الخميس 24 / سبتمبر / 2026

إلى متى يدفع العرب ثمن حروب الفُجّار؟

اتّفقت إيران مع أميركا والكيان الصهيوني على توزيع الأدوار في مراحل سابقة

عبدالواحد الجصاني
الأربعاء 3 يونيو, 2026 05:22
 التنافس بين إيران ولاية الفقيه من جهة، والولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني من جهة أخرى، للهيمنة على المشرق العربي والشرق الأوسط بشكل عام، هو صورة لما يحصل بين القوى الاستعمارية عبر التاريخ؛ فأحيانًا يتفقون على تقاسم النفوذ وتوزيع الغنائم، وأحيانًا تتضارب مصالحهم ويعلنون الحرب على بعضهم.

وقد اتّفقت إيران مع أميركا والكيان الصهيوني على توزيع الأدوار في مراحل سابقة، ومنها حرب إيران على العراق، وغزو أفغانستان، ثم غزو العراق. ثم طمعت إيران بحصةٍ أكبر من النفوذ في المشرق العربي، وادّعت أن وكلاءها باتوا يسيطرون على أربع عواصم عربية، فقامت بينها وبين أميركا ومعها الكيان الصهيوني حروب بالوكالة، ثم حروب مباشرة، آخرها حرب الاثني عشر يومًا (13-24 حزيران 2025)، وحرب الأربعين يومًا (28 شباط - 8 نيسان 2026).

وإذا أخذنا بالاعتبار أن سياسة الولايات المتحدة الثابتة إزاء الخليج العربي، الذي يعدُّ مصدرًا أساسيًا للطاقة في العالم، هي نشر عدم الاستقرار فيه مع الحفاظ على تواجدها العسكري المكثّف من أجل فرض الإرادة، وأن نظام ولاية الفقيه هو أكبر مصدر لعدم الاستقرار في الخليج العربي والمشرق العربي بشكل عام، فمن غير المتوقع أن تعمل الولايات المتحدة على إسقاط ولاية الفقيه، وإن زعمت ذلك، وإنما تضغط عليه سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لاحتوائه بالكامل.

وفي حرب الأربعين يومًا، وبعد أن تحمّلت دول الخليج العربي الثقل الأكبر من صواريخ ومسيّرات إيران، جاء وقت الاتفاق بين أميركا وايران على اتفاق موازنة قوة جديد، والاتفاق الذي  تسرّبت نصوص منه، والذي سيُعلن لاحقًا بعنوان «مذكرة تفاهم» أخذت صياغاته بالحسبان مشاغل إيران الإعلامية الداخلية حتى يستطيع الولي الفقيه تسويقه لشعوب إيران على أنه انتصار. واستخدمت مذكرة التفاهم لغة «حمّالة أوجه»، خاصة في مسألتي الملف النووي ومضيق (هرمز)، للإبقاء على حالة عدم الاستقرار.

هل يمكن لدولة عربية أو إسلامية أن تتخلى عن أنبل قضية عادلة في العصر الحديث، وتنخرط في منظومة أمنية إقليمية يقودها كيان عنصري توسعي مجرم وعدو للإنسانية؟!

أما الكيان الصهيوني، فإنه، وبعد أن فشل في جرِّ دول الخليج العربي إلى قتال إيران، طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يعوّض فشله بإعلان انضمام دول الشرق الأوسط الرئيسية  إلى اتفاقات أبراهام.  وبالمناسبة أحثّ الكتّاب العرب على استخدام "اتفاقات أبراهام"  بدل «الاتفاقيات الإبراهيمية»، فإبراهيمنا عليه السلام هو غير أبراهام الصهاينة.

ولكون ترمب ينفذ حرفيًا ما يأمره به بنيامين نتنياهو وزوج ابنته جاريد كوشنر، فهو تمامًا مثل الخليفة العباسي المستعين بالله، الذي كان طوع بنان اثنين من قادة جيشه الأتراك، وهما «وصيف» و«بُغا»، وقيل فيه:

خليفةٌ مُقتسمٌ بين وصيفٍ وبُغا

يقول ما قالا لهُ كما تقول الببغا

ولأن نتنياهو والصهيونية العالمية لا يقتنعون بغير تحقيق الخرافة التوراتية بامتلاك الشرق الأوسط والهيمنة على شعوبه من «العماليق» الذين طلبت التوراة محاربتهم ومحو ذكرهم تمامًا من تحت السماء (سفر التثنية 25)، فقد بادر الرئيس الأميركي، يوم 23/5/ 2026، إلى عقد مؤتمر هاتفي مع قادة السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين، طالبهم فيه بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام حال إعلان الاتفاق مع ايران على مذكرة التفاهم.

وبعد الاجتماع كتب ترمب تغريدة قال فيها «لقد قلت إنه بعد كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لمحاولة حل هذا الوضع المعقد للغاية، ينبغي على جميع هذه الدول، على الأقل، أن تكون ملزمة بتوقيع اتفاقيات أبراهام في الوقت نفسه». وصرّح لاحقًا أن دول الشرق الأوسط مدينة بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام للتطبيع مع (إسرائيل). واقترح انضمام إيران أيضًا إلى اتفاقات أبراهام، معتبرًا أن ذلك سيكون "أمرًا مذهلا".

لماذا وُلدت دعوة ترمب للانضمام إلى اتفاقات أبراهام ميتة؟

أولًا: وُقعت اتفاقات أبراهام في البيت الأبيض يوم 15 أيلول 2020، ولم يُشِر بيانها الختامي إلى القضية الفلسطينية ولا إلى قرار القمة العربية لعام 2002، الذي اشترط حلًا للقضية الفلسطينية من خلال انسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة إلى حدود ما قبل عام 1967، بما في ذلك هضبة الجولان المحتلة، وإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين، مقابل تطبيع الدول العربية مع (إسرائيل).

وأشار البيان إلى مبادئ عامة مثل الحفاظ على السلام وتعزيزه في منطقة الشرق الأوسط، وترسيخ ثقافة السلام، والحثِّ على التعايش السلمي، واحترام كرامة الإنسان، وتعزيز التقارب بين الشعوب. وحماية أطفال العالم. وجميع هذه المبادئ، وفي مقدمتها مبدأ حماية الأطفال، انتهكها الكيان الصهيوني خلال حرب الإبادة المتواصلة على غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023، وأصبح قادة الكيان مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بجرائم إبادة، وأصبحت (إسرائيل) منبوذة على مستوى العالم ، وبالذات على مستوى الشعوب الإسلامية. لذلك فمن المتوقع من الدول العربية والإسلامية ان تتجاهل دعوة ترمب، فمن يقبل منح الصهيونية نصراً زائفا على حساب اوطاننا وشعوبنا؟!

ثم إن قضية فلسطين تكسب أنصارًا في العالم يومًا بعد يوم، فعدد دول العالم التي اعترفت بدولة فلسطين بلغ (160) دولة من مجموع (193) دولة عضوًا في الأمم المتحدة. فهل يمكن لدولة عربية أو إسلامية أن تتخلى عن أنبل قضية عادلة في العصر الحديث، وتنخرط في منظومة أمنية إقليمية يقودها كيان عنصري توسعي مجرم وعدو للإنسانية؟!

ثانيًا: تقول الولايات المتحدة إن أمن (إسرائيل) ودول الخليج العربي متكامل، وأن التطبيع مع (إسرائيل) ينتج الاستقرار، بينما الوقائع تقول إنه لا توجد مشتركات بين الطرفين بل تنافر صارخ، والعالم اليوم يسمع ويرى أن المشروع الصهيوني للشرق الأوسط يعني أولًا إنهاء القضية الفلسطينية، ثم الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على الإقليم ودرته الاقتصادية دول مجلس التعاون، وصولًا إلى جعل حدود الكيان من النيل إلى الفرات.

ثالثًا: لقد زادت حرب الأربعين يومًا من ابتعاد دول مجلس التعاون عن فكرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، إضافة إلى أن دول مجلس التعاون لم تعد ترى في التحالف مع أميركا ذخرًا استراتيجيًا حيويًا بعد أن عجزت «المظلة الأميركية» عن حمايتها من العدوان الإيراني، مع أنها لم تكن طرفًا في الحرب، مما دفع دول الخليج العربي إلى التفكير في إعادة رسم شبكة علاقاتها فيما بينها ومع القوى الإقليمية والدولية الأخرى.

رابعًا: فقدت شعوب المنطقة ثقتها في أي نظام اقليمي تقوده الولايات المتحدة. كما تعيش الإدارة الأميركية بقيادة ترمب أسوأ أيامها؛ فشعبيتها في الداخل الأميركي وصلت إلى الحضيض، وسياساتها تنتهك بشكل دائم  القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولا مصداقية لمشاريعها، وآخرها «اتفاق السلام» الخاص بغزة الذي يواصل الكيان الصهيوني خرق جميع بنوده برضا ومباركة الولايات المتحدة، وكما قال الكاتب الأميركي ديفيد بروكس في مقاله «أميركا على طريق التدمير الذاتي» إن «ترمب يكذب باستمرار وبدون تأنيب ضمير، ولهذا فإنه من السهل جدًا رؤية هذا البلد على مسار كابوسي ومظلم». ويسخر الأميركان من ترمب بقولهم: حتى الساعة العاطلة تعطيك الوقت الصحيح مرتين في اليوم، أما ترمب فإنه يكذب باستمرار. وليس مستبعدًا ان يخسر ترمب الانتخابات التشريعية النصفية في تشرين الأول القادم، وتبدأ عندها إجراءات عزله التي وعد الديمقراطيون بتفعيلها حال حصولهم على الأغلبية في المجلسين التشريعيين أو في أحدهما.

المشروع الصهيوني للشرق الأوسط يعني أولًا إنهاء القضية الفلسطينية، ثم الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على الإقليم ودرّته الاقتصادية دول مجلس التعاون الخليجي، وصولًا إلى جعل حدود الكيان من النيل إلى الفرات.

خطوات نحو بناء وحدة إقليمية وانهاء النفوذ الأجنبي في المنطقة

  1. بناء تحالف عسكري وسياسي إقليمي عربي-إسلامي فعال وموحّد وغير منحاز، ويكون قادرًا على ردع أي عدوان خارجي. ولا تُستثنى منه إيران بشرط تعهّدها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الإقليم، واحترام سيادتها ووحدة أراضيها وحقها في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وفي التصرف في مواردها الطبيعية، وأن تتخلى إيران عن «تصدير الثورة»، وأن تجعل تشريعاتها وممارساتها متّسقة مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
  2. إبقاء جذوة القضية الفلسطينية مشتعلة، وتحشيد المجتمع الدولي ومؤسساته لدعم حل الدولتين بوصفه خطوة أولى نحو فلسطين ديمقراطية موحّدة، وهذا الموقف هو أحد أفضل السبل لإجهاض الحلم الصهيوني.
  3. اعتماد الصراحة مع الولايات المتحدة، وأن يُوضح الحكام العرب لها حجم الضرر الذي سيصيب المصالح الأميركية في الوطن العربي إذا واصلت تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، ونصحها بأنها إذا أرادت الحفاظ على شركائها العرب فعليها أن تسعى سريعًا للعمل نحو حل عادل للقضية الفلسطينية، وإلا فإنها تخاطر بالعزلة في الوطن العربي.

والله المستعان

                                    

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram