

أولًا: من الحياد باعتباره خيارًا إلى الحياد باعتباره قيدا
تشكّل النهج السياسي العُماني في سياقٍ تاريخي خاصٍ به، وتعزّز خلال عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، حيث تكوّنت عقيدة "الحياد الإيجابي" كمرتكزٍ للسياسة الخارجية. وقد نجح هذا النهج لعقودٍ في:
لكن الإشكالية اليوم تكمن هنا بالضبط، أي في ما كان ميزةً طيلة عقودٍ مضت، ذلك أن الحياد لم يعد خيارًا مرنًا، بل تحوّل إلى قيدٍ يحدّ من القدرة على التكيّف مع واقعٍ جديدٍ قائمٍ على الاستقطاب.
ففي بيئةٍ إقليميةٍ معقّدةٍ ومتشابكةٍ وتتّجه نحو الاصطفاف، يصبح الحياد/ الغموض الاستراتيجي عبئًا لا ميزة، وهنا مشكلة سلطنة عُمان بالتحديد.
إشكالية عُمان اليوم تكمن في أن ما كان ميزةً طيلة عقودٍ مضت تحوّل إلى قيدٍ يحدّ من القدرة على التكيّف مع واقعٍ جديدٍ قائمٍ على الاستقطاب.
ثانيًا: الجغرافيا التي تحمي… قد تُعرّي
تستند السياسة العُمانية جزئيًا إلى موقعها الاستراتيجي عند مضيق باب العرب (هرمز) وهو ما فرض، تاريخيًا، ضرورة الحفاظ على قنواتٍ مفتوحةٍ مع إيران التي تتقاسم معها الضفة الأخرى من المضيق.
غير أن هذا العامل ذاته قد ينقلب إلى مصدر تهديدٍ للأسباب التالية:
وبعبارةٍ أخرى أكثر تركيزًا يمكن القول: إن الحياد لم يعد كافيًا لحماية الأمن الاستراتيجي لأيِّ دولةٍ من الدول.
ثالثًا: الوساطة بين الوظيفة والوهم!
تُقدّم عُمان نفسها كـ "وسيطٍ موثوق"، وقد أدّت أدوارًا مهمة في قنوات التفاوض غير العلنية في مراحل زمنيةٍ مضت وفي قضايا بعينها، وتحديدًا فيما يتعلق بملفاتٍ إيرانيةٍ بالذات. إلا أن تقييم هذا الدور من منظورٍ نقديٍ يكشف حدودًا واضحة:
وهنا يبرز السؤال الحاسم:
هل ما زالت عُمان وسيطًا؛ أم تحوّلت إلى طرفٍ إيرانيٍ (ناعمٍ) في معادلة الصراع؟
رغم عضويتها في مجلس التعاون الخليجي؛ تتجه عُمان في مسارٍ مختلفٍ؛ وأحيانًا متناقضٍ؛ عن بقية الدول الخليجية في ملفاتٍ بالغة الأهمية تتعلق باليمن وإيران والأمن الإقليمي.
رابعًا: التباين مع دول الخليج العربي؛ من اختلافٍ إلى فجوة
رغم عضويتها في مجلس التعاون الخليجي؛ تتجه عُمان في مسارٍ مختلفٍ؛ وأحيانًا متناقضٍ؛ عن بقية الدول الخليجية، خاصة في:
وفي حين تتبنى دولٌ مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وباقيي الدول بدرجاتٍ متفاوتةٍ، استراتيجيات أكثر حزمًا، تستمر عُمان في نهج القرب كثيرًا من إيران وهو ما يُبعِدها عن أشقائها الخليجيين.
هذا التباين لم يعد مجرد اختلافٍ في الأسلوب، مما قد يكون مطلوبًا في بعض الأحيان، بل تحوّل إلى فجوةٍ استراتيجيةٍ قد تؤثّر على موقع سلطنة عُمان داخل المنظومة الخليجية ككلّ.
خامسًا: الكلفة الاقتصادية للحياد
على المستوى الاقتصادي، لم يُترجَم الاستقرار السياسي العُماني إلى ديناميكيةٍ اقتصاديةٍ مماثلة. بل يمكن ملاحظة:
وفي عالم يتّجه نحو التكتلات الاقتصادية والسياسية واضحة المعالم والتوجّهات، قد يصبح "الحياد" غير واضح المعالم أكثر من مجرد خيارٍ سياسيٍ، بل قد يتحوّل إلى عبءٍ خصوصًا عندما يغدو عاملًا قد يردع الاستثمار بدل أن يجذبه. ففي حين تبحث الدول المنضوية ضمن تحالفاتٍ واضحةٍ عن حمايةٍ اقتصاديةٍ واستقرارٍ سياسيٍ، يواجه المستثمر في الدولة المحايدة صعوبةً في توقّع مسار السياسات المستقبلية، وفي ضمان حماية استثماراته من تقلّبات الأوضاع الإقليمية والدولية.
وعليه، فإن الهدوء الداخلي أو الاستقرار السياسي الذي توفّره الدولة المحايدة لم يعد كافيًا لجذب المستثمرين الكبار، خصوصًا في المشاريع طويلة الأجل، بل قد يُنظر إليه على أنه عزلةٌ استراتيجيةٌ تزيد المخاطر المحتملة. هذه الديناميكية تجعل من الحياد غير الواضح، في بيئةٍ متّجهةٍ نحو الاصطفافات والتكتلات، عاملًا سلبيًا على جاذبية الدولة الاقتصادية بدل أن يكون ميزةً لها، وهذا هو ما يحدث بالضبط في النموذج العُماني.
سادسًا: سيناريو التحوّل في إيران؛ الاختبار الأصعب
يمثّل احتمال حدوث تغييرٍ جذريٍ، أو كبيرٍ، في إيران لحظة اختبارٍ حقيقيةٍ للنموذج العُماني. ففي حال تراجع أو سقوط النظام الحالي في طهران، فإن مسقط ستواجه ثلاث معضلاتٍ رئيسية:
سابعًا: الاستقرار الداخلي؛ قوةٌ حقيقيةٌ أم هشاشةٌ مؤجلة؟
يُحسب لعُمان استقرارها الداخلي، لكن هذا الاستقرار قائمٌ إلى حدٍّ كبيرٍ على إدارة التوازنات لا حلّها، كما أنه مرتبطٌ تاريخيًا بشخصية من يتواجد في موقع القيادة، خصوصًا في عهد السلطان قابوس بن سعيد، ولكن مع تغيّر السياق القيادي والإقليمي، يبرز تساؤلٌ مشروع:
هل هذا الاستقرار مستدامٌ وراسخٌ وعميقٌ بالفعل، أم أنه هشٌّ أمام الصدمات الكبرى وقابلٌ للاهتزاز؟
إما أن تعيد مسقط تعريف موقعها كفاعلٍ استراتيجي ضمن منظومةٍ خليجيةٍ لها سِماتها المشتركة، وإن تباينت نماذِجها الذاتية، واختلفت مقارباتها من الأحداث الدولية، أو أن تكتفي بدور المراقب الهادئ المنعزل عمّا يحيط به.
ثامنًا: المقارنة تكشف الفجوات
عند مقارنة سلطنة عُمان مع دول الخليج العربي الأخرى نجد فجواتٍ هائلةٍ بين النموذج العُماني والنماذج الخليجية العربية الأخرى، على اختلافها.
ففي حين تتبنى السعودية نهج القيادة الإقليمية والنفوذ المتزايد، وهو ما يتيحه لها حجمها الجغرافي الأكبر وثقلها الاقتصادي الهائل إقليميًا ودوليًا وعوامل داخليةٍ وخارجيةٍ أخرى، وفيما تعتمد الإمارات نموذج التأثير الاقتصادي العالمي بسبب ما تبنّته من سياسات انفتاحٍ اقتصاديةٍ معروفةٍ وما بَنَته من مرتكزاتٍ تخدم هذا التوجّه، وبينما تقود قطر دبلوماسيةً نشطةً فاعلةً ومرنةً وتتميز بحضورٍ إعلاميٍ وسياسيٍ كبيرٍ إقليميًا ودوليًا، نجد أن عُمان تعتمد على الحياد والوساطة وربما على "الغموض" الإقليمي في كثيرٍ من المواقف.
صحيح أن النموذج العُماني هو الأكثر حذرًا والأقلًّ مخاطرةً حتى الآن لكن النتيجة العملية تُفصِح عن حقيقةٍ تشير إلى أن أقلّ النماذج تأثيرًا هو النموذج العُماني، رغم كونه يطرح نفسه باعتباره "الأكثر عقلانية" و "الأكثر هدوءا".
والخلاصة أن النموذج العُماني انتقل من تقليل المخاطر إلى تقليل الفرص، وهذا ما ولّد مأزقًا لا يمكن تجاهله، لا على الصعيد الداخلي ولا في السياق الإقليمي، وطبعًا ليس على خريطة العالم!
ويمكن تلخيص المأزق العُماني اليوم في سياقٍ واضحٍ ومحدّد:
استراتيجية صُمّمت لتقليل المخاطر انتهت إلى تقليل الفرص، وهدوءٌ لم يعد نافعًا في عالمٍ مليء بالضجيج، ونأيٌ بالنفس عمّا يجري في الجوار لكنه لم يعد مُجديًا في عالمٍ كل شيءٍ فيه يبعث على الاستقطاب.
ختاما
إذا أرادت عُمان تجنّب التهميش في النظام الإقليمي الجديد، وفي النظام الخليجي العربي تحديدًا، فإنها بحاجةٍ إلى:
ولأن مساحة الحياد في عالمٍ مستقطبٍ تضيق كلّ يوم؛ لذا فإن مرحلة توهّم "النجاة بالمسافة" وسياسة "النأي بالنفس" لم تعد ممكنةً في هذا العالم الذي تجاوز حذلقات الآيديولوجيات المتحجّرة وصراعات الأفكار الجامدة إلى صراعات المصالح، ورسم خرائط النفوذ التي يؤمّل أصحابها أن تستقرَّ حدودها ومجالاتها لعقودٍ قادمةٍ أو ربما قرونٍ قادمة.
"الحياد" في هذا العالم لم يعد أمانًا، بل موقعًا مكشوفًا؛ وستتحول سياسة "النأي بالنفس" إلى عبءٍ يختنق تحت ضغط الأطراف المعنية، وهي كثيرةٌ بالمناسبة وبعضها شرسٌ أيضا.
وفي عالمٍ يتّجه نحو الحسمِ لا نحو التردّد تبدو عُمان؛ المنهج السياسي والفلسفة الاستراتيجية؛ أمام مفترق طرقٍ تاريخيٍ؛ قد لا يكون الخيار فيه فوريًا أو قريبًا جدًا لكنه قادمٌ بالتأكيد؛ وربما تعجّل به التحوّلات الإقليمية والدولية:
إما أن تعيد مسقط تعريف موقعها كفاعلٍ استراتيجي ضمن منظومةٍ خليجيةٍ لها سِماتها المشتركة، حتى وإن تباينت نماذِجها الذاتية، واختلفت مقارباتها من الأحداث الدولية، وتعدّدت طرق تعاطيها مع ما حولها، أو أن تكتفي بدور المراقب الهادئ المنعزل عمّا يحيط به.
ويكتسب هذا الأمر ضرورته القصوى في لحظةٍ يُعاد فيها تشكيل المنطقة كلّها، والمشرق العربي تحديدًا، في سياقٍ جديدٍ ليلحقَ به من لَحِق دون انتظار المتردّدين.