الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

المفارقة الخليجية- الإيرانية؛ أسئلة اللحظة الفارقة بين تجنّب الحرب وإعادة إنتاج التهديد

دول الخليج العربي تجد نفسها اليوم منخرطةً في مساراتٍ لاحتواء التصعيد، ومنع انهيار- أو زوال- الطرف الذي اعتدى عليها!

مصطفى كامل
الجمعة 12 يونيو, 2026 18:06
 تشهد منطقة الخليج العربي لحظةً سياسيةً بالغة التعقيد تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع هواجس الاستقرار، وتختلط فيها الرغبة في تجنّب الحروب مع ضرورات مواجهة مصادر التهديد.

وفي قلب هذا المشهد تبرز مفارقةٌ لافتةٌ قد تمثّل واحدةً من أكثر اللحظات تناقضًا في تاريخ السياسة في الشرق الأوسط: دولٌ تعرّضت لعقودٍ من التوتّرات والأزمات والتهديدات المباشرة وغير المباشرة تجد نفسها اليوم منخرطةً في مساراتٍ تهدف إلى احتواء التصعيد، ومنع انهيار- أو زوال- الطرف الذي ارتبط اسمه تاريخيًا بتلك التوترات والأزمات والتهديدات!

لكن هل يعني ذلك أن دول الخليج العربية تسعى فعليًا إلى إنقاذ خصمها؟ أم أن ما يجري هو محاولة عقلانية لتجنّب فوضى إقليميةٍ قد تكون كلفتها أعلى من كلفة استمرار الوضع القائم؟

لا يمكن قراءة السلوك الخليجي بمعزلٍ عن منطق "الدولة"، فالدول ينبغي ألّا تتحرّك بدوافع انتقاميةٍ أو أخلاقيةٍ، بل وفق حسابات الأمن والاستقرار وتوازن المخاطر، فالأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي يمثّلان أولوية عليا خصوصًا في دول الخليج العربي التي بنت نموذجها على قاعدتين أساسيتين هما الأمن، والاستقرار الاقتصادي والسياسي. ولأن الحروب الإقليمية في منطقة شديدة الحساسية تحمل دائمًا مخاطر انتشارٍ لا يمكن ضبطه بسهولة لذا فمن الطبيعي أن تخشى دول الخليج العربي من حربٍ واسعةٍ قد تفتح باب الفوضى الإقليمية، وتنعكس مباشرة على أمنها الداخلي واقتصاداتها واستقرار مجتمعاتها.

من هذا المنظور تبدو سياسات التهدئة والاحتواء التي تعتمدها أو تلجأ إليها بعض دول الخليج العربي خيارًا مفهوما.

هل الأمن هو غياب المواجهة المباشرة، أم قدرة النظام الإقليمي- العربي والإيراني- على منع إنتاج التهديد من الأساس أو الحيلولة دون تكرار تجارب الماضي؟

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يؤدي هذا الخوف من الحرب، والسعي إلى الاستقرار- من حيث لا يُراد ومن دون قصد- إلى تثبيت مصادر التهديد نفسها بدل إزالتها، أو تقليصها في أقلّ تقدير؟

لفهم ذلك من الضروري التمييز بين مستويين من التحليل: الأول هو مستوى الأزمات المباشرة التي تشمل التصعيد العسكري، الصراعات بالوكالة، التوتّرات الدبلوماسية. أما الثاني فهو مستوى البنية العميقة التي تنتج هذه الأزمات بصورةٍ متكرّرة. وهنا يبرز سؤال مركزي: هل تكمن المشكلة الناشبة مع إيران في أحداثٍ متفرقةٍ يمكن إدارتها واحتواؤها بالتفاوض والتهدئة، أم في نمطٍ استراتيجيٍ يعيد إنتاج التوتر سياسيًا وأمنيًا بصورةٍ دوريةٍ لأنه يقوم بالأساس على خلق الأزمات، وإدامتها، وتصديرها إلى الجوار والعالم؟

هذا السؤال يقود إلى إشكاليةٍ أوسع وسؤالٍ أعمق: هل يمكن تحقيق أمنٍ إقليميٍ مستدامٍ دون معالجة الجذور البنيوية للصراع؟ أم أن الاكتفاء بإدارة أعراض الصراعات سيجعل كلَّ تهدئةٍ ليس أكثر من مرحلة استراحةٍ قبل جولةٍ جديدةٍ من التوتر؟

هل المشكلة في إيران "كدولة"، أم في "سلوك تلك الدولة" الذي تشكَّل عبر عقودٍ ضمن تصوّرٍ محدّدٍ لدورها الإقليمي؟ سواءً كانت إيران هي نفسها من صنعت هذا الدور في الإقليم أو صُنِع لها من قبل أطرافٍ خارج الإقليم ربما!

يشير تاريخ العلاقات الإقليمية مع إيران إلى نمطٍ متكررٍ، حيث جرت العادة في الإقليم على التعامل مع قضايا الأزمات مع إيران باعتبارها ملفاتٍ قابلةٍ للإدارة: نشوبُ أزمة، ثم احتواؤها، ثم تهدئةٌ مؤقتة، ثم عودةٌ تدريجيةٌ إلى الاستقرار الهشّ، ثم اندلاعُ التوتّر في ذات السياق أو في سياقٍ مختلف. ومرّة أخرى يُثار هنا تساؤلٌ: هل يمثّل هذا النمط المتكرّر استقرارًا هشًا قابلًا للتطوير، أم أنه مجرّد دورةٍ مستمرةٍ يمكن احتواؤها بالتفاوض والتهدئة دون معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، وتأجيل الانفجار إلى وقتٍ آخر؟

في هذا السياق ربما تظهر بعض الأصوات العربية- خصوصًا في دول خليجية تعرّضت للعدوان من جانب إيران- لتنادي بفكرة "الترتيبات الأمنية المشتركة مع إيران- بزعم أنها منتميةٌ للمنطقة- بدل التحالفات مع الولايات المتحدة- البعيدة عنها" كخيارٍ مطروحٍ لتقليل المخاطر.

في ظاهرها تبدو هذه الفكرة منطقيةً حيث تحويل الخصومة إلى إدارةٍ مشتركةٍ للأمن الجماعي في الخليج العربي. لكن يبرز هنا سؤالٌ آخر لا يمكن تجاهله، والسؤال هنا لا يتعلّق بمبدأ التشارك بحدِّ ذاته، بل بشروطه وبآلياته وبميزان القوى الذي يُبنى عليه، يقول السؤال: هل يمكن أن تؤدّي هذه الترتيبات الأمنية بين الدول الخليجية العربية وإيران إلى توازنٍ حقيقيٍ، أم أنها قد تتحوّل إلى إطارٍ يكرّس نفوذ الطرف الأقوى بدل ضبط مجالات هذا النفوذ وعمقه ومدياته؟

أي هل يمكن بناء منظومةٍ أمنيةٍ عربيةٍ إيرانيةٍ متوازنةٍ في ظلِّ اختلالٍ واضحٍ في طبيعة النفوذ ومجالاته وأدواته وموازين القوى بين الأطراف المعنية؟ أم أن مثل هذه الترتيبات قد تتحوّل- عمليًا- إلى إطارٍ يمنح الطرف الأقوى فرصةً لتثبيت نفوذه بدل ضبط ذلك النفوذ؟

يقول علم السياسة المعزّز بوقائع التاريخ إن أيَّ ترتيباتٍ مشتركةٍ سياسيةٍ أو أمنيةٍ لا تنطلق من الاعتراف بجذور المشاكل العميقة بين إيران وجوارها العربي- وضمنه العراق وسوريا ولبنان واليمن- ستتحوّل في النهاية إلى آليةٍ لإدارة النفوذ الإيراني وليس للحدِّ منه. وعندها لن تكون الدول الخليجية قد حقّقت أمنها، بل ستكون كمن قد منح خصمه دورًا رسميًا في إدارة أمنه الوطني وحتى الشخصي!

وهنا يثور سؤالٌ أكثر حساسية: هل يمكن أن تصبح السياسات المصمّمة لتجنّب الحروب وسيلةً غير مباشرة لإعادة إنتاج الظروف التي تجعل الحروب ممكنةً في وقتٍ لاحق؟

يقول علم السياسة المعزّز بوقائع التاريخ إن أيَّ ترتيباتٍ مشتركةٍ سياسيةٍ أو أمنيةٍ لا تنطلق من الاعتراف بجذور المشاكل العميقة بين إيران وجوارها العربي- وضمنه العراق وسوريا ولبنان واليمن- ستتحوّل في النهاية إلى آليةٍ لإدارة النفوذ الإيراني وليس للحدِّ منه.

ومرة أخرى تقود هذه الإشكالية إلى سؤالٍ جوهريٍ لا يمكن تجاوزه: هل المشكلة في "وجود تهديدٍ دائمٍ"، أم في "سلوكٍ سياسيٍ مستمرٍ" يتكرّر عبر الزمن؟ وبصياغة أخرى: هل نتعامل مع أزمةٍ ظرفيةٍ يمكن تجاوزها، أم مع نمطٍ بنيويٍ يتطلّب إعادة تعريفٍ لطبيعة العلاقات الإقليمية نفسها على ضفتي الخليج العربي ثم امتدادًا إلى المشرق العربي كلّه؟

في ظلِّ هذه التعقيدات الملتبسة يصبح السؤال الحاسم ليس فقط كيف نتجنّب الحرب؟ بل: أيَّ نوعٍ من الاستقرار يمكن أن يكون مستدامًا؟ فهل الاستقرار الذي يقوم على إدارة الأزمات دون حلّها هو استقرارٌ فعلي، أم مجرّد هدنةٍ طويلة الأمد- أو قصيرة بما- بين جولاتٍ متكررةٍ من الصراع؟

الأكثر حساسيةً في هذا النقاش هو التحوّل غير المباشر في وظيفة العمل السياسي بحدِّ ذاته. فبدل أن يكون الهدف من العمل السياسي هو "تقليص مصادر التهديد الخارجي"، قد تصبح النتيجة هي "تثبيت الوضع القائم الذي أنتج التهديد أصلا". وهنا يظهر سؤال أكثر إرباكًا: هل يمكن أن تتحوّل السياسات الهادفة لمنع الحرب إلى آليةٍ- حتى ولو غير مقصودةٍ- لإنقاذ الطرف الآخر في الصراع من نتائج سلوكه المدمّر؟

قد يكون الخوف من المجهول بعد أيِّ تغييرٍ جذريٍ مبررًا، لكن هذا الخوف المبرّر لا يقلّ عنه أهميةً السؤال عن كلفة بقاء الوضع القائم كما هو. فالتاريخ المعروف في الإقليم- كما عشناه في العقود الخمسة الأخيرة- يُظهر أن السياسات التي تعتمد على "الاحتواء المستمر" دون "معالجة الجذور" كثيرًا ما تنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمات بأشكالٍ مختلفةٍ وعلى نحوٍ أخطر ربما.

لا يتعلّق هذا الطرح برغبةٍ في المواجهة أو في التصعيد أو في الحرب، بل بمراجعةٍ- باردةٍ ربما- لكلفة الخيارات. نعم قد يخشى البعض من المجهول الذي قد يأتي بعد إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، لكن السؤال الأكثر أهميةً هنا هو: كم مرة جرى تبرير الإبقاء على الوضع القائم بحجّة الخوف من المجهول؟ وكم مرة انتهى ذلك إلى إنتاج أزماتٍ جديدةٍ أشدَّ تعقيدًا من سابقاتها بل وأخطر مما كان يُخشى منه أصلا؟

قد تذهب بعض الآراء إلى أنَّ البديل عن "الاحتواء" هو "الفوضى" أو "الحرب" حتى، وهذا هاجسٌ مشروعٌ في بيئةٍ إقليميةٍ شديدة الهشاشة خصوصًا لدى أطرافٍ لديها ما تخسره فعلًا. لكن السؤال المقابل لا يقلُّ أهمية: هل "الفوضى" هي وحدها الاحتمال البديل، أم أنَّ هناك مساراتٍ أخرى ومساحاتٍ وسطى بين المواجهة المفتوحة والفوضى المطلقة وبين الاستقرار القائم على التعايش مع أسباب التوتر، ومع بقاء مصادر التهديد دون معالجة؟!

ومن زاوية أخرى: هل المشكلة في إيران "كدولة"، أم في "سلوك تلك الدولة" الذي تشكَّل عبر عقودٍ ضمن تصوّرٍ محدّدٍ لدورها الإقليمي؟ سواءً كانت إيران هي نفسها من صنعت هذا الدور في الإقليم أو صُنِع لها من قبل أطرافٍ خارج الإقليم ربما!

والحقُّ أن هذا السؤال ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو ما يحدٍّد طبيعة أيَّ سياسةٍ مستقبلية ينبغي اعتمادها: هل نتعامل مع كيانٍ عقائديٍ لديه استراتيجيةٌ ثابتةٌ لا تتغير، أم مع سلوكٍ سياسيٍ لكيانٍ ما يمكن أن يتبدّل مع تغيّر الظروف الداخلية والإقليمية؟

وهنا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: كيف نحول دون انهيار إيران؟ أو كيف نمنع الحرب عليها؟ بل: أيَّ نوعٍ من العلاقات يمكن أن ينشأ بعد هذه المرحلة؟ وهل يمكن بناء أمنٍ إقليميٍ مستدامٍ عبر التكيّف الدائم مع مصادر التهديد، أم أن الاستقرار الحقيقي يتطلّب أولًا إعادة تعريفٍ كثيرٍ من المفاهيم؟

لا يتعلّق الجواب باختيارٍ بين الحرب والسلام فقط، بل بالإجابة على هذا السؤال: هل الأمن هو غياب المواجهة المباشرة، أم قدرة النظام الإقليمي- العربي والإيراني- على منع إنتاج التهديد من الأساس أو الحيلولة دون تكرار تجارب الماضي؟

المفارقة الكبرى في اللحظة الراهنة ليست الحرب نفسها، بل احتمال أن تنتهي هذه الحرب وقد نجح الخليجيون في إنقاذ النظام الذي أمضى عقودًا في تهديدهم، ثم يجدون أنفسهم بعد سنواتٍ قليلةٍ أمام التهديدات ذاتها، والأدوات ذاتها، والأزمات ذاتها، ولكن بثمنٍ أكبر هذه المرة!

وهنا تعود المفارقة من جديد: قد تسعى دول الخليج العربي، بدافع تجنّب الحرب وحماية الاستقرار، إلى سياساتٍ تؤدي عمليًا إلى تثبيت الواقع الذي أنتج التهديد أصلًا وكأن التجارب الماضية لم تكن كافية، أو كأن المشاكل مع النظام الإيراني كانت في سوء فهم العرب للطرف المقابل لا في سوء سلوك ذلك الطرف؛ بل في سوء دوافعه الاستراتيجية أساسًا على وجه الدقة، أو كأنَّ العقود السابقة لم تشهد تهديداتٍ وهجماتٍ واختراقاتٍ وصراعاتٍ بالوكالة امتدّت من الخليج العربي إلى المشرق العربي!

ليس "الاستقرار" مجرد "غياب الحرب" أو "وقف إطلاق النار"، فالاستقرار الحقيقي لا يعني العودة إلى الوضع الذي سبق الأزمة، إذا كان ذلك الوضع هو نفسه الذي أنتج الأزمة، حيث الدول لا تحقّق أمنها عبر التكيّف الدائم مع مصادر التهديد، إنما الاستقرار الحقيقي يكون عبر إزالة الأسباب التي تجعل التهديد يتكرّر من الطرف نفسه.

ولهذا فإن المفارقة الكبرى في اللحظة الراهنة ليست الحرب نفسها، بل احتمال أن تنتهي هذه الحرب وقد نجح الخليجيون في إنقاذ النظام الذي أمضى عقودًا في تهديدهم، ثم يجدون أنفسهم بعد سنواتٍ قليلةٍ أمام التهديدات ذاتها، والأدوات ذاتها، والأزمات ذاتها، ولكن بثمنٍ أكبر هذه المرة!

وبين هاجس الخوف من الفوضى وخطر تكرار المشاكل والأزمات، يبقى السؤال مفتوحًا: أيهما أكثر كلفةً على المدى الطويل؛ حسمُ الصراع مع نظام ولاية الفقيه في إيران أم احتواء تهديداته ومخاطره إلى أجلٍ ما؟

 

 

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram