

وتتوزع محاور التقرير بين المشهد العراقي ونظيره في المنطقة العربية ومحيط العراق الجغرافي؛ فضلًا عن رؤية الهيئة لمستجدات الأحداث وتطوراتها في الساحات: العراقية والفلسطينية والسورية والسودانية، وما يتصل بها من متغيرات إقليمية ودولية.
ففي المحور العراقي، تناول التقرير الذكرى الأليمة لبدء العدوان على العراق سنة (2003)، وما أفرزه من تداعيات مستمرة، بدءًا من الاحتقان الطائفي الداخلي، والتحشيد الإعلامي والسياسي تجاه التغيرات الحاصلة في سوريا، وصولًا إلى الحراك الانتخابي المبكر، وما يحيط به من تنافس محموم.
وتضمّن المحور كذلك؛ انعكاسات مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على المشهد العراقي، وملف الحشد الشعبي الطائفي والميليشيات، ومحاولات الالتفاف على الضغوط الدولية، بالإضافة إلى ملف فك الارتباط مع إيران، وأزمة تهريب العملة، والاعتماد على الغاز الإيراني، فضلًا عن التحديات الاقتصادية وأزمة رواتب الموظفين.
وناقش التقرير ما تصاعد مؤخرًا من دعوات لإنشاء إقليم طائفي والتصريحات المرتبطة بذلك، ومسألة المقابر الجماعية التي أُعيد الحديث عنها مؤخرًا، ولا سيما فيما يتعلق بحفرة "الخسفة" بمحافظة نينوى شمال العراق.
أما في المحور العربي والإقليمي، فقد تناول التقرير تطورات المشهد السوري، وما طرأ فيه من تغييرات سياسية وميدانية، وتداعيات "طوفان الأقصى" والهدنة المؤقتة في قطاع غزة التي شهدت تبادل أسرى، ثم استئناف العدوان الصهيوني على القطاع، بالإضافة إلى الأزمة السودانية، وتدهور أوضاع حقوق الإنسان في ظل الصراع القائم هناك.
وأكّد القسم السياسي في هذا الصدد؛ أن الملفات التي طرحها تقريره الدوري تتطلب قراءة معمقة وفهمًا دقيقًا لمجريات الأحداث، مما يتطلب فرصة حقيقية للنقاش والتحليل الموضوعي، سعيًا للوصول إلى رؤية أكثر وضوحًا لمستقبل المنطقة في ظل هذه المتغيرات المتسارعة.
وفي ما يأتي نص التقرير:
التقرير الدوري السادس عشر
عن الحالة السياسية في العراق والمنطقة
23/رمضان/1446هـ - 23/ 03/ 2025م
أولًا: المحور العراقي:
في (19/3/2003م) شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها غزوًا عسكريًا واسعًا على العراق، متذرعين بحجج واهية ومزاعم كاذبة؛ ثبت بطلانها وعدم صحتها فيما بعد؛ لكن هذا الغزو كان نقطة تحول كارثية في تاريخ العراق والمنطقة، وانتهى بفرض احتلال أمريكي بريطاني قاتل، وإقامة نظام سياسي غير شرعي، لم تزل تبعاته الخطيرة مستمرة حتى اليوم.
وقد حاول الاحتلال رفع لافتة تحرير الشعب العراقي ونشر (الديمقراطية) المزعومة؛ لكن النتائج الفعلية جاءت عكسية تمامًا؛ فقد دخل العراق مرحلة عدم استقرار سياسي خطيرة، بعد الشروع في عملية سياسية مبنية على المحاصصة الطائفية والعرقية؛ مما أدى إلى الإخلال ببنية النسيج الاجتماعي العراقي وإضعاف كيان الدولة؛ الأمر الذي أفضى بعد حين إلى دوامة من العنف الطائفي المخطط له، واتساع حالات انتهاك حقوق الإنسان العراقي، الذي ادعت أمريكا (حمايته) و(تحريره) عند غزوها العراق؟! بينما تجاهلت انتهاكاتها هي نفسها، عندما ارتكبت جرائم خطيرة ضد الشعب نفسه، الذي زعمت أنها جاءت لخلاصه.
وقد سارت الأمور بعد ذلك في سياق معلوم للمتابعين؛ يمكن رصد أبرز نتائجه في الآتي:
1- إضعاف المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، التي حُلَّت واستبدلت بجماعات ميليشياوية مسلحة تذعن بالولاء لجهات خارج الحدود.
2- تفشي الفساد، الذي بدأ سياسيًا عندما أصبحت العملية السياسية مرتعًا للفساد والمحسوبيات، ومن ثم انتشر عموديًا وأفقيًا في مجالات الحياة كافة.
3- الضعف الكبير والمتنامي لمنظومات العمل العام، ولا سيّما في القطاعات: الصناعية، والتجارية، والزراعية، والصحية، والتعليمية.
4- توقف أو تردي الخدمات العامة والبنى التحتية، ومن أبرز تداعيات ذلك: انهيار منظومة الكهرباء الوطنية.
5- انتشار الفقر والبطالة، ومن ثم بروز المعالجات الخاطئة التي أودت بالموازنات العامة للدولة بتركيزها على جوانب دون أخرى.
وعلى الرغم من معاناة العراقيين طوال هذه السنوات الصعبة، وتأثرهم البالغ بالأوضاع الكارثية، والنكبات المتلاحقة؛ إلا أن محاولات التخلص من إرث الاحتلال، وبناء الدولة الوطنية المستقلة لم تتوقف، ومن أدلة ذلك: تواصل الاحتجاجات الشعبية واستمرارها، ومن أبرزها احتجاجات السنوات: (2012م) و(2013م) و(2019م)، التي طالبت بتغيير النظام السياسي القائم، والقضاء على الفساد والتدخلات الخارجية، وبناء دولة المؤسسات الوطنية، وإعداد جيش قوي يدافع عن العراق وأرضه وشعبه.
2. الرعب الداخلي، والتحشيد الطائفي، والتخبط تجاه ما جرى في سوريا من تغيرات إيجابية.
باتت الحكومة الحالية في بغداد محشورة في الزاوية، بعد التغيير الذي جرى في سوريا، والمتغيرات التي عصفت بالمشهد اللبناني؛ حيث تجد صعوبة بالغة في ترتيب العلاقات وملفات السياسة الخارجية؛ لإرضاء المتحكمين ببقائها أو المتنفذين فيها؛ فضلًا عن طريقة التعامل المناسبة مع المحيط العربي وغير العربي؛ إذ يتزايد اليوم الاهتمام بمستقبل العلاقات مع تركيا، بعد أثرها الملحوظ في مشهد التغيير في سوريا، فضلًا عن ملف المياه، والعلاقات الاقتصادية معها.
فضلًا عن العلاقة مع إيران بعد خسارتها المدوية في الساحتين السورية واللبنانية، والضغوط الأمريكية القصوى عليها وعلى العراق؛ لفك عقد الارتباط بينهما، ولا سيّما وسائل وأدوات التهرب من العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني.
ومن جانب ثالث فإن إدارة ترامب لديها -كما نبه على ذلك مراقبون عدة- مقاربات مختلفة وحسابات متعددة في العالم وليس على صعيد المنطقة فحسب، بما فيها قضايا: فلسطين، وسوريا، ولبنان، والعراق.
وبناءًا على ما تقدم تجد حكومة بغداد نفسها ملزمة برسم سياسة جديدة حيال هذه الدول، والأخذ في الحسبان الإشكاليات التي تتحكم بالحكومة من أحزاب وفصائل ميليشياوية متحالفة مع إيران، سواء تلك التي تنتمي إلى الإطار التنسيقي الحاكم، أو الميليشيات الموالية لإيران؛ ولا سيّما أن الأخيرة تعلن عن رفضها الصريح حلّ نفسها، أو حتى نزع سلاحها.
ونتيجة لكل ذلك ظهرت شواهد جديدة للعالم عن الفشل السياسي والتخبط في ردات الفعل والتصريحات الرسمية، سواء كانت صادرة عن وزارة الخارجية والمتحدثين الحكوميين، أو عن شخوص العملية السياسية في العراق؛ إذ كانت التغيرات السريعة في المنطقة قوية وصادمة، ودفعت بالحكومة للتخلي عن شعارات ما يسمى: (محور المقاومة) و(وحدة الساحات)، ورفع شعارات، هي نفسها غير مقتنعة بها وتمارس نقيضها يوميًا، من قبيل: إن العراق فيه حكومة ونظام ديمقراطي، وعملية سياسية وانتخابات، وأنه لا يمكن استنساخ ما جرى في سوريا وتطبيقه في العراق؛ بل أصبحت حكومة (السوداني) متأرجحة بين اتخاذ موقف واضح من سوريا بعد سقوط نظام بشار، وبين انتظار إيران -بوصفها الخاسر الأكبر- لتحدد موقفها من سوريا، ثم تحدد هي موقفها تبعًا لذلك.
3- الركض المبكر والمحموم نحو الانتخابات المقبلة.
أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ولا سيّما برامج المقابلات في شهر رمضان؛ ساحة للتعبير عن الركض المبكر والمحموم نحو الانتخابات المقبلة، وميدانًا لحرب التصريحات والمزايدات والتسقيط بين شركاء الأمس-خصوم اليوم، أو خصوم الأمس-شركاء اليوم. فيما يراقب المواطن العراقي المشهد ويرصد التصريحات، بدون أن يساوره شك بأن وضع العراق السياسي يدور في حلقة الطائفية والمصالح، وبيع وشراء المناصب، وصراع محاور الحكم، بعيدًا -كل البعد- عن مصلحة العراق والعراقيين.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هي التقلبات الشديدة والبينية في المواقف والتحالفات السياسية؛ حيث نجد ألد الخصوم مستعدًا لأن يتصالح مع خصمه الذي سخر منه وحاربه لأجل ألا ينجح حليف الأمس!! ونتيجة لذلك يشهد العراق انشقاقات يومية وإعلان تحالفات وتجمعات وتكتلات جديدة، وبات الصراع في ذروته، والخاسر الأكبر هو الشعب العراقي الذي سئم هذه الأوضاع، ويتحين الفرص المناسبة للخلاص من الواقع المزري الذي هو فيه.
4- مجيء ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية مع كل ما يحيط بشخصيته وقراراته، والترقب السياسي بشأن ماذا سيفعل في المشهد العراقي.
بعد فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، التي كشفت السجالات والمناظرات بين المرشحين فيها عن نيات وإستراتيجيات ترامب في المنطقة والعالم. ومع استلام حاكم الولايات المتحدة لمهامه؛ بدأ بحملة سريعة وواسعة لتنفيذ مشاريعه ومقترحاته وقراراته التنفيذية الكثيرة.
وقد أضحت هذه السياسة الجديدة للولايات المتحدة معلنة وظاهرة للجميع، من غير مواربة أو ترتيبات تحت الطاولة. والعراق ليس بمنأى عن هذه السياسة وإستراتيجياتها الجديدة؛ فهو مازال محتلًا، وفيه وجود معلوم ومعروف للقوات الأمريكية، التي احتلت مع حلفائها العراق -كما هو معلوم- بلا سند دولي أو قرار من مجلس الأمن.
وبعد أكثر من عقدين من الاحتلال؛ يتوقع بعضهم اعتذارًا أمريكيًا للعراقيين عما حصل لهم بسبب الاحتلال -ولا سيّما أن ترامب نفسه كثيرًا ما صرّح في ولايته السابقة وأثناء حملته الانتخابية الأخيرة بأن غزو العراق واحتلاله واحد من الأخطاء الكبرى التي ارتكبتها الولايات المتحدة-؛ لكن يبدو أن هذا ليس في المتناول؛ فسياسة الإدارة الجديدة تسعى للاستحواذ على ثروات العراق لتعويض ما صرفته في احتلالها، الذي بلغ في اعتراف جديد لـ(جو بايدن) الرئيس الأمريكي السابق؛ (8) تريليونات دولار.
أما الحديث عن القوانين والأعراف الدولية التي تنص على: أن المحتل هو من يعوّض البلد الذي احتله عما جرى فيه من خسائر؛ فيبدو أنه سيبقى حديثًا جانبيًا لا تأثير له، ولا سياق يمكن أن يحفل به.
ومن تداعيات مجيء ترامب أن أحزاب العملية السياسية والقائمين على حكومة الاحتلال في بغداد ينظرون ويترقبون بخوف وتوجس ما سيصدر منه تجاههم، وبماذا سيأمرهم وما هي الإملاءات التي يجب أن ينفذوها ثمنًا لبقائهم واستمرارهم في حكم العراق. ولعل الصورة قد تشكلت بإطارها العام عن طريق أوامر ترامب وإدارته بـ "حل الميلشيات ونزع أسلحتها وإلا فسيتم تصفيتها، ثم إنهاء ملف الاعتماد على إيران في استيراد الغاز لتوليد الطاقة الكهربائية، وإيقاف تهريب العملة الصعبة لإيران لمساعدتها في تخفيف العقوبات والحصار عليها"، وقادم الأيام يخبئ المزيد.
وهذا الإطار وإن كان يعبّر عن مستوى متدنٍ من سياسة التخادم التي ترغب فيها واشنطن هذه المرة بإخضاع أدواتها في العراق للنزول إلى حالة من تحديد الصلاحيات وتقييد المصالح، والوقوف عند حدود معينة تُبقي مصلحة الولايات المتحدة عالية الكعب على مصالح شركائها الذين حظوا على مدى سنوات طويلة بمساحات نفوذ واسعة ومكاسب لا تحدها الإحصاءات؛ فإنه يعد خسارة واسعة النطاق لهذه الأحزاب وتضييقًا في أفق المشروع الإيراني في العراق أولًا وفي المنطقة ثانيًا.
5- ملف الحشد الطائفي وفصائل الميليشيات ومحاولة خداع الناس بالتفريق بينهما، في محاولة لتفادي آثار الضغوط الأمريكية لحلها وتفكيكها.
تسعى حكومة بغداد دون جدوى إلى التعامل مع سلاح فصائل الميليشيات وفق رؤية إخضاعها لمنطق حصر أسلحتها ودمج أفرادها في الدولة، في حين تعلن الميليشيات وقادة فصائلها عن مواقف وتصريحات مخالفة حينًا، ومواربة ملتوية حينًا آخر، فمثلًا حركة (النجباء) التي يتزعّمها أكرم الكعبي أعلنت عن "تعليق عملياتها ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية"، بينما أعلنت ميليشيا (أنصار الله الأوفياء) أنها لن تنزع سلاحها، ولن تحلّ نفسها.
وقد فتح ملف حلّ فصائل الميليشيات؛ إثر ورود معلومات بشأن تهديدات تلقتها بغداد من مبعوث خاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل تنصيبه بنحو أسبوعين؛ إذ أوصل هذا المبعوث -بحسب هذه المعلومات- رسالة أمريكية واضحة حيال الفصائل المسلحة التي يجب أن ينزع سلاحها، أو تدمج في أجهزة الجيش والشرطة؛ وإلا فإنه لن تكون واشنطن قادرة على منع رئيس وزراء الكيان الصهيوني من توجيه ضربات لها. ولم تؤكد حكومة بغداد ولم تنف ما ورد في رسالة المبعوث؟! أما رئيس الحكومة (السوداني) فقد سلك طريق الوساطة مع الإدارة الأميركية في عهد الرئيس السابق (جو بايدن) لمنع (الكيان) من توجيه (3) ضربات للفصائل.
وقد تسيدت تصريحات السياسيين والجهات الرسمية المشهد؛ فأعلن (عمار الحكيم) قبل تنصيب ترامب بنحو أسبوعين: أن الحكومة تلقّت تهديدات هدفها الضغط على الفصائل لنزع سلاحها، في حين نفى وزير الخارجية (فؤاد حسين) خلال ندوة حوارية في بغداد، سماع أي تهديدات من الإدارة الأميركية الجديدة؟! وهذان الموقفان من (الحكيم وفؤاد) يتناقضان مع موقفين لرئيس الجمهورية الحالي (عبد اللطيف رشيد) ورئيس الوزراء السوداني؛ فقد سافر الأخير إلى إيران والتقى المرشد الإيراني الأعلى (علي خامنئي)، وسمع منه كلامًا عن أهمية تقوية (الحشد الشعبي)، وأعلن عن أنَّ العمل جارٍ على دمج الفصائل المسلحة في ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية.
بينما نقل عن (عبد اللطيف جمال رشيد) قوله في حوار تلفزيوني: "إن الفصائل المسلحة باتت تأتمر بتوجيهات الحكومة... والحشد الشعبي هو جزء من القوات الأمنية، ولا يوجد مبرّر للحديث عن دمجه بوزارتي الدفاع والداخلية". ثم زاد قائلًا: إن "الفصائل، هي فصائل عراقية، وقرارات الحكومة الأخيرة نصّت على أن كل نشاطاتها يجب أن تكون بتوجيه من الحكومة، ومنذ فترة هناك هدوء"، وبيَّن أن "بعض الفصائل مرتبطة بالحشد الشعبي، ومن ثم فهو جزء من القوات الأمنية". وبشأن دمج الحشد الشعبي بوزارتي الدفاع والداخلية؛ قال رشيد: إن "الحشد الشعبي جزء من القوات الأمنية، ولا يوجد مبرر لإثارة هذه الموضوعات، والحكومة مسيطرة على الوضع، ولا توجد مشكلات منذ فترة"!!.
ويأتي ما تقدم في سياق محاولات إيهام المجتمع الدولي بأن العراق يعيش حالة من الاستقرار الأمني والسياسي، وأن تشكيلات (الحشد الشعبي وفصائل الميليشيات) جميعًا؛ هي في ضمن الدولة وأجهزتها، وخاضعة لأوامر قائد القوات المسلحة، الذي هو رئيس الحكومة الحالية، وأنه ليست هناك فصائل خارجة عن الدولة؟! في الوقت الذي يعلم فيه العراقيون الذين يعيشون واقع الحياة وتحكم الميليشيات فيها بعيدًا عن سلطة الجيش أو القوات الحكومية؛ حقيقة الأوضاع، ويدركون تمامًا عدم قدرة هذه المحاولات اليائسة على تغطية الحقائق.
6- ملف فك الارتباط مع إيران بإملاءات أمريكية، وما يتعلق به من موضوعات: كتهريب العملة، واعتماد العراق على الغاز الإيراني لتوليد الكهرباء، والعجز المالي، وتأمين رواتب الموظفين.
ما زال الفشل الخدماتي ولا سيّما في فصلي الشتاء والصيف هو الطاغي على المشهد العراقي؛ ففي حين تغرق المدن في الشتاء -بما فيها بغداد العاصمة- بمياه الأمطار، وتتحول الطرق في القرى والأرياف إلى برك طينية؛ يتلظى العراقيون في حرّ الصيف نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لمعظم ساعات اليوم، وسط كل ذلك جاءت توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب؛ لإلزام حكومة بغداد بفك الارتباط مع إيران، وإيقاف الاعتماد على استيراد الغاز منها لتوليد الطاقة الكهربائية؛ فسارع المسؤولون عن الفشل الذريع في هذا الملف إلى الحديث عن: أن العراق سيعاني من صيف لاهب بلا كهرباء.
فيما تسابق آخرون إلى تسريع وتيرة تهريب وتبييض أموالهم نتيجة الضغوط الأمريكية الجديدة على بنوك تهريب العملة وبيعها لإيران؛ مما انعكس على شحة النقد والسيولة في البنوك؛ الأمر الذي أدى إلى خروج تصريحات لعدد من المسؤولين، تفيد بعدم القدرة على توفير رواتب الموظفين وتأخر صرفها، وأن العراق سيعاني من أزمات اقتصادية كبيرة إن استمر انخفاض سعر بيع برميل النفط وبقاء الحال على ما هو عليه بلا حلول، والاعتماد الكامل على موارد بيع النفط دون إيجاد موارد جديدة.
وقد جاء إعلان وزارة الخارجية الأمريكية قبل مدة عن إلغاء إدارة ترامب (الإعفاء) الذي كان يسمح للعراق بدفع مستحقات إيران مقابل الكهرباء، في إطار ما تسمى (حملة الضغط الأقصى) ضد طهران؛ ليؤكد المخاوف في بغداد من تأثير ذلك على وضع الحكومة والنظام السياسي القائم وزيادة مصاعبهما؛ حيث قالت وزارة الخارجية الأمريكية بأن: هذا القرار يهدف إلى الحد من التخفيف الاقتصادي عن إيران، ووقف دعمها للجماعات الإرهابية. ودعت الخارجية الأمريكية حكومة بغداد إلى تقليص اعتمادها على الطاقة الإيرانية؛ مشيرةً إلى أن الشركات الأميركية توفر فرصًا لتحسين قطاع الطاقة العراقي .
7- ارتفاع وتيرة التصريحات لعدد من السياسيين الطائفيين؛ بشأن الإقليم (الشيعي) وما يتعلق به.
لوحظ في الآونة الأخيرة ارتفاع وتيرة التصريحات (الصريحة والتلميحية) لدى عدد من السياسيين الطائفيين ومنهم المالكي؛ بشأن موضوع (الإقليم الشيعي) وما يتعلق به من تداعيات كموضوع النفط مثلًا. وتعيدنا هذه التصريحات إلى ماضي العملية السياسية، حينما كان أقصى أمنيات الأحزاب الطائفية، هو الحصول على إقليم (ما) في الوسط والجنوب أو في البصرة فقط؛ عندما لم تكن إيران -حينها- قد تغولت وتحولت إلى احتلال صريح كما هو الحال الآن؛ حيث كانت إيران تسعى حثيثًا لتوسعة نفوذها عن طريق نمط مقنن ومؤطر؛ ولم تكن تتوقع أن تمنحها الولايات المتحدة كل ذلك لاحقًا بحكم ظروف مختلفة؛ لتجد نفسها قد ظفرت بالعراق كله، فما الداعي إذن للأقاليم!!.
وقد وصل الأمر بأحد النواب (حسين مؤنس) إلى التصريح بأنه: "يجب استخدام ورقة الإقليم الشيعي في مفاوضات تشكيل الحكومة"، فيما قال (سلام عادل) -وهو أحد من يوصفون بأنه مستشار لرئيس الوزراء الحالي-: "إن نفط الشيعة للشيعة، وعلى السنة والكُرد تدبير أمورهم في القادم من الأيام"؟!.
إن العودة إلى هذا المربع اليوم؛ لها دلالات بشأن التحول في أنماط سياسة التخادم، ونزولها إلى مستويات أدنى بكثير مما كانت عليه، وقد تكون فكرة تقسيم العراق وسوريا واحدة من الطروحات، التي يراد لها الرواج في هذه المرحلة لتحقيق جملة من الأهداف.
8- حفرة (الخسفة)، وصلتها بموضوع المقابر الجماعية.
أعادت زيارة محافظ نينوى، يوم (5/3/2025م)، لموقع مقبرة (الخسفة) جنوب الموصل، وتصريحاته عن تبنيه مشروعًا جديدًا يهدف إلى فتح المقبرة، وإنصاف ضحايا الإبادة الجماعية؛ قضية ضحايا هذه المقبرة إلى الواجهة؛ حيث تحاول حكومات الاحتلال طمرها وإخفاء حقيقتها تخوفًا من كشفها لحقيقة الجرائم التي ارتكبت ضد أبناء الموصل الأبرياء، وتسعى للاستفادة منها إعلاميًا فقط بين حين وآخر؛ لتخفيف الضغط عليها أمام الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، والتخوفات الكثيرة من متغيرات المرحلة إقليميًا ودوليًا، وهو ما يعني أن تصريحات محافظ (نينوى) وغيره؛ لن تأتي بجديد في ظل وجود الأحزاب والميليشيات الطائفية التي تمنع كشف الحقائق عن هذه المقبرة وغيرها من المقابر المشابهة؛ ففي عام (2022) كشف (حسن العلاف) نائب محافظ (نينوى) حينها عن عملية ردم تعرضت لها حفرة (الخسفة)، وأن السلطات المحلية في الموصل؛ قد تلقت أنباء عن محاولات لدفن (الخسفة)، تقوم بها جهات قال عنها: إنها "مجهولة" لدى الحكومة المحلية. علمًا أن المنطقة بكاملها تخضع لسيطرة ميليشيا الحشد، كما صرح بذلك (العلاف)، في إشارة واضحة لميليشيا الحشد والقوات الحكومية، التي تسعى لإنهاء موضوع الحفرة؛ كونها تُعدُّ شاهدًا مهمًا على جرائم الحرب التي طالت أبناء الموصل الأبرياء.
وتقع حفرة (الخسفة) جنوبي مدينة الموصل، بالقرب من ناحية (حمام العليل). وتشكلت الحفرة بفعل عوامل طبيعية عدة؛ لكنها تحولت إلى موقع استخدمه تنظيم (داعش) والميليشيات الطائفية؛ لإلقاء جثث ضحاياهم بين عامي (2014-2020م).
وتشير تقارير حقوقية عدة إلى أن الحفرة تحتوي على رفات كثير من الضحايا؛ إلا أن حكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق؛ لم تقم حتى الآن بفتحها والتحقيق في هوية الضحايا، شأنها في ذلك شأن مقابر جماعية عدة في محافظتي: (الأنبار) و(صلاح الدين)؛ لأن ضحاياها من أهالي هاتين المحافظتين، فيما كان مرتكبو المجازر التي دفن ضحاياها في هذه المقابر الجماعية؛ من القوات الحكومية والميليشيات الطائفية.
وعلى الرغم من مرور ما يقارب عشر سنوات على سيطرة الحكومة وميليشياتها على الموصل؛ لم تقم السلطات الحكومية بفتح حفرة (الخسفة) بشكل رسمي، مما يثير الكثير من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء ذلك. ويمكن تلخيص أبرز أسباب ذلك فيما يأتي:
أ- الخوف من كشف أعداد الضحايا وهوياتهم؛ لأن فتح هذه المقبرة سيكشف عدد الضحايا الحقيقي، ما قد يسبب إحراجًا لحكومات الاحتلال، ولا سيّما إذا كان من بين الضحايا أشخاص تم تغييبهم قسرًا، سواء على يد تنظيم (داعش) أو الميليشيات الطائفية والقوات الحكومية؛ وهو ما يكشف حقيقة أن قسمًا من الضحايا لم يكونوا من ضحايا التنظيم فقط؛ بل تعرضوا للقتل على يد الميليشيات خلال المعارك مع التنظيم وبعد السيطرة على المدينة.
ب- فتح هذه المقبرة يتطلب تحقيقًا دوليًا ومحليًا، مما قد يؤدي إلى مطالبات قانونية بتقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى العدالة، وهو ما لا ترغب فيه بعض الأطراف السياسية والحكومية المتورطة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ج- الأوضاع الأمنية والميدانية في الموصل؛ حيث ما تزال هناك تحديات أمنية قد تعيق ذلك، فضلًا عن المخاوف من أن بعض الجهات السياسية والميليشياوية؛ قد تعرقل أي تحقيق مستقل.
د- إخفاء هوية الضحايا؛ لأن غالبيتهم العظمى من أبناء (الموصل)، وهو ما يثبت أن أهل المدينة قد تعرضوا لإبادة جماعية من طرفي النزاع، وأن الحكومة والجهات المرتبطة بها، أو الطامحة في ركوب موجة الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية ومصلحية خاصة؛ لا يريدون أن يعترفوا بهذه الحقيقة، فضلًا عن أن هناك جهات لا ترغب في الاعتراف بأن (التنظيم) قد وزع جرائمه على كل العراقيين بلا تمييز، وأن ضحاياه من سكان المناطق التي سيطر عليها؛ هم أكثر من غيرها من المناطق. زد على ذلك أن الحكومة ومن معها لا يرغبون -فيما يبدو- بتعويض ذوي الضحايا ممن تعرضوا للقتل والتغييب القسري من أبناء هذه المناطق.
وعدم الكشف عن هوية الضحايا في حفرة (الخسفة) يُعد استمرارًا للجريمة بحقهم وبحق ذويهم؛ فالأسر التي فقدت أبناءها خلال سنوات العنف في (الموصل) لا تزال تعيش في المجهول، وغير قادرة على المطالبة بحقوقها أو دفن ذويها بشكل لائق؛ حيث تم انتشال نحو (9500) جثة من تحت الأنقاض في السنة الأولى بعد انتهاء العمليات العسكرية في مدينة الموصل. وعلى الرغم من أن السلطات تشير إلى أن (2700) من هذه الجثث تعود لمقاتلي تنظيم (داعش)، فإن هذا الادعاء يبقى محل تساؤل؛ حيث اعتمدت السلطات على الفحص البصري فقط، وهو أسلوب يفتقر إلى الأدلة القاطعة. وبعد عام (2018م) فرضت السلطات حظرًا على عمليات انتشال الجثث في المدينة دون تقديم أسباب واضحة، مما أثار التساؤلات بشأن أهداف هذا القرار، الذي يرى متابعون: أنه يهدف إلى إضاعة الوقت، من أجل أن يصبح التعرف على هويات الضحايا أكثر صعوبة مع مرور الزمن.
من ناحية أخرى، تكشف التقارير المتوفرة أن نحو (13,000) منزل في الموصل؛ قد دمرت خلال العمليات العسكرية التي استهدفت المدينة بين عامي (2016م) و(2017م). وكان وراء هذا الدمار الواسع النطاق غارات جوية متواصلة، وقصف مدفعي عشوائي عنيف، إلى جانب المعارك الضارية بين القوات الحكومية وعناصر التنظيم في مختلف أحياء المدينة.
وما تزال هذه المنازل التي تهدمت على رؤوس ساكنيها مهملة حتى اليوم، وأكوام الأنقاض التي يصل وزنها إلى (10) ملايين طن في أقل التقديرات؛ تحجب الشوارع والطرق المؤدية إليها. وعلى الرغم من ذلك، لم تُنفذ السلطات أي عمليات للبحث عن المفقودين أو الضحايا المدنيين. وتشير التقديرات إلى أن عدد المفقودين من أهالي مدينة الموصل جراء العمليات العسكرية التي استهدفت المدينة بين عامي (2016م) و(2017م)؛ يتجاوز (50,000) شخص. ويشمل هذا الرقم: المدنيين الذين فقدوا في أثناء المعارك والغارات الجوية، فضلًا عن الذين تم دفنهم تحت الأنقاض.