

وتكتسب هذه الوثيقة أهميةً استثنائيةً كونها لا تتداول هذه المعلومات في مستوى رسميٍ منخفض المسؤولية في الولايات المتحدة، وإنما تقدّم معلوماتها مباشرة وبشكلٍ يوميٍ إلى أعلى المستويات في واشنطن على الإطلاق، وهو المستوى الذي ينبغي وضعه- دائمًا- في الإطار الصحيح والدقيق للأحداث.
هذه الوثيقة التي نعرض جوانب منها اليوم هي مذكرة من فريق مراجعة الموجز اليومي الذي يتلقّاه الرئيس الأميركي- ونائبه- من التقارير الاستخبارية (PDB Review Team) وهي مؤرخة في 9 شباط/ فبراير 2004، ورُفعت عنها السرية في 8 أيلول/ سبتمبر 2026 بموجب سلطة اللجنة المشتركة بين الوكالات الاستخبارية الأميركية لاستئناف تصنيف المعلومات الأمنية.
الوثيقة تنسف الرواية التي طالما استشهد بها مسؤولون أميركيون- ومنهم بوش الابن ووزير خارجيته كولن باول وغيرهما- بخصوص علاقة دولٍ عربيةٍ- من بينها العراق والسعودية- بأحداث 11 سبتمبر الارهابية.
تتضمّن الوثيقة المكوّنة من 17 صفحة مراجعة مواد استخباراتية مختلفة أُعدّت بين 1998 و 20 أيلول 2001، يتعلَّق بعضها بتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن وأفغانستان بشكلٍ مباشرٍ، إضافة إلى جوانب تتعلّق بالعمليات والأنشطة الإرهابية ذات الصلة التي وقعت خلال الفترة المذكورة في باكستان والسعودية والسودان.
بلغ عدد التقارير المدرجة في هذه الوثيقة 353 تقريرًا. كما تسرد 24 تقريرًا استخباراتيًا عن مخاطر هجماتٍ محتملةٍ لتنظيم القاعدة داخل الولايات المتحدة أو باستخدام الطائرات، وكلها قبل العام 2001.
قُدِّمت هذه التقارير الاستخباراتية إلى الرئيسين الأميركيين بيل كلينتون وجورج بوش الابن- ونائبيهما- على نحوٍ يومي ومباشرٍ، وهذا ينسف الرواية التي طالما استشهد بها مسؤولون أميركيون- ومنهم بوش الابن ووزير خارجيته كولن باول وغيرهما- بخصوص علاقة دولٍ عربيةٍ- من بينها العراق والسعودية- بأحداث 11 سبتمبر الارهابية.
المصادر الاستخباراتية الأميركية أكّدت أن بن لادن والحرس الثوري الإيراني عملا معًا منذ عام 1992 في مجالي تدريب متطرفين وتهريب أسلحة.
طبقًا للتقارير المدرجة في الوثيقة فإن مصادر استخباراتية عديدة أكّدت أن بن لادن والحرس الثوري الإيراني عملا معًا منذ عام 1992- أي منذ كان بن لادن مقيمًا في السودان- في مجالين هما:
الأول: تدريب متطرفين.
الثاني: تهريب أسلحة.
كما تؤكد الوثيقة إن عدة مصادر استخباراتية أفادت بأن أسامة بن لادن بدأ اتصالات مع مسؤولين كبار في الحكومة الإيرانية عام 1996- أي بعد انتقاله من السودان إلى أفغانستان- ثم تقول إن هذه الاتصالات تكثّفت خلال عام 1997.
وتتحدث الوثيقة عن رغبة بن لادن في الاستقرار في إيران- في حال اضطراره لمغادرة أفغانستان- وعن محاولات ترتيب لقاءٍ يجمع بن لادن بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ومن سياق التفاصيل التي تضمّنتها الوثيقة يتّضح لنا أن الاستخبارات الأميركية كانت تملك- قبل أحداث 11 سبتمبر- تقارير مؤكّدة ومتكرّرة عن اتصالاتٍ عالية المستوى وتعاونٍ فعّالٍ بين إيران والحرس الثوري وحزب الله من جهة، وشبكة أسامة بن لادن من جهة أخرى، بما في ذلك تقارير عن احتمال تنفيذ عملٍ إرهابيٍ مشترك.
كما ربطت مصادر استخباراتية- ضمن الوثيقة- حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني بتدريب أتباع بن لادن في عملياتٍ محدّدةٍ أو بشكلٍ عام.
وفي الوثيقة يظهر حزب الله اللبناني ليس باعتباره طرفًا منفصلًا تمامًا عن العلاقة الإيرانية/ البن لادنية، وإنما كجزءٍ من سلسلة التدريب والاتصال المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
أما بخصوص الصلات المزعومة بين العراق وتنظيم القاعدة فإن الوثيقة تقول إن هناك نقاشًا- أقلَّ من ذلك المتعلق بإيران- ضمن موجز الرئيس اليومي حول الروابط المحتملة بين بن لادن والعراق، لكنه كان نقاشًا مصحوبًا- دائمًا- بالتشكيك، وبالتأكيد الصريح على أن ما يرد فيه من معلومات ليس مؤكدّا ولا دقيقا.
ففي أوائل عام 1999 أشار أحد التقارير إلى معلومات استخباراتية تفيد بأن ضابطًا في المخابرات العراقي التقى ممثلًا عن بن لادن، لكن التقرير قُدَّم إلى الرئيس- بيل كلينتون- باعتباره غير مؤكد، وكان محللو أجهزة الاستخبارات الأميركية المختلفة يشكّكون في أن يكون مثل هذا التعاون قد حدث بالفعل.
ولا تقدّم الوثيقة في هذا الصدد إثباتًا لعلاقة عملياتية بين العراق والقاعدة، بل تنقل معلومات غير مؤكدة وتشير صراحة إلى شكوك محلّلي الاستخبارات بشأنها. وهو الأمر الذي يختلف تمامًا عن القسم الخاص بالعلاقة بين تنظيم القاعدة وكلٍّ من إيران وحزب الله، حيث كانت المعلومات الاستخبارية الأميركية تتحدّث عن علاقاتٍ مؤكدةٍ وتعاونٍ فعّال.
ومن المفيد الإشارة إلى أن أول موجز استخباري يومي بعد هجمات نيويورك كان مؤرَّخًا في 12 أيلول، الساعة 04:00 بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي، حيث استعرض التقرير الأدلة الأولية التي تمكّن مجتمع وكالات الاستخبارات الأميركية من جمعها بخصوص الهجوم، ويستند إلى معلوماتٍ وردت قبل وقوع الحدث.
ويتحدث التقرير عن أن أحد المصادر الاستخبارية الأميركية في أفغانستان أفاد بأن بن لادن كان قد غادر قندهار إلى كابول تحسّبًا لعمليةٍ محتملةٍ يجري الإعداد لها، ربما لتجنّب مواجهة مع حركة طالبان في حال تنفيذها.
كما قال مصدر سري آخر إن بن لادن والملا عمر دخلا في خلافٍ خلال آب/ أغسطس 2001 بسبب إصرار بن لادن على مهاجمة الولايات المتحدة. وبحسب المصدر فقد أخبر بن لادن الملا عمر بأن لديه "عملياتٍ جاريةٍ من شأنها أن تلحق أضرارًا جسيمة بالولايات المتحدة".
يكشف تسلسل الصلات بين "القاعدة" والنظام الإيراني المدرج في هذه الوثيقة أن الحديث عن العلاقات بين الطرفين لم يظهر بعد أحداث 11 سبتمبر باعتباره مجرّد "ردّ فعلٍ سياسيٍ على الهجمات" بل يوضّح بعباراتٍ صريحةٍ وتفاصيل دقيقةٍ أنه كانت هناك تقارير استخباراتية كثيرة بهذا الشأن قبل الهجمات بسنوات.
أما بخصوص تفجيرات "مجمّع الخبر" في السعودية التي وقعت سنة 1996 فإن الوثيقة تؤكد صراحةً مسؤولية حزب الله اللبناني عبر فرعه في السعودية عن هذه العملية الإرهابية، لكنها تطرح- في ذات الوقت- فرضية احتمال وجود تنسيقٍ بين "القاعدة" وحزب الله اللبناني في هذا الخصوص.

الصفحة الاولى من الوثيقة الاستخبارية الأميركية
ويكتسب تسلسل الصلات بين الطرفين المدرج في هذه الوثيقة أهميته البالغة لأنه يكشف أن الحديث عن العلاقات بين إيران وحزب الله والقاعدة لم يظهر بعد أحداث 11 سبتمبر باعتباره مجرّد "ردّ فعلٍ سياسيٍ على الهجمات" بل يوضّح بعباراتٍ صريحةٍ وتفاصيل دقيقةٍ أنه كانت هناك تقارير استخباراتية كثيرة بهذا الشأن قبل الهجمات بسنوات، كما أن هذه الوثيقة تنسف تمامًا أي صلةٍ للعراق بهذه الأحداث، وأن إدارة بوش الابن كانت على علمٍ دقيقٍ بحملٍ من الحقائق الأساسية، منها:
الوثيقة كاملة هنا
https://www.archives.gov/files/declassification/iscap/pdf/2022-008-document-release-508.pdf