـ(حزب الله) اللبناني، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في محاولة لضبط إيقاع الاصطفاف الطائفي في العراق بما يتناسب مع المستوى المستجد لسياسة التخادم التي تريد الإدارة الأمريكية الجديدة العمل في ضوئها مع النموذج الحكومي المفترض تكوينه في المرحلة المقبلة، وبما يكشف عن أزمة متعددة الأبعاد ومتسعة المديات لدى قوى (الإطار التنسيقي). ويؤكد هذا التصور ما صدر عن بعض أدوات الإطار من دعوة لاستخدام ورقة (الإقليم) في الضغط والمناورة السياسية في المرحلة المقبلة!!.
إن دستور العملية السياسية (المسخ) الذي هيأ الأرضيات والمناخات لهذا الصنف من المشاريع؛ قد وضع مبررات مستدامة لتأجيج الطروحات المتعلقة بها، وقد شهد العقدان الماضيان من عمر العراق تحت مظلة الاحتلال ومشروعه السياسي تبادلًا للأدوار في تبني فكرة الأقاليم الممهدة لخطر التقسيم في العراق؛ بذريعة (الفيدرالية)، التي بلغ أصحابها -في بعض مراحلها- مبلغًا متهافتًا في الطرح والتنظير.
إن دعوات الأقلمة -بغض النظر عن مطلقيها- تتكئ جميعًا على توهمات تصطف أمام تطبيقها جبال من العوائق والمصدات؛ سواء فيما يتعلق: بالجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وما يتعلق بها من مشاكل كبيرة متوقعة عند التنفيذ فيما يتعلق: بالموارد، أو المياه، أو الحدود، أو قوّات الأمن، أو الإدارة السياسية، والسلطات القضائية، وغير ذلك، فضلًا عن كون هذه الفكرة ترجع في تبعيتها القانونية إلى الدستور، الذي هو مع بطلانه وفساده ومواده غير المنضبطة؛ غير مؤهل ليكون مرجعًا يحدد مصير محافظات أو مجتمعات ذات صبغة معينة؛ لكونه مُشبعًا بالخروقات التي ارتكبها السياسيون أنفسهم في تشكيل الحكومات، وإقرار القوانين، وتقاسم سرقات الموارد. والدستور الذي لا يملك حصانة من الخروقات في القضايا الإجرائية والمرحلية؛ لن يكون -من باب أولى- سالمًا منها في الأمور المصيرية.
الأمانة العامة
11/رمضان/1446هـ
11/ 3/ 2025 م