الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

عن (ورطة) ترمب في حربه ضد إيران!

ترويج اليسار الأميركي وأذرع إيران لفكرة (الورطة) يعبّر عن مماحكات سياسية أو عقدٍ آيديولوجية أو تمنيات أو ارتزاق

مصطفى كامل
السبت 4 أبريل, 2026 16:12
الكُلف والخسائر؛ جزء محسوبٌ في خطة الحرب لا مفاجأة.
الكُلف والخسائر؛ جزء محسوبٌ في خطة الحرب لا مفاجأة.
 في صخب الفوضى الإعلامية الراهنة، حيث مئات القنوات التلفزيونية وعشرات آلاف المواقع الإخبارية والكم الهائل من قنوات اليوتيوب وبرامج البث الصوتي أو المرئي (بودكاست) تنتشر آراء وتحليلات كثيرة، بعضها يصيب الهدف ومعظمها يطيش يمنة ويسرة.

من المهم بادئ ذي بدء الإشارة إلى أن التعامل مع مجمل مجريات الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد نظام ولاية الفقيه في إيران يكشف الفرق بين التحليل السياسي الواقعي والتحليل المنحاز آيديولوجيًا، أو العاطفي النابع عن تمنياتٍ شخصية، أو السطحي الذي يُعاني من غيابٍ للمعلومات وجهلٍ بتفاصيلها.

التعامل مع مجمل مجريات الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد نظام ولاية الفقيه في إيران يكشف الفرق بين التحليل السياسي الواقعي والتحليل المنحاز آيديولوجيًا، أو العاطفي النابع عن تمنياتٍ شخصية، أو السطحي الذي يُعاني من غيابٍ للمعلومات وجهلٍ بتفاصيلها.

في هذا الإطار يطرح بعض المحللين العرب، من تياراتٍ آيديولوجية مختلفة ناصرية وإسلاموية ويسارية ، ومن اليسار الأميركي فرضيةً نابعةً من وهمٍ شخصيٍ أو قناعةٍ آيديولوجيةٍ أو تمنياتٍ وأحلامٍ عاطفيةٍ. تقول هذه الفرضية إن "الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ورطة بسبب الحرب الدائرة حاليًا ضد إيران".

غير أن هذا التوصيف، رغم جاذبيته الإعلامية لدى بعض الأوساط المتلقيّة، لا يصمد طويلًا أمام قراءةٍ واقعيةٍ تستند إلى توازنات القوة، وطبيعة الصراع، وآليات إدارته على نحوٍ استراتيجي شامل وبعيد التأثير وليس مجرد تكتيكاتٍ مرحليةٍ محدودة الأثر.

الفرضية الأساسية في هذا الخطاب تقوم على أن أي مواجهة مع إيران ستتحول بالضرورة إلى نزاعٍ طويلٍ ومكلّفٍ وغير قابلٍ للضبط. لكن هذه الفرضية تتجاهل حقيقةً مركزية في هذا الخصوص وهي: الفرق بين الحروب كما كانت، والحروب كما تُدار اليوم.

 

لماذا ترمب ليس في (ورطة) مع إيران؟

تتفوّق الولايات المتحدة على النظام الإيراني بشكلٍ ساحقٍ، والتفوق الأميركي في هذه الحالة ليس مجرّد فارقٍ في الحسابات الفنية، في بعض جوانب القوة أو في كلها حتى، بل هو فجوةٌ هيكليةٌ هائلةٌ عميقةٌ وشاملةٌ، إذ لا يقوم التفوق الأميركي على عاملٍ واحدٍ فحسب، بل على منظومةٍ متكاملةٍ عسكريةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ واستخباراتيةٍ وإعلاميةٍ، وغيرها من العوامل الداخلة في صلب الصراع، أو تلك المؤثّرة فيه بهذا القدر أو ذاك.

ولأجل أن تكون الصورة التي نقدّمها أقرب إلى الدقة شبه المطلقة في الحسابات الاستراتيجية نؤكد على أهمية وصواب الحقيقة القائلة إن "التفوق بحدّ ذاته، مهما بلغ لا يكفي لوحده ليحسم الصراعات الكونية الاستراتيجية"، فما يحوّل هذا التفوق إلى نتيجةٍ حاسمةٍ، أعني إلى نصرٍ، هو طريقة استخدامه، ومدى هذا الاستخدام، ومقدار الإرادة السياسية التي تديره أو تلك المؤثرة به، وبلا مبالغة وبلا عاطفية وبلا تحيّز، وحتى الآن في أقل تقدير، يبدو أن الإدارة الأميركية لديها هذا التفوق الاستراتيجي، وهي تجيد استخدامه وتُناور به بمرونة عالية تبعًا للمستجدات، ولديها الإرادة السياسية لتذهب به إلى أبعد مدى، وأبعد مدى هو إسقاط النظام سواءٌ صرّحت بذلك أو لم تصرّح.

تتفوّق الولايات المتحدة على النظام الإيراني بشكلٍ ساحقٍ، وتفوّقها ليس مجرّد فارقٍ في الحسابات الفنية، بل فجوةٌ هيكليةٌ هائلةٌ عميقةٌ وشاملةٌ تقوم على منظومةٍ متكاملةٍ عسكريةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ واستخباراتيةٍ وإعلاميةٍ، وغيرها من العوامل الداخلة في صلب الصراع، أو تلك المؤثّرة فيه بهذا القدر أو ذاك.

دعونا نفكّك الصورة بشكلٍ استراتيجي:

أولًا: أين تتفوق الولايات المتحدة فعلاً؟

  1. تفوقٌ عسكريٌ وتقنيٌ ساحقٌ يتيح قدرة ضربٍ عميقٍ وواسعٍ للبنية العسكرية والاقتصادية والحكومية والأمنية الإيرانية، ويجعل من كلفة أيّ ردٍّ إيرانيٍ أعلى بكثيرٍ من قدرة النظام على التحمّل، أو يُلحِق بهذه القدرة ضررًا جدّيًا بالغًا وعلى الفور، وكما يأتي:
  • التفوق الاستخباراتي والتقني (تغطية أقمار اصطناعية + استخبارات إلكترونية + قدرات سيبرانية).
  • بنك أهدافٍ ديناميكيٍ يوفّر معلوماتٍ دقيقة جدًا وفي الوقت الفعلي.
  • ضرباتٍ دقيقةٍ تقلّص الضجيج الدعائي، وتزيد الفاعلية والتأثير النفسي على الخصم وأتباعه.
  • القدرة على ضرب أهدافٍ دقيقةٍ داخل إيران من بعدٍ كافٍ ودون الدخول في حربٍ شاملة.
  • تنفيذ اغتيالاتٍ مباشرةٍ أثبتت اتّساع ومرونة هامش الحركة ودقة التصويب.
  • تفوقٌ بحريٌ يؤمّن خطوط الإمداد، ويخنق أي ردٍّ واسعٍ مقابل.

 

  1. تفوقٌ اقتصاديٌ مسيطِر:
  • التأثير العميق للعقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني.
  • القدرة على الضغط الطويل دون استنزافٍ داخليٍ مماثل.
  • سيطرة واشنطن على النظام المالي العالمي تمنحها أداة ضغطٍ طويلة الأمد على موارد النظام.
  • إيران لا تستطيع الردّ اقتصاديًا بالمثل إلا في مماحكات تتعلق بمضيق باب العرب (هرمز).

 

  1. تفوقٌ في اتخاذ القرار
  • النظام الأميركي قادرٌ على التصعيد أو التراجع حسب المصلحة وحسب الحاجة، وبمديات تحرّك أوسع (ناتو، اتحاد أوروبي، دول عربية.. الخ) حتى مع بعض التعويق هنا أو هناك.
  • النظام الإيراني مقيّدٌ أيديولوجيًا بخطاب (محور المقاومة ومواجهة الاستكبار العالمي) في الداخل الإيراني، وفي دوائر تأثيره الخارجي (العراق، لبنان، اليمن، فلسطين.. الخ) بما يحول دون تراجعه الذي في حال حصوله يُفقِده مساحة التأثير والنفوذ.

ترمب يتعمّد إثارة الغموض وخلق جوٍّ من التضليل، ويتعمّد التنقّل بين خياراتٍ وطروحاتٍ متعددةٍ، قد تبدو متناقضة حتى، لكنها في الحقيقة تصبّ جميعها في مسار إدارة الصراع وتحقيق الحسم فيه.

 

ثانيًا: أين تكمن (الورطة) المتوهَّمة؟

  1. الحرب غير المتكافئة:

إيران لا تواجه مباشرة، بل عبر:

  • هجماتٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
  • ميليشياتٍ وأذرعٍ إرهابية (العراق، لبنان، اليمن).
  • خلايا نائمة في أوروبا وفي الولايات المتحدة وكندا، وأماكن أخرى.

وهذا يخلق استنزافًا طويلًا نسبيًا بدل الحسم السريع.

هنا تبدأ فكرة (الورطة) المتوهّمة،

ولكن التأخر النسبي في إنهاء الصراع لا يعني الهزيمة بالتأكيد.

 

  1. كلفة التصعيد السياسي، حيث أن أيَّ حربٍ واسعةٍ قد:
  • ترفع أسعار النفط.
  • تهدّد سلاسل التوريد بالنسبة للعالم.
  • تخلق ضغطًا داخليًا في الولايات المتحدة.

وتيار اليسار الأميركي الذي يُعارض الحروب أصلًا، والحزب الديمقراطي الذي يُناكف سياسيًا، يضخّمان هذا العامل، أما إيران فإنها تعزف على هذا الوتر النشاز من خلال أذرعها العربية (يساريون، ناصريون، إسلامويون) أو أذرع اليسار العالمي والحركات الإسلاموية ذات الصلة بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

 

  1. غياب نهاية واضحة للصراع

حيث يعتمد أصحاب نظرية (الورطة) على فرضية أن إسقاط النظام الإيراني ليس هدفًا بسيطًا أو سريعًا، وحتى لو حدث، ما البديل؟ (فوضى، تقسيم.. الخ).

وهنا لا ينبغي أن تفوت عن بالنا نقطة بالغة الأهمية وهي أن الرئيس ترمب يتعمّد إثارة الغموض وخلق جوٍّ من التضليل، ويتعمّد التنقّل بين خياراتٍ وطروحاتٍ متعددةٍ، قد تبدو متناقضة حتى، لكنها في الحقيقة تصبّ جميعها في مسار إدارة الصراع وتحقيق الحسم فيه. وترمب أفضل من يعرف تأثير عدم حسم هذا الصراع الاستراتيجي عليه شخصيا.

من هنا فإن النظرة الواقعية لكافة جوانب الصورة تكشف مشهدّا آخر لا يروق لأصحاب نظرية "الورطة" ولا يحلو لهم سماعه أو حتى النظر فيه، إنه مشهد التفوق الكاسح في كافة مجالات الصراع وليس مجرد تحقيق أفضليةٍ نسبيةٍ في مجالٍ ما أو أكثر. ومثل هذه الفجوة الهيكلية الواضحة، بل الصارخة، في موازين القوى الصلبة حاسمة التأثير في صراعٍ استراتيجيٍ من هذا النوع.

وعند قراءة المشهد العسكري، من الناحية الاستراتيجية، وبعد 35 يومًا من بدء العمليات الحربية الشاملة نجد أن الولايات المتحدة تمتلك قدرةً شبه مطلقة على:

  1. فرض سيطرة جوية وبحرية خلال وقتٍ قصيرٍ نسبيا.
  2. تنفيذ ضرباتٍ دقيقةٍ عميقةٍ استهدفت البنية العسكرية والاقتصادية والأمنية والإدارية بل وحتى مؤسسة المرشد حيث رأس النظام وعقله وقلبه.
  3. إدارة العمليات اعتمادًا على منظومات استخباراتية متقدمة.

في المقابل، تعتمد إيران على أدواتٍ تعويضية:

  1. الصواريخ والطائرات المسيّرة.
  2. التمويه والمخادعة.
  3. الانتشار الجغرافي الواسع وغير المركزي. وهذا قد يحقّق ميزة في أنماط صراعٍ مختلفة، لكنه في الحالة الإيرانية سيكون عبئًا وليس ميزة، خصوصًا مع تزايد انعدام منظومة القيادة والسيطرة لدى المؤسسة العسكرية الإيرانية بشقّيها، الحرس الثوري أولا والجيش ثانيًا، وهناك دلائل عديدة على ذلك بل وحتى اعترافاتٍ من أركان في النظام تؤكد فقدان السيطرة على بعض الوحدات العسكرية، وهو امرٌ سيتزايد بالتأكيد مع استمرار نزف القادة وتدمير المقرات، أما كذبة النظام في القدرة على تعويض القادة فستسقط بمرور الزمن.

مع ذلك، هذه الأدوات فعّالة نسبيًا في التعطيل وإلى مدى معيّن فقط، لأنها أدوات مرحلية جدّا ومحدودة جدًا في تغيير نتائج الصراع على المستوى الاستراتيجي.

بعبارة أوضح:

تملك واشنطن القدرة على كسر البنية العسكرية الإيرانية، وهي تعمل على ذلك وتحقّق في سبيله خطواتٍ جدّيةٍ بالفعل، وهي عازمة على الوصول في هذا المسار إلى النهاية، بينما تملك طهران القدرة على إبطاء هذا الكسر وليس منعه، وعلى المستوى الاستراتيجي هناك فرقٌ هائلٌ بين الإبطاء المؤقت، والمنع الدائم.

 

من أبرز أسباب خطأ أصحاب نظرية (الورطة) الافتراض الشائع في أن أي تصعيدٍ عسكريٍ مع إيران سيعيد إنتاج سيناريوهات الاحتلال الواسع الذي حدث في العراق.

 

حروب اليوم؛ الدقة أم الغرق؟!

من أبرز أسباب خطأ أصحاب نظرية (الورطة) ذلك الافتراض الشائع في النظر إلى الحرب ضد إيران والذي يتلخّص في فكرةٍ غير دقيقةٍ تقول "إن أي تصعيدٍ عسكريٍ مع إيران سيعيد إنتاج سيناريوهات الاحتلال الواسع الذي حدث في العراق".

وهذا خطأ فادحٌ ومقاربةٌ شنيعةٌ بل ومضلّلةٌ تمامًا لأنه يتجاهل حقيقةً أساسيةً مفادها أن نمط العمليات الأميركية تغيّر جذريًا، حيث استفاد المخطّط العسكري الأميركي من أخطاء تجربة غزو العراق سنة 2003، بعد ما واجهه من مقاومةٍ وطنيةٍ عراقيةٍ ألحقت به خسائر جسيمة، لذا باتت العقيدة العسكرية في الحرب الحالية تتمثّل في:

  1. توجيه ضرباتٍ جويةٍ وصاروخيةٍ محددةٍ ودقيقةٍ وعالية التأثير.
  2. تجنّب الانخراط البري واسع النطاق، والاعتماد على تداخلاتٍ بريةٍ محدودةٍ وبعيدة عن مراكز الثقل البشري المعادي من خلال إنزالات جوية محدودة في مواقع استراتيجية لكن ليس في العمق الإيراني، عند الاضطرار فقط وليس باعتبارها غاية محددةً مسبقا.
  3. الحفاظ على القدرة على التصعيد أو التراجع، من خلال التنسيق مع الجهود السياسية والإعلامية.
  4. الخلفية الجغرافية المفتوحة في التعامل مع الشأن الإيراني، بالاستفادة من كل القواعد العسكرية الأميركية والإسرائيلية في آن معا.
  5. الاستخدام العالي للتقنيات بكل أشكالها، وفي مقدمتها إمكانيات الذكاء الاصطناعي التي تمسح الخريطة الإيرانية بدقةٍ تامةٍ وسرعةٍ مذهلةٍ، وتحلّل معالمها الطوبوغرافية، وتقارنها مع مسوحاتٍ سابقةٍ كاشفةً التغيرات فيها، ومقدّمةً طائفةً واسعةً من الخيارات بشأن التعامل معها.

استفاد المخطّط العسكري الأميركي من أخطاء تجربة غزو العراق سنة 2003، وغيّر كثيرًا في عقيدته العسكرية بعد ما واجهه من مقاومةٍ عراقيةٍ وطنيةٍ ألحقت به خسائر جسيمة.

هذا النمط من الحروب يجعل من العمليات العسكرية أداة ضغطٍ لا مستنقعًا مفتوحًا، وهو أسلوب يمكّن قادة الحرب من تحقيق نتائج أسرع بكثيرٍ من نمط الحروب التقليدية المفتوحة التي خاضتها أميركا في أفغانستان والعراق، وفي فيتنام قبل ذلك.

وهذا النمط المبتكر المعتمد على الاستخدام العالي للتقنيات، والقدرة الفائقة في الأصول العسكرية، والمرونة العالية في توجيه الفوهات النارية حيثما يلزم هو ما يفسّر كيف يمكن لواشنطن أن تستخدم قوتها بكفاءةٍ عاليةٍ دون أن تُستدرج إلى استنزافٍ طويل.

 

الميليشيات والأذرع الإيرانية؛ إزعاجٌ مؤثرٌ لا تهديدٌ حاسم

أحد أعمدة خطاب (الورطة) المزعومة هو تضخيم دور الميليشيات والأذرع الإرهابية المرتبطة بإيران في العراق واليمن ولبنان وغيرها، مع ملاحظة أن كثيرًا من هذا التهويل في دور هذه الميليشيات نابعٌ من أبواقٍ إعلاميةٍ لهذه الميليشيات ذاتها مباشرةً، أو معبرٌ عنها بشكلٍ غير مباشر.

صحيح أن إيران تعتمد بشكلٍ ممتازٍ على شبكةٍ واسعةٍ من الوكلاء/ العملاء في البلدان العربية المذكورة وفي غيرها، ولا شكَّ أن هذه الشبكات الإرهابية تمثّل أداةً مرنةً ومنخفضة الكلفة ومزعجةً ويستحيل استئصالها بالكامل، غير أننا يجب ألّا ننسى أن فعالية هذه الشبكة، برغم اتّساعها وعمقها، تخضع لقيودٍ واضحةٍ لمن يفهم عمق وشمولية الصورة لا إطارها الخارجي فقط أو الضجيج الدعائي الرائج بشأنها فحسب، وأهم تلك القيود:

  1. قابليتها العالية للاختراق الاستخباراتي، فهي مكشوفةٌ استخباراتيًا بشكلٍ ممتاز.
  2. هشاشة بنيتها العسكرية والتنظيمية أمام الضربات الدقيقة مما يجعلها قابلة للاستهداف الانتقائي من جهة، ومما يجعل هذا الاستهداف الانتقائي مؤثرًا على مديات أعمق وأوسع في عموم بنيتها من جهة ثانية.
  3. محدودة تأثيرها العسكري المباشر على القدرات الكاسحة للقوات الأميركية.
  4. اعتمادها على بيئاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ مضطربةٍ أو متقلّبة، وإمكانية تقليص نفوذها او إنهائه ممكنٌ من خلال تقليص أو إنهاء نفوذ الحاضنة السياسية والاجتماعية لها.
  5. الآثار العميقة والممتدة على عموم المحور الإيراني التي تسبّب بها التحجيم الكبير والمتواصل للدور التخريبي السياسي والعسكري الذي يؤديه حزب الله في لبنان، ولدور ميليشيات الحوثي في اليمن، والسقوط المدوّي لحكم بشار الأسد ومجيء قيادة جديدة مضادة تمامًا للمحور الإيراني في سوريا.
  6. سقوط نظام ولاية الفقيه يجعلها "ذئابًا منفردة" يسهل اصطيادها وليست قطيعًا شرسًا تستحيل مواجهته.
  7. تغيير النظام الميليشياوي في العراق، وهي خطوة لازمة جدًا في هذا الصدد، سيقضي على آخر مجالٍ متاحٍ لها في التمويل والتدريب والتسليح والتجهيز والإزعاج الإعلامي وتوفير الملاذات الآمنة.

وهذا يعني أن خطر الميليشيات والأذرع الإرهابية يمكن بسهولةٍ تقليل تأثيره إلى مستوى "إزعاج" وليس "تهديدًا استراتيجيًا" كما تتوهّم إيران التي استثمرت فيها كثيرًا جدًا، نعم إنه خطرٌ قابلٌ للإنهاء، فالميليشيات لا يمكن أن تهزم الولايات المتحدة، لكن خطرها يبقى مزعجًا إعلاميًا واقتصاديًا ويطيل زمن الصراع إذا لم تُدار سبل مواجهتها بصرامةٍ وشموليةٍ واستمرارية.

يمكن لميليشيات إيران وأذرعها الإرهابية أن تُزعج، أن تُربِك بعض الشيء، وأن ترفع الكلفة التكتيكية، لكنها أبدًا لا تملك القدرة على فرض معادلةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ تقلب الحسابات الأميركية.

وبعبارة أخرى: يمكن لميليشيات إيران وأذرعها الإرهابية أن تُزعج، أن تُربِك بعض الشيء، وأن ترفع الكلفة التكتيكية، لكنها أبدًا لا تملك القدرة على فرض معادلةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ تقلب الحسابات الأميركية.

ومع توفّر الدفاعات النشطة والضربات الدقيقة والجهود الاستخبارية والعمل السياسي والأنشطة الإعلامية، يمكن خفض تأثير هذه الميليشيات إلى مستوى يمكن التحكّم فيه تدريجيًا وصولًا إلى تدميره بالكامل بعد قطع رأسها في العراق.

 

الكُلف والخسائر؛ جزء محسوبٌ ضمن خطة الحرب أم مفاجأة غامضة؟!

لا توجد حربٌ بلا كلفة، وهذه حقيقةٌ لا ينبغي أن يُجادل فيها أحد.

لكن الفارق بين "الورطة" و "العملية المحسوبة" هو ما إذا كانت هذه الكلفة:

  • مفاجئة وغير متوقّعة وتقلب الحسابات.

أم

  • محسوبة ومدرجة ضمن وضع الخطة، وعند اتخاذ قرار التنفيذ.

في الحالة الأميركية الراهنة، تبدو التكاليف المحتملة- من ارتفاع أسعار الطاقة، إلى الاضطرابات المحدودة في بعض المسارات، إلى الخسائر المادية والبشرية- ضمن نطاق التوقّع والتخطيط. وهي في كل الأحوال لا تصل ضمن سيناريو المواجهة المحدودة الذي اعتمدته إدارة الرئيس ترمب الآن إلى مستوى يهدّد الاستقرار الداخلي في الولايات المتحدة، أو يعيق القدرة على الاستمرار في العمل العسكري الواسع، ويقينًا لا يمكن مقارنتها مع خسائر عملية غزو العراق، وأنا أتكلم هنا عن خسائر مرحلة الغزو فقط، وليس خسائر كامل مرحلة الاحتلال.

 

قبل الختام؛ بين التهويل والواقعية

توصيف المواجهة مع إيران بأنها (ورطة) للجانب الأميركي يفترض مُسبقًا:

  1. عجزًا عن احتواء الردود غير المباشرة.
  2. فقدان السيطرة على مسار الصراع وسقفه.
  3. انزلاقًا تلقائيًا إلى حرب طويلة.
  4. الاصطدام بمفاجآت غير محسوبة.

وهو افتراضٌ آيديولوجيٌ مضلِّل، أو عاطفي لا تدعمه المعطيات، فالواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة قادرة على ضبط إيقاع التصعيد، وتملك أدوات إنهاء أو تجميد المواجهة في أيّ مرحلة، وهذا يعني أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا تُعد "ورطة" لصالح طهران لا بالمعنى الاستراتيجي ولا بالموقف التكتيكي، بل مخاطرةٌ محسوبةٌ ضمن بيئة تفوقٍ واضحٍ وحاسمٍ لصالح واشنطن.

فالولايات المتحدة لم تدخل هذه المواجهة من موقع ردّ الفعل، ولا على نحوٍ مفاجئ ومرتجل، بل من موقع المبادرة بالفعل المباشر، وبأدواتٍ وقدراتٍ شاملةٍ تسمح لها بضبط الإيقاع، وتحديد السقف، وإنهاء التصعيد متى شاءت، وأعتقد أن هذا واضحٌ بالفعل.

 

ختاما

ليست كل مواجهة ورطة، ولا كل تصعيدٍ انزلاقًا.

في حالة الولايات المتحدة وإيران، نحن أمام معادلةٍ مختلفة:

  1. تفوق كاسح.
  2. إدارة محسوبة.
  3. تكاليف متوقعة.

دون إغفال هامشٍ معقولٍ يتضمّن بعض المستجدات التي تقتضي تطوير أو تعديل أو تغيير أو تقديم او إرجاء بعض الجوانب في الخطة العامة للحرب.

تملك الولايات المتحدة القدرة على كسر إيران، وهذا حاصلٌ بالفعل، لكن ليس بالضرورة القدرة على إعادة تشكيلها دون تضحياتٍ، تكبُر أو تصغُر حسب مسار الصراع ومستجداته، لكن هذه التضحيات محسوبة مسبقًا أو على الأقل مرئية عند وضع خطط العمليات وعند اتخاذ القرار بتنفيذها.

من هذا المنظور، لا يبدو دونالد ترمب في ورطة، كما يهوّل اليسار الأميركي، أو بقايا التيارات الناصرية واليسارية المتحجّرة أو الاسلاموية ذات الصلات الآيديولوجية العميقة مع نظام ولاية الفقيه، بل نراه في موقعٍ يسمح له باستخدام كل عناصر القوة المتاحة أمامه كرئيسٍ للولايات المتحدة في حربٍ يخوضها لا كمغامرةٍ غير محسوبةٍ بل باعتبارها أداة ضغطٍ استراتيجيةٍ إلى أقصى مدى، وبأقصى عزمٍ، ومرة أخرى أؤكد أن المدى الأقصى هو إسقاط نظام ولاية الفقيه الحاكم في إيران منذ 47 سنة.

وكلُّ ما هو آتٍ قريب.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram