الإثنين 10 / أغسطس / 2026

السعودية وتركيا وباكستان؛ هل بدأت المنطقة رحلة الخروج من الفراغ الاستراتيجي؟

العالم الإسلامي من الضامن الخارجي إلى الفاعل الداخلي، ولادة مثلثٍ أمنيٍ إقليميٍ جديد

مصطفى كامل
السبت 8 أغسطس, 2026 16:22
هل انتقلت السعودية من حشد الأسماء إلى حشد القوى؟
هل انتقلت السعودية من حشد الأسماء إلى حشد القوى؟
 هل يمكن اعتبار "اتفاقية مكة للتحالف المشترك" التي أعلن عنها بين السعودية وتركيا وباكستان يوم الجمعة السابع من آب/ أغسطس 2026 مجرّد تطورٍ جديدٍ في شبكة العلاقات الإقليمية، أو تفاهمًا دفاعيًا بين ثلاث دولٍ تجمعها روابط سياسية ودينية ومصالح متقاربة فحسب؟ أم أنه رؤيةٌ استراتيجيةٌ تكامليةٌ لمستقبل المنطقة الممتدة من إسلام أباد فالرياض وأنقرة، وليس حاضرها فحسب؟

باعتقادي تكمن الأهمية الحقيقية لهذا الترتيب في مفهومٍ أكبر يتلخّص في إمكان تحوّل هذا الاتفاق الثلاثي إلى بادرةٍ لإعادة بناء ميزان القوة في العالم الإسلامي، بعد عقودٍ من الفراغ الاستراتيجي الذي سمح لقوى إقليميةٍ محدّدة، في مقدمتها إيران، بتوسيع نفوذها داخل هذه المنطقة الفسيحة، وخصوصًا بعد احتلال العراق سنة 2003 الذي أولد اختلالًا فظيعًا في تلك الموازين.

فالتحالف إذا استطاع الانتقال من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى الالتزام العملي فإنه سيجمع للمرة الأولى- تقريبًا- بين ثلاثة أنماطٍ مختلفةٍ من القوة في إطارٍ استراتيجي واحد، وهذه هي القيمة الحقيقية لما جرى في مكة.

إذا استطاع التحالف الانتقال من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى الالتزام العملي فإنه سيجمع للمرة الأولى- تقريبًا- بين ثلاثة أنماطٍ مختلفةٍ من القوة في إطارٍ استراتيجي واحد، وهذه هي القيمة الحقيقية لما جرى في مكة.

السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والمالي، ومكانةً سياسيةً ودبلوماسيةً واسعةً في العالم، فضلًا عن موقعها الديني الفريد في العالم الإسلامي، وثقلها العربي والخليجي، وقدرتها المتزايدة على بناء علاقاتٍ متوازنةٍ مع القوى الدولية الكبرى شرقًا وغربا.

وتركيا تمتلك قوةً عسكريةً كبيرةً، وصناعةً دفاعيةً أخذت تتطوّر بصورةٍ لافتة، واقتصادًا مهمًا ضمن مجموعة العشرين لأكبر الاقتصادات في العالم، وموقعًا جيوسياسيًا استثنائيًا يجعلها نقطة التقاء بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى، إضافة إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي.

أما باكستان فتضيف إلى المعادلة عنصرًا لا تملكه الدولتان الأخريتان؛ الردع النووي، فضلًا عن موقعها الجغرافي الحسّاس عند ملتقى جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وامتلاكها جيشًا كبيرًا وخبرةً عسكريةً طويلة، ومؤسسةً استخباريةً عريقةً فاعلةً ومؤثرة.

وبهذا الوصف فإننا لا نتحدث عن ثلاث دولٍ متجاورةٍ تتعاون في مجالٍ واحد، وإنما عن مثلثٍ استراتيجيٍ واسع الامتداد: السعودية في قلب الخليج العربي والوطن العربي والعالم الإسلامي، وتركيا عند البوابة الأوروبية والآسيوية، وباكستان في قلب جنوب آسيا وعلى تخوم المجال الهندي. هذه الجغرافيا وحدها تمنح الترتيب الجديد أهميةً تتجاوز حدود الدول الثلاثة بنحوٍ كبير.

وهذا يعني أن اختيار هذه القوى الاستراتيجية الثلاث ليس حشدًا للأسماء، بل حشدٌ للقوى.

فالقيمة هنا ليست في عدد الدول المشكِّلة للتحالف، فقد يبدو العدد قليلًا في نظر الذين يبحثون عن قائمةٍ طويلةٍ من المتحالفين على الورق، وإنما في الكتلة الاستراتيجية التي تنتج عن جمع قدرات الدول الثلاث المختلفة: الموقع الجغرافي، القوة العسكرية، العمق الاستراتيجي، الثقل الاقتصادي، الخبرة العملياتية، والقدرة على التأثير في أكثر من ساحةٍ إقليمية.

وبالتالي، لا ينبغي أن يظهر التحالف وكأنه مجرد تجمّع لدولٍ ثلاث، بل محاولةٌ استراتيجيةٌ لبناء مثلث قوةٍ إقليمي، بحيث يضيف كل ضلعٍ إلى الضلعين الآخرين قدرةً لا يملكها أيٌ من الأضلاع منفردا.

 

من التحالفات المنفصلة إلى تكامل القوة

لطالما كانت إحدى مشكلات النظام الإقليمي الإسلامي أن مصادر القوة موجودة فيه، لكنها موزّعة ومنفصلة.

كانت هناك دولٌ تملك المال ولا تملك القوة العسكرية الكافية. ودولٌ تملك الجيوش لكنها تعاني من ضعفٍ اقتصادي. ودولٌ تملك قدراتٍ استراتيجيةٍ كبيرةٍ لكنها بعيدةٌ نسبيًا من الناحية الجغرافية، والأهم أن الدول الكبرى في العالم الإسلامي لم تصل- على مدى العقود المنصرمة- إلى قرارٍ بأهمية التحالف فيما بينها. وكانت النتيجة أن القوة الإقليمية لم تتحوّل إلى قوةٍ جماعيةٍ قادرةٍ على إنتاج الردع.

ما يغيّره التحالف السعودي/ التركي/ الباكستاني- مع احتمالات تطوّره- هو محاولة وصل هذه العناصر ببعضها.

القيمة ليست في عدد الدول المشكِّلة للتحالف، فقد يبدو العدد قليلًا في نظر الذين يبحثون عن قائمةٍ طويلةٍ من المتحالفين على الورق، وإنما في الكتلة الاستراتيجية التي تنتج عن جمع قدرات الدول الثلاث: الموقع الجغرافي، القوة العسكرية، العمق الاستراتيجي، الثقل الاقتصادي، الخبرة العملياتية، والقدرة على التأثير في أكثر من ساحةٍ إقليمية.

فالمال السعودي يمكن أن يُساند بناء القدرات والتعاون الدفاعي، والقوة العسكرية التركية يمكن أن توفّر عمقًا عملياتيًا وصناعيًا، بينما توفّر باكستان بعدًا استراتيجيًا مختلفًا يرتبط بالردع النووي والمجال الآسيوي، وهذا يعني أن قوة التحالف الجديد لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الجنود والطائرات والصواريخ، وإنما بمدى تكامل قدرات أعضائه. وهنا تحديدًا تبدأ أهميته الحقيقية.

كما أن "تحالف مكة" يختلف في جوهره عن "حلف بغداد" الذي أعلن عنه في شباط/ فبراير 1955؛ فحلف بغداد كان يضم بريطانيا، وهي قوة كبرى من خارج المنطقة، كما ضمَّ إيران الشاه التي كانت آنذاك جزءًا من ترتيباتٍ دوليةٍ لا تنسجم بالضرورة مع البيئة السياسية والحضارية للعالم الإسلامي. أما "تحالف مكة" فيقوم على قاعدةٍ مختلفةٍ تمامًا، إنه تحالف بين قوى إقليمية من أبناء المنطقة نفسها، تنتمي إلى محيطها الجغرافي والحضاري، ولا يحتاج إلى طرفٍ خارجيٍ يفرض حضوره أو يُضفي عليه شرعيته، كما لا تنتمي إليه أطرافٌ شاذةٌ عن محيط المنطقة حتى وإن تواجدت فيها. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة هذه التحالف، فهو ليس حلفًا صاغته قوة من خارج المنطقة لحماية مصالحها فيها، بل ترتيبًا أمنيًا تصنعه دول المنطقة لحماية أمنها ومصالحها بنفسها.

 

"الردع" ليس موقفًا دفاعيًا سلبيًا

قد تبدو عبارة "تحالف دفاعي" أقلَّ أهميةً لدى بعض الخبراء من عبارة "تحالفٍ هجومي"، لكن هذه القراءة تغفل جوهر الاستراتيجيات الحديثة في العالم المعاصر. فالردع الناجح لا يحتاج إلى نيّةٍ هجوميةٍ؛ بل يحتاج فقط إلى إقناع الخصم- وعلى نحوٍ قاطع- بأن تكلفة الهجوم ستكون أكبر من المكاسب التي يمكن أن يحقّقها.

ومن هذه الزاوية فإن النص الوارد في الاتفاق الذي يعتبر "الاعتداء على دولة في الحلف اعتداء على الدول الأخرى" يغيّر الحسابات جذريًا شرط أن يكون مصحوبًا بآلياتٍ حقيقيةٍ لتنفيذ هذا الالتزام.

قد تبدو عبارة "تحالف دفاعي" أقلَّ أهميةً لدى بعض الخبراء من عبارة "تحالفٍ هجومي"، لكن هذه القراءة تغفل جوهر الاستراتيجيات الحديثة في العالم المعاصر. فالردع الناجح لا يحتاج إلى نيّةٍ هجوميةٍ؛ بل يحتاج فقط إلى إقناع الخصم- وعلى نحوٍ قاطع- بأن تكلفة الهجوم ستكون أكبر من المكاسب التي يمكن أن يحقّقها.

فالمعادلة التي كانت تسمح لعدوٍّ ما بأن يحسب مخاطر مهاجمة دولةٍ منفردةٍ تصبح مختلفةً تمامًا عندما يُدرك هذا العدو نفسه أن هجومه على الدولة نفسها يمكن أن يستدعي قدرات ثلاث دولٍ معًا للرد عليه. وهنا يمكن فهم الفرق بين التحالف على الورق والتحالف الذي يُنتج الردع. الأول يصدر البيانات، والثاني يغيّر حسابات الأعداء. وهذا هو المطلوب في منطقتنا اليوم وغدًا وبعد غد.

ومن هنا فإن العبارة الأدقَّ في هذا الصدد ليست أن "الردع مرحلةٌ أولى من الهجوم"، وإنما أن "الردع قد يكون الوسيلة الأكثر فعالية لمنع الحروب قبل وقوعها". وإذا فشل الردع فإن السؤال التالي يصبح ضروريًا:

هل يملك الحلف القدرة والإرادة لتنفيذ التزاماته؟

وهذا هو السؤال الذي سيحدّد مستقبل الحلف الثلاثي، وأي حلفٍ آخر.

 

لماذا تقلق إيران؟

لا تكمن المشكلة بالنسبة إلى إيران في أن ثلاث دول أعلنت تعاونًا دفاعيًا فحسب، وإنما في أن هذا التعاون يمكن أن يضرب إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الإيرانية خلال العقود الثلاث الماضية، وخصوصًا بعد احتلال العراق، وأعني قدرة نظام طهران على التحرّك في بيئةٍ إقليميةٍ مجزّأةٍ، واستثمار الانقسامات داخل الدول نفسها وفيما بين دول المنطقة، وغياب التوازن الجماعي الرادع.

لا تكمن المشكلة بالنسبة إلى إيران في أن ثلاث دول أعلنت تعاونًا دفاعيًا فحسب، وإنما في أن هذا التعاون يمكن أن يضرب إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الإيرانية خلال العقود الثلاث الماضية، وخصوصًا بعد احتلال العراق، أي قدرة نظام طهران على التحرّك في بيئةٍ إقليميةٍ مجزّأةٍ، واستثمار الانقسامات داخل الدول نفسها وفيما بين دول المنطقة، وغياب التوازن الجماعي الرادع.

ليس سرّا ولا من باب التحليل الآيديولوجي المتحامِل القول إن إيران بَنَت الجزء الأكبر من نفوذها الإقليمي على شبكةٍ معقّدةٍ من العلاقات والتحالفات والقوى المسلحة غير الحكومية من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، واستفادت من غياب إطارٍ إقليميٍ متماسكٍ يستطيع أن يواجه هذا النفوذ على مستوى استراتيجيٍ شامل. وهذا يعني أن ظهور مثلث قوةٍ يجمع السعودية وتركيا وباكستان، يمكن أن يمثّل بداية انتقال المنطقة من مرحلة تعدّد القوى المتنافسة إلى مرحلة تكتّلات القوة. وهذا تحوّلٌ جوهريٌ مختلفٌ تماما.

فإيران- بنظامها القائم حاليًا في أقلِّ تقدير- تستطيع التعامل مع خصمٍ منفردٍ بطريقتها التي عرفها أبناء المشرق العربي، لكنها مضطرّةٌ إلى إعادة حساباتها عندما تواجه منظومةً تمتلك في الوقت نفسه المال والقوة العسكرية التقليدية والعمق الجغرافي والقدرات الصناعية والردع النووي والعلاقات الدولية الواسعة.

ولهذا فإن ردَّ الفعل الإيراني الذي اتّخذ طابعًا عدائيًا على إعلان قيام "التحالف المشترك" لا ينبغي قراءته فقط بوصفه موقفًا سياسيًا أو انفعالًا آنيًا مرتبطًا بالأزمة الحالية التي تعيشها؛ بل باعتباره مؤشرًا إلى أن طهران تدرك أن المعادلة الإقليمية قد تكون في طريقها إلى التغيّر، وربما الزوال أيضًا، وهذا يعني تغيّر فرص نفوذها في المنطقة أو حتى زوال تلك الفرص تماما.

لكن ينبغي هنا الحذر من المبالغة.

فالتحالف السعودي/ التركي/ الباكستاني لا يعني تلقائيًا انهيار المشروع الإيراني. إيران ما زالت دولةً كبيرة، وتمتلك قدراتٍ عسكريةٍ وصاروخيةٍ وشبكات نفوذٍ وخبرةٍ طويلة في إدارة الصراعات غير المباشرة. لذلك فإن التوصيف الأدقَّ للموقف هو بداية احتمال انتقال إيران من بيئةٍ استراتيجيةٍ كانت أكثر ملاءمةً لحركتها إلى بيئةٍ أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة. وهذا بحدِّ ذاته تحوّل مهمٌ الآن، ويمكن أن يكون تحوّلًا حاسمًا في يومٍ ما.

 

تركيا الحلقة الأكثر حساسية

لكن العنصر الأكثر إثارةً في هذا التحالف ربما لا يكون السعودية ولا باكستان، وإنما تركيا.

فتركيا ليست دولةً تبحث عن مظلّةٍ أمنيةٍ من خلال التحالف مع آخرين. إنها دولةٌ إقليميةٌ كبرى تمتلك جيشًا قويًا، وقاعدةَ صناعةٍ دفاعيةٍ متقدمة، وتمتلك عضويةً في حلف الناتو تجعلها في المرتبة الثانية من حيث حجم القوات، ولديها جيشها الكبير، وقدراتها الصاروخية وطائراتها المسيّرةٌ التي تتفوّق على معظم نظيراتها في العالم، وتتمتع بسلاحٍ جويٍ وبحريٍ متميزٍ، وموقعٍ جغرافيٍ يجعلها دولةً محوريةً في الأمن الأوروبي والشرق أوسطي وفي أمن منطقة البحر الأسود والقوقاز، كما لها علاقاتٌ استراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه علاقاتٌ ومصالح مع روسيا وإيران والدول العربية ودول آسيا الوسطى والبلقان.

وهذا بالضبط ما يجعل مشاركتها ذات دلالةٍ متميزة.

تركيا تدخل في التحالف لأنها تستطيع أن تقدّم شيئًا له، وفي الوقت نفسه تحصل منه على شيءٍ لا يوفّره لها حلف الناتو. لذلك فإنَّ دخولها في التزامٍ دفاعيٍ أكثر جديةً مع السعودية وباكستان يعني أن أنقرة ترى في هذا الإطار مصلحةً استراتيجيةً لها بالدرجة الأساس، مصلحةٌ تتجاوز الحسابات الظرفية بالضرورة.

لذلك فإن دخولها في ترتيبٍ دفاعيٍ مع السعودية وباكستان لا يمكن تفسيره ببساطة بأنها تبحث عن حماية، بل العكس. تركيا تدخل في التحالف لأنها تستطيع أن تقدّم شيئًا له، وفي الوقت نفسه تحصل منه على شيءٍ لا يوفّره لها حلف الناتو. لذلك فإنَّ دخولها في التزامٍ دفاعيٍ أكثر جديةً مع السعودية وباكستان يعني أن أنقرة ترى في هذا الإطار مصلحةً استراتيجيةً لها بالدرجة الأساس، مصلحةٌ تتجاوز الحسابات الظرفية بالضرورة.

فإذا كان "الناتو" يوفّر لتركيا مظلةً دفاعيةً مرتبطةً بالمجال الأطلسي والأوروبي، فإنه لا يمثّل لها إطارًا إسلاميًا أو شرق أوسطيًا، ولا يمنح أنقرة بالضرورة القدرة على تشكيل البيئة الأمنية في الخليج العربي والشرق الأوسط وجنوب آسيا، بل ربما يُنظر إلى تلك العضوية بارتيابٍ في بعض الأوساط العربية والإسلامية استنادًا إلى أفعال "الناتو" في الوطن العربي والعالم الإسلامي.

أما الشراكة مع السعودية وباكستان فتفتح أمام تركيا مجالًا مختلفًا تمامًا. إنها تضع أنقرة في قلب ترتيباتٍ أمنيةٍ تمتد من الخليج العربي إلى جنوب آسيا، وتمنحها علاقةً مؤسسيةً أعمق مع دولتين لهما وزنٌ استراتيجيٌ كبيرٌ في المنطقة والعالم.

وهذا يتوافق أيضا مع التحوّل الأوسع في التفكير التركي، إذ تريد تركيا أن تكون دولةً قادرةً على التأثير في محيطها، لا مجرّد دولةٍ تقع على أطراف نظامٍ أمنيٍ تقوده قوى أخرى.

وهنا يمكن فهم مشاركة أنقرة من زاوية مختلفة.

تركيا لا تبحث عن "حماية" من السعودية وباكستان؛ وإنما تبحث عن "توسيع مجالها الاستراتيجي" بما يتلاءم مع استحقاقاتها في ضوء ما تحوزه بالفعل من قدراتٍ وإمكانياتٍ ومزايا.

والأهم أن مصالح تركيا والسعودية أصبحت تتلاقى في عددٍ متزايدٍ من الملفات، ولا تتصادم.

أنقرة تحتاج إلى علاقاتٍ اقتصاديةٍ واستثماريةٍ قويةٍ مع منطقة الخليج العربي، والسعودية تنظر إلى تركيا باعتبارها قوةً عسكريةً وصناعيةً وجيوسياسيةً يمكن أن تكون في قلب منظومة أمنٍ إقليميةٍ أكثر استقلالا.

أما باكستان فتضيف بعدًا لا تستطيع تركيا توفيره: الردع النووي والامتداد المباشر إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي، وهكذا تحصل تركيا من هذا الترتيب على شيء بالغ الأهمية: عمقٌ استراتيجيٌ جديدٌ باتجاه الجنوب والشرق.

لكن هناك بعدًا آخر أكثر عمقا.

تركيا- بحكم تاريخها وجغرافيتها- لا تستطيع أن تتعامل مع منطقة الخليج العربي باعتباره منطقةً بعيدةً عنها. فالاستقرار في الخليج يؤثّر في اقتصاد تركيا، وأمن الطاقة، والتجارة، والممرات البحرية، والعلاقات مع الدول العربية. وفي المقابل، فإن أمن الخليج العربي لا ينفصل عن أمن شرق المتوسط والبحر الأحمر والبحر الأسود، ويقع هذا كله في صميم الاستراتيجيات التركية. وبالتالي فإن الشراكة السعودية/ التركية يمكن أن تتحوّل إلى ربطٍ بين مسارين جغرافيين كانا يُعاملان طويلًا باعتبارهما مسارين منفصلين.

وهنا تظهر القيمة الجيوسياسية الحقيقية لباكستان.

فإذا كانت تركيا تمثّل الجسر بين أوروبا والشرق الأوسط، فإن باكستان تمثّل الجسر باتجاه جنوب آسيا.

وهنا تصبح الدول الثلاث- جغرافيًا- أقرب إلى مثلثٍ استراتيجيٍ يربط الخليج العربي بشرق المتوسط وجنوب آسيا، وهذا يجعل الحلف مختلفًا عن التحالفات التقليدية التي تتشكّل حول تهديدٍ واحد مثل حلف الناتو الذي أقيم لمواجهة الخطر الشيوعي القادم من الاتحاد السوفياتي.

 

لكن لماذا الآن؟

ببساطة لأن توقيت هذا التحالف قد يكون أهمَّ من التحالف نفسه.

فالمنطقة التي يشملها التحالف- أو يُتاخمها- تمرُّ بمرحلة إعادة تشكيلٍ كبرى لموازين القوة، وإعادة رسمٍ لخرائطها: إيران تعرَّضت لخسارةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ هائلة، وفاعليةُ معظم شبكاتها الإقليمية تراجعت إلى حدودٍ لا يمكن تخيّلها. كما أن الثقة في استمرارية المظلّة الأميركية في دول الخليج العربي ليست كما كانت، بينما تنظر دول المنطقة إلى احتمالات تغيّر السياسة الأميركية من إدارةٍ إلى أخرى، وهذا ما لم يكن سائدًا مع الإدارات الأميركية في عقودٍ سابقة، حيث كانت السياسة الخارجية تجاه قضايا المنطقة شبه ثابتة مهما تغيّر ساكن البيت الأبيض في واشنطن.

وفي الوقت نفسه، لم تعد تركيا راغبةً في مجرّد عضوية منظومةٍ أمنيةٍ غربية، ولا السعودية تريد أن تكون مجرّد دولةٍ تحت مظلةٍ أمنيةٍ خارجية، ولا باكستان تريد أن تبقى محصورةً في جنوب آسيا.

إنها ثلاث دول تبحث- كلُّ واحدةٍ بطريقتها- عن هامشٍ استراتيجيٍ أوسع لكن بلا تصادمٍ، فكل طرفٍ أيقن أنَ مستقبله في التكامل لا في الصدام.

وهنا يلتقي الطموح التركي مع الرؤية السعودية ومع حاجة باكستان إلى توسيع مجالها الاستراتيجي.

لذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى الحلف باعتباره موجَّهًا ضد إيران فقط. بالتأكيد إيران هي أحد المستهدفين المحتملين من هذا التحالف، لكنها ليست بالضرورة سببه الوحيد.

وهنا يجب طرح سؤال بالغ الأهمية:

هل ترى الرياض وأنقرة وإسلام أباد أن النظام الإقليمي المقبل يحتاج إلى قوةٍ إسلاميةٍ متعددة المراكز، لا تكون تابعةً بالكامل لأيِّ قوةٍ دولية؟

إذا كانت الإجابة "نعم" فإن الحلف يصبح جزءٍا من تحوّلٍ أوسع في التفكير الاستراتيجي التركي والسعودي والباكستاني.

فالدول الثلاث لا تريد بالضرورة القطيعة مع الولايات المتحدة أو الغرب، ولا يعني التعاون بينها تشكيل حلفٍ معادٍ للغرب، فهذا ليس في تفكير قادة الدول الثلاث، ولا ينبغي أن يكون. المسألة مختلفةً تمامًا؛ إنها عملية بناء قدرةٍ إقليميةٍ على إدارة الأمن بدلًا من انتظار أن يأتي الأمن دائمًا من الخارج.

وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار أهميةً في هذا التحالف.

 

من المظلة الأميركية إلى الأمن الإقليمي متعدّد المراكز

الأهم هنا ألّا نقول إن "الولايات المتحدة خرجت من معادلة أمن الخليج"؛ فهذا غير صحيح. الأدق أن نقول إن "الدول الإقليمية بدأت تتصرَّف على أساس أن الاعتماد الكامل على الضامن الخارجي لم يعد كافيا". وهذا تحوّلٌ استراتيجي بالغ الأهمية.

فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك حضورًا عسكريًا وسياسيًا هائلًا في الخليج العربي، لكن التجارب التي مرَّت بها المنطقة خلال السنوات الماضية دفعت عددًا من دولها- وفي مقدّمتها السعودية- إلى إدراك حقيقةٍ أساسيةٍ مفادها أن وجود القوة الأميركية لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستتدخل بالطريقة أو السرعة أو الحجم الذي تتوقّعه الدول الحليفة. وهنا تظهر فكرة "الاستقلال الاستراتيجي" لا بمعنى "الانفصال عن الولايات المتحدة"، وإنما بمعنى "امتلاك قدرةٍ ذاتيةٍ على الردع تجعل العلاقة مع واشنطن خيارًا استراتيجيًا، لكنه ليس ضرورة وجودية". وهذه نقطةٌ مهمةٌ جدًا في فهم "السعودية الجديدة".

فالسعودية اليوم لا تبدو راغبةً في استبدال واشنطن بحليفٍ آخر، وإنما في توسيع شبكة خياراتها الاستراتيجية. الولايات المتحدة شريكٌ متعدد المستويات، والصين شريكٌ اقتصادي، وتركيا شريكٌ إقليمي، وباكستان شريكٌ أمني، وغيرها من القوى تدخل في شبكةٍ متعددة المستويات، شبكةٌ تتكامل ولا تتقاطع، وتتلاقى لا تتصارع، وهذا واضحٌ ليس في "التحالف الثلاثي" فحسب، بل إن المبادرة السعودية لإنشاء "تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات" المعلَن قبل أيامٍ قليلةٍ تؤسس- هي الأخرى- لمعادلةٍ إقليميةٍ جديدةٍ لإجهاض تهديدات ميليشيات الحوثية للملاحة الدولية، وإغلاق الممرّات البحرية أمام محاولات إيران ووكلائها تحويل البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب إلى أدواتٍ للابتزاز السياسي والضغط الجيوسياسي.

وبالتالي فإن "التحالف الثلاثي"- كما "تحالف البحر الأحمر"- يمكن أن يمثّل بداية انتقالٍ من نموذج "قوةٍ كبرى تحمي المنطقة + دولٍ إقليميةٍ تعتمد عليها"، إلى نموذجٍ أكثر تعقيدًا "قوةٌ أميركيةٌ موجودةٌ + قوى إقليميةٍ تبني قدراتها الذاتية + ترتيباتٍ أمنيةٍ إقليميةٍ متعدّدة المراكز".  وهذا لا يلغي الدور الأميركي، بل يقلّل من احتكار واشنطن لمعادلة الأمن في عموم المنطقة.

"التحالف الثلاثي"- كما "تحالف البحر الأحمر"- يمكن أن يمثّل بداية انتقالٍ من نموذج "قوةٍ كبرى تحمي المنطقة + دولٍ إقليميةٍ تعتمد عليها"، إلى نموذجٍ أكثر تعقيدًا "قوةٌ أميركيةٌ موجودةٌ + قوى إقليميةٍ تبني قدراتها الذاتية + ترتيباتٍ أمنيةٍ إقليميةٍ متعدّدة المراكز".  وهذا لا يلغي الدور الأميركي، بل يقلّل من احتكار واشنطن لمعادلة الأمن في عموم المنطقة.

وهنا يصبح تحالف السعودية/ تركيا/ باكستان أكثر من مجرّد تحالفٍ ثلاثي؛ فقد يكون نواةً لبنيةٍ أمنيةٍ إسلاميةٍ متعددة المراكز. السعودية تمنح هذه البنية مركزها الاقتصادي والسياسي والديني، وتركيا تمنحها ثقلها العسكري والجيوسياسي والصناعي، وباكستان تمنحها بعدًا استراتيجيًا آسيويًا وقدرة ردعٍ نووية.

وبهذا المعنى لا يكون الهدف من قيام "التحالف الثلاثي" بالضرورة إنشاء "ناتو إسلامي"، فذلك توصيفٌ مبالغٌ فيه، وإنما "بناء قدرةٍ جماعيةٍ داخل المنطقة على إنتاج الأمن بدلّا من انتظار إنتاجه من الخارج" وهذا هو التحوّل الأعمق على جميع المستويات.

فإذا استطاعت الدول الثلاث بناء آلياتٍ للتنسيق العسكري والاستخباراتي والصناعي، فإنَّ تأثيرها لن يتوقف عند حدودها. يمكن أن تنضمَّ إلى هذه المنظومة لاحقًا ترتيباتٌ ثنائيةٌ ومتعددةٌ مع دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ أخرى، فتتشكل- تدريجيًا- شبكةً أمنيةً واسعةً لا تقوم على قيادةٍ مركزيةٍ واحدةٍ وإنما على مراكز قوةٍ منفصلةٍ في جانب ومتكاملةٍ في جانب آخر.

وقد يكون هذا هو الشكل الأكثر واقعيةً للنظام الإقليمي القادم: ليس حلفًا واحدًا يضمّ الجميع، وإنما شبكةً من التحالفات المتداخلة. وهنا ستتغير طبيعة المنطقة على نحوٍ جذري في جميع الصُعُد وليس على صعيد الأمن فحسب.

 

هل انتهى عصر الفراغ الاستراتيجي؟

ربما يكون من المبكر إعلان نهاية الفراغ الاستراتيجي الذي عاشته المنطقة طويلًا، وخصوصًا بعد احتلال العراق الذي أدى إلى استفراد إيران بالمشرق العربي كله، لكن من الممكن القول إن شيئًا جديدًا بدأ يظهر.

لقد عاشت المنطقة زمنًا طويلًا بين قوتين متناقضتين: اعتماد دول عديدة على المظلة الأمنية الأميركية من جهة، ومحاولات قوى إقليمية- مثل إيران وتركيا و (إسرائيل)- توسيع نفوذها من جهةٍ أخرى.

وفي ظل غياب منظومة أمنٍ إقليميةٍ متماسكة، أصبح الخليج العربي والشرق الأوسط مسرحًا لتنافس القوى الخارجية والقوى الإقليمية معا.

أما إذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في بناء إطارٍ دفاعيٍ قابلٍ للحياة، فقد تكون الرسالة الأساسية هي: لن تكون المنطقة بعد الآن مجرّد ساحةٍ تتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية؛ بل يمكن لدولها أن تبدأ بتشكيل قواعد التنافس بنفسها ولصالحها، وهذا لا يعني الاستغناء عن الولايات المتحدة أو حلف الناتو أو القوى الكبرى، وإنما يعني أن دول المنطقة قد تبدأ في امتلاك هامشٍ أكبر من "الاستقلال الاستراتيجي".

لكن كل ذلك يبقى رهنًا بالاختبار وهنا نصل إلى النقطة الحاسمة.

كل تحالفٍ يبدو قويًا في لحظة التأسيس. لكن التاريخ لا يحكم على التحالفات من خلال بياناتها الأولى، بل من خلال أول أزمةٍ تختبرُها.

ماذا سيحدث إذا تعرَّضت إحدى الدول الثلاث لهجومٍ كبير؟

هل ستجتمع القيادات فقط؟

هل ستصدر بيانات التضامن؟

هل تقدّم الدول الأخرى دعمًا استخباراتيًا ولوجستيا؟

هل تنتقل إلى المساعدة العسكرية المباشرة؟

هل توجد آليات قيادةٍ وتنسيقٍ واتصالٍ تسمح بتحويل الالتزام السياسي إلى فعلٍ عسكري؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدّد القيمة الحقيقية للتحالف.

فالجملة الأخطر في أيِّ اتفاقٍ دفاعيٍ ليست ما يكتب في يوم التوقيع، وإنما ما يعرف العدو أنه سيحدث في اليوم التالي للهجوم.

ومن هنا فإن أول اختبارٍ عسكريٍ حقيقيٍ للتحالف- أيًّا كان مصدره- لن يكون مجرّد أزمةٍ أمنية، وإنما اختبارًا لصدقية النظام الإقليمي الجديد كله.

إذا نجح التحالف في اجتياز الاختبار الأول، فإن الردع سيصبح واقعًا، وسيتعيَّن على جميع القوى الإقليمية إعادة حساباتها في ضوئه.

أما إذا فشل، أو ظهرت خلافات عند لحظة الاختبار الأول، فقد يتحوّل الإعلان الكبير إلى مجرّد محطةٍ أخرى في سلسلة المحاولات غير المكتملة لبناء نظامٍ أمنيٍ إقليميٍ، وربما عامل تيئيسٍ في وجه أيِّ محاولةٍ قادمة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس:

هل تستطيع السعودية وتركيا وباكستان تشكيل تحالفٍ قوي؟

بل:

هل تستطيع الدول الثلاث أن تجعل أعداءها يصدّقون أن هذا التحالف سيقاتل عندما يحين وقت القتال؟

ففي السياسة الدولية الصدقية هي نصف القوة، والقدرة على استخدام القوة هي النصف الآخر.

وإذا اجتمعت القدرة والصدقية فقد لا تكون السعودية وتركيا وباكستان قد أنشأت تحالفًا دفاعيًا فحسب، بل تكون قد بدأت بالفعل في كتابة الفصل الأول من نظامٍ إقليميٍ جديدٍ، أكثر توازنًا وأقل اعتمادًا على الفراغ الذي حكم المنطقة لعقود.

قيمة التحالف السعودي/ التركي/ الباكستاني لن تحسمها البيانات الأولى ولا ردود الفعل الإيرانية ولا الاحتفاء السياسي الذي رافق الإعلان. بل ستحسمها لحظة واحدة: اللحظة التي تتعرّض فيها إحدى الدول الثلاث لاختبارٍ حقيقي، ويضطرُّ الطرفان الآخران إلى الاختيار بين الالتزام والتراجع.

 

من سيختبر الحلف؟، ومن سيختبره أولا؟

في النهاية لا قيمةً حقيقيةً لأيِّ تحالفٍ إذا بقي محصورًا في نصوص الاتفاقات وبيانات القادة. التحالفات لا تكتسب وزنها الاستراتيجي من لحظة الإعلان عنها، وإنما من اللحظة التي يضطرُ فيها أحد أطرافها إلى اتخاذ قرار مكلّفٍ دفاعًا عن الطرف الحليف.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهميةً بعد الإعلان عن التحالف السعودي/ التركي/ الباكستاني ليس:

ماذا يقول الاتفاق؟

وإنما:

من سيكون أول من يختبره؟

قد لا يكون الاختبار حربًا شاملة، بل ربما يكون أزمةً محدودة، أو هجومًا بالصواريخ والمسيّرات، أو اعتداءً على منشأةٍ استراتيجية، أو أزمةً بحريةً في الخليج العربي أو البحر الأحمر، أو تصعيدًا عبر وكلاء محليين في العراق أو اليمن. فالقوى التي تريد معرفة مدى صلابة التحالف لا تحتاج إلى خوض حربٍ كبرى؛ يكفيها اختبار حدود الالتزام، ومعرفة أين يبدأ الرد وأين يتوقف!

وهنا تصبح إيران- وامتداداتها في العراق واليمن- المرشّح الطبيعي الأول لمراقبة هذا الاختبار، لا لأنها بالضرورة تريد مواجهةً مباشرةً مع الدول الثلاث، وإنما لأنها أكثر الأطراف الإقليمية التي يمكن أن تتأثر بتغيّر ميزان القوة الذي قد يُنتجِه هذا التحالف.

لكن المفارقة أن أفضل طريقةٍ لإيران لاختبار الحلف قد لا تكون مهاجمة إحدى دوله مباشرة.

فالهجوم المباشر على السعودية- مثلًا- يمكن أن يحوّل الاختبار إلى لحظة توحيدٍ للدول الثلاث، ويمنح تركيا وباكستان مبررًا سياسيًا وعسكريًا للتحرّك، كما يمكن أن يستدعي الولايات المتحدة وقوى دوليةٍ أخرى إلى الأزمة.

أما الاختبار غير المباشر فهو أكثر تعقيدا.

يمكن أن يبدأ من منطقةٍ رماديةٍ: هجومٌ محدود، أو عملٌ من خلال طرفٍ ثالث، أو تصعيدٌ يمكن إنكاره- كالعادة- أو ضغطٌ على الملاحة الدولية- أو السعودية تحديدًا- ثم مراقبة ردّ الفعل. فإذا جاء الرد ضعيفًا فسيمكن البناء على العمل المحدود نحو عملٍ أكبر. وإذا جاء قويًا صارمًا واضحًا تصبح الرسالة واضحةً بأن التحالف اكتسب صدقيةً لا يمكن تجاهلها. وكلما كان التحالف أكثر صدقيةً أصبح اختباره أكثر خطورةً على من يحاول اختباره.

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية فقد يكون أول اختبارٍ للحلف أقل وضوحًا مما يتخيّله كثيرون.

الاختبار الحقيقي قد يكون في مياه الخليج العربي، فالخليج هو المكان الأكثر حساسيةً في هذه المعادلة، ليس فقط لأن السعودية تقع في قلبه، وإنما لأن أمنه يرتبط بالطاقة والتجارة والممرات البحرية والاقتصاد العالمي، وهذا يعني أن أي أزمةٍ كبيرةٍ في الخليج ستضع الحلف أمام سؤالٍ بالغ الحساسية:

هل يقتصر التزام الدول الأعضاء على الدفاع عن أراضي الدول الثلاث، أم يمتدُّ إلى حماية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بأمن المنطقة؟

وهنا ستظهر حدود الاتفاق.

فإذا تعرَّضت منشأة سعودية لهجوم، فإن المسألة تبدو واضحةً نسبيًا. لكن ماذا لو تعرّضت ناقلة نفط، أو سفينةٌ تجاريةٌ أو منشأةٌ حيويةٌ مرتبطةٌ بالأمن الاقتصادي الخليجي للهجوم؟ وماذا لو وقع الهجوم عبر ميليشيا مسلحةٍ لا تُعلن إيران مسؤوليتها عنه- بل تتنصّل كما جرت العادة؟

هذه هي المنطقة التي يصبح فيها الواقع الجيوسياسي أكثر تعقيدًا من النصوص.  لأن الردَّ على الهجوم غير المباشر يحتاج إلى تحديد المسؤولية، والردُّ على المسؤولية يحتاج إلى معلوماتٍ استخباراتية، والردُّ العسكري يحتاج إلى قرارٍ سياسي.

وهنا تحديدا ستظهر قيمة تركيا. فتركيا هي الطرف الذي يمكن أن يحسم الكثير من قيمة الحلف.

فالسعودية هي الطرف الذي يمكن أن يتعرّض للتهديد المباشر، وباكستان هي صاحبة البعد النووي والاستراتيجي، لكن تركيا هي الدولة التي تمتلك القدرة على التحرك العسكري التقليدي خارج حدودها، وتمتلك صناعةً دفاعيةً متطورةً، وخبرةً عملياتيةً، وشبكة علاقاتٍ واسعة.

ولذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت تركيا ستعلن تضامنها مع السعودية في حال تعرّضها لهجوم؛ فهذا أمر يمكن توقّعه سياسيًا- وهو حاصلٌ بالفعل قبل إعلان التحالف- وإنما هل ستكون أنقرة مستعدة لتحويل هذا التضامن إلى فعلٍ عسكريٍ إذا تطلّب الأمر؟

هنا فقط ستتحدّد قيمة الالتزام التركي في هذا التحالف.

والمؤكد أن تركيا تعرف جيدًا أن دخولها في تحالفٍ من هذا النوع يختلف عن توقيع اتفاقٍ اقتصادي. الالتزام الدفاعي يخلق التزاماتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ، وقد يفرض عليها في لحظةٍ ما اتخاذ موقفٍ يضعها في مواجهة قوةٍ إقليميةٍ- إيران- أو حتى يخلق توترًا مع بعض شركائها الدوليين.

ولهذا فإن قبول تركيا بهذا النوع من الالتزام يحمل دلالةً بحدِّ ذاته.

ولأن أنقرة لم تدخل التحالف لأنها تحتاج إلى حماية السعودية أو باكستان- كما قلنا من قبل- بل لأنها ترى أن مصلحتها الاستراتيجية طويلة المدى تقتضي أن تكون شريكًا مع السعودية وباكستان في تشكيل البيئة الأمنية الجديدة لا مجرّد متلقٍّ لها، من هنا يمكن أن يصبح الاختبار الأول للحلف اختبارًا تركيًا أيضا.

فإذا تحرَّكت أنقرة عند أول أزمةٍ بصورةٍ تتجاوز البيانات السياسية إلى الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي، فسيتحوّل الاتفاق من ورقةٍ سياسيةٍ إلى رادعٍ حقيقي. أما إذا اكتفت- هي والأطراف الأخرى- بالبيانات فقد يتبيَّن أن الفجوة بين الالتزام السياسي والالتزام العسكري لا تزال واسعة.

وماذا عن باكستان؟

الاختبار الباكستاني سيكون مختلفا.

فإسلام آباد لا تحتاج إلى الدخول في كل أزمةٍ عسكريةٍ في الخليج العربي لكي تثبت أهمية وجودها في التحالف. مجرّد وجود دولةٍ نوويةٍ ضمن منظومةٍ دفاعيةٍ ذات صلةٍ بأمن السعودية يغيّر حسابات الخصوم. لكن القوة النووية لا تعني بالضرورة استخدامها أو حتى التلويح بها في كل أزمة. قيمتها الأساسية هنا هي الردع الاستراتيجي. وجود باكستان في المعادلة يضيف إلى الحلف مستوى من العمق لا يمكن تجاهله، لكنه في الوقت نفسه يجعل على القيادة الباكستانية أن توازن بين التزاماتها تجاه السعودية وتركيا وبين مصالحها المباشرة في جنوب آسيا وعلاقاتها مع القوى الكبرى. لذلك قد يكون الدور الباكستاني في البداية أكثر ميلًا إلى الدعم الاستراتيجي والاستخباراتي والعسكري المتخصّص، بينما تكون تركيا أكثر قدرةً على توفير القوة التقليدية المباشرة.

وهنا تظهر مرة أخرى فكرة التكامل.

السعودية ليست بحاجة إلى أن تصبح باكستان، ولا تركيا بحاجة إلى أن تصبح السعودية، ولا باكستان بحاجة إلى أن تصبح تركيا. قيمة الحلف تكمن في أن كل دولةٍ تستطيع أن تقدّم ما لا تستطيع الدولتان الأخريتان تقديمه بالقدر نفسه.

لكن الاختبار قد يأتي من مكانٍ آخر، فمن الخطأ افتراض أن إيران وحدها من سيعمل على اختبار الحلف.

فالولايات المتحدة نفسها ستراقب هذا التحالف بعناية، وكذلك (إسرائيل) وروسيا والصين، ودول عربية وإسلامية أخرى.

فإذا نجح التحالف فإن واشنطن ستجد أمامها شركاء إقليميين أكثر استقلالًا، وهو أمر يمكن أن يكون مفيدًا للولايات المتحدة من جهة، لكنه يعني أيضا تراجعًا نسبيًا في احتكارها لإدارة الأمن الإقليمي، وهنا ينبغي النظر في كيفية تعاملها مع هذا التراجع النسبي.

أما (إسرائيل) فسوف تنظر إلى التحالف من زاويةٍ مختلفة: هل يؤدي إلى قيام كتلةٍ إقليميةٍ قويةٍ يمكن أن تغيّر حسابات الأمن في الشرق الأوسط خصوصًا أن السعودية وتركيا تؤيّدان مبدأ "حل الدولتين" بقوة؟ وهل يمكن أن تتحوّل هذه الكتلة مستقبلًا إلى إطارٍ أوسع يضمُّ دولًا عربية وإسلامية أخرى؟

أما الصين فقد ترى في قيام منظومةٍ إقليميةٍ أكثر استقرارًا فرصةً لحماية مصالحها الاقتصادية والطاقة والتجارة في المنطقة وفي جوارها.

ومن هنا فإن نجاح الحلف لن يُغيّر الحسابات الإيرانية فقط؛ بل يمكن أن يعيد تشكيل حسابات القوى الكبرى نفسها.

ومع ذلك فإن أخطر اختبارٍ للحلف قد لا يكون عسكريًا أصلا.

قد يكون الاختبار هو قدرة الدول الثلاث على البقاء متماسكةً عندما تختلف مصالحها.

فالسعودية لديها أولوياتٌ خليجيةٌ وعربيةٌ، وتركيا لديها حساباتها في سوريا والعراق والقوقاز والبحر الأسود وشرق المتوسط، وباكستان لديها أولويةٌ كبرى تتمثّل في الهند وأمن جنوب آسيا.

هذه الدول ليست متطابقةً في كلِّ شيء، ولا ينبغي أن تكون كذلك.

فالتحالف الحقيقي لا يعني تطابق المصالح، وإنما يعني امتلاك آلية لإدارة الاختلافات عندما تتقاطع المصالح.

وهنا تحديدًا سيكون الاختبار الأصعب: هل تستطيع الدول الثلاث الفصل بين خلافاتها في الملفات الأخرى وبين التزاماتها الأمنية المشتركة في القضايا التي تعني الجميع معا؟

إذا استطاعت، فإن التحالف سيصبح مؤسسةً استراتيجيةً قابلةً للاستمرار.

أما إذا أصبحت كل أزمةٍ إقليميةٍ رهينةً لخلافاتٍ ثنائيةٍ بين أعضاء التحالف فإنَّ قوَّة هذا التحالف ستظلُّ محدودة.. ثم تتلاشى.

لهذا كله، فإن قيمة التحالف السعودي/ التركي/ الباكستاني لن تحسمها البيانات الأولى ولا ردود الفعل الإيرانية ولا الاحتفاء السياسي الذي رافق الإعلان.

ستحسمها لحظة واحدة:

اللحظة التي تتعرّض فيها إحدى الدول الثلاث لاختبارٍ حقيقي، ويضطرُّ الطرفان الآخران إلى الاختيار بين الالتزام والتراجع.

إذا اختارت الدول الثلاث الالتزام، حتى لو بدرجاتٍ مختلفة، فستولد- للمرة الأولى منذ عقود- معادلةُ ردعٍ إقليميةٍ جديدة.

وإذا تراجعت عند أول اختبارٍ فسوف يكتشف الخصوم أن الاتفاق أقوى في اللغة منه في الواقع.

وإذا نجح الاختبار فلن تكون الرسالة موجَّهةً إلى إيران وحدها. ستكون الرسالة إلى المنطقة والعالم كله:

أن أمن الخليج العربي والشرق الأوسط وجنوب آسيا لم يعد بالضرورة قضيةً تديرها قوةٌ خارجية، وأن دولًا إقليميةً كبرى بدأت تمتلك القدرة والإرادة لبناء نظامٍ أمنيٍ خاصٍ بها.

وعندها فقط يمكن القول إن الحلف لم يعد مجرّد اتفاق بين ثلاث دول. بل أصبح نواةً لنظامٍ إقليميٍ جديدٍ يقوم على الردع المتبادل، وتكامل القوة، وتوزيع مراكز القرار، وتقليص مساحة الفراغ الاستراتيجي التي استثمرتها القوى الإقليمية والدولية طويلا.

والسؤال الذي سيبقى معلَّقا ليس: من سيختبر الحلف أولا؟

بل السؤال الأصعب: عندما يأتي الاختبار، هل يكون الحلف مستعدا؟

 

ختاما

يجب أن يكون واضحًا وعلى نحوٍ حاسم أن السعودية لا تبحث عن بديلٍ للولايات المتحدة، وتركيا لا تبحث عن بديلٍ للناتو، وباكستان لا تبحث عن بديلٍ لقوتها النووية؛ الدول الثلاث تبحث عن شيءٍ مختلف: أن تمتلك المنطقة نفسها قدرةً أكبر على تحديد أمنها ومصالحها، بدلًا من أن تترك تعريف وانتاج أمنها بالكامل للآخرين.

فهل سيتحقّق هذا؟

الأيام المقبلة، ربما وليس الأسابيع، ستكشف عن ملامح الإجابة.

 

السبت 8/8/2026

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram