

ومقالي المقتضب اليوم لا يتحدث عن أهمية هذه القضية في وطننا العربي، فقد كتب متخصصون في هذا الأمر العديد من الكتب وأقيمت العديد من الندوات والمؤتمرات والملتقيات، لكنه يتضمن ملاحظة أثارها رحيل صديقنا العالم العراقي المبدع المهندس حسام محمد أمين في الثامن من تموز/ يوليو 2021، وهو العالم المرموق الذي تولى رئاسة العديد من الفرق والمشاريع الوطنية العلمية العراقية، قبل غزو العراق، وفي مقدمتها إدارته لأول مشروع عربي حقيقي لسبر الفضاء، وهو مشروع صاروخ العابد الناقل للأقمار الصناعية الذي صُمّم ونُفّذ بأيدٍ وطنية خالصة عام 1989، ونجح في مرحلته الأولى حينذاك، وترؤسه مشروع تطوير صواريخ سكود الروسية الذي أثمر عن انتاج صواريخ الحسين والعباس العراقية، فضلاً عن توليه إدارة مشروع صنع دبابة أسد بابل التي أنتجتها هيئة التصنيع العسكري في العراق عن نموذج الدبابة الروسية T72 المتطورة المعروفة، كما تولى قيادة مهام وطنية علمية أخرى ونجح فيها جميعا.
الأنظمة العربية تفضّل دفع المال لشراء أو استئجار (خبرات) أجنبية بعيون زرقاء وشعر أشقر وتدفع أموالاً طائلة لتلك (الخبرات) وكثير منها وهمي أو مبالغ بقيمته كثيراً جداً ولا ترغب بامتلاك ناصية العلم وتوطين التكنولوجيا وبناء قاعدة متقدمة في بلدانها.
لو كانت الأنظمة العربية تهدف إلى نقل التكنولوجيا وتوطينها وامتلاك زمامها، فعلاً وليس مجرد شراء منتجاتها النهائية الجاهزة كمستخدمٍ نهائي (end user) خاضع لشروط المنتج الرئيس وقراره في كيفية الاستخدام وتوقيته، لاستفادت من خبرات المهندس حسام محمد أمين، يرحمه الله تعالى، الذي له نصيب في كل صاروخ عراقي سقط على رأس العدوين الصهيوني والفارسي، ومن خبرات العلماء أمثاله، وهم كثرٌ بحمد الله تعالى، من الذين يسكنون أقطاراً عربية عديدة لكنهم جميعاً بعيدون عن اهتمام حكوماتها وهم، جميعاً، يعانون صعوبات الحياة بين معطّل قسرياً عن العمل، وليس عاطلاً، يعيش على جهد أبنائه أو يناضل لكسب لقمة عائلته بعيداً عن خبراته وكفاءته وتخصصه، وهم في أعمار متقدمة نسبياً وبأوضاع صحية متعبة، أمدَّ الله في أعمارهم ومنحهم الصحة والعافية، فكلهم لم يجمعوا مالاً وافراً في أيام خدمتهم الوظيفية ولم يكتنزوا مدّخرات ليوم صعب، إذ كانوا في غاية النزاهة والامانة والشرف الوظيفي، والحمد لله.
والحق أن الأنظمة العربية تفضّل دفع المال لشراء أو استئجار (خبرات) أجنبية بعيون زرقاء وشعر أشقر وتدفع أموالاً طائلة لتلك (الخبرات) وكثير منها وهمي أو مبالغ بقيمته كثيراً جداً ولا ترغب بامتلاك ناصية العلم وتوطين التكنولوجيا وبناء قاعدة متقدمة في بلدانها، كما فعل العراق في العهد الوطني الذي نقل التكنولوجيا من الخارج لكنه لم يكتفِ بذلك، كما تكتفي دول عربية عديدة اليوم، بل عمل بجدٍ وتصميم على توطين التكنولوجيا وتطويرها بما يلائم احتياجاته المحلية وبما ينسجم مع مستلزمات الأمن القومي العربي. ووفق مشروع وطني استراتيجي هائل عميق.
وهكذا رأينا تلك الخبرات الوطنية العراقية مستبعدة بل مرفوضة تماماً، وخصوصاً في الأقطار العربية، لأن هذه الكفاءات كانت مرتبطة بمشروعٍ نهضويٍ حقيقيٍ ومتسلّحة بفكرٍ قوميٍ ترفضه الأنظمة العربية الحاكمة بل تخشاه وتحاربه رغم مرور نحو عقدين على زوال الدولة الوطنية العراقية التي كان هؤلاء العلماء يعملون في ظلّها.
في هذا الإطار يجب أن نفهم الاستغناء المطلق عن خبرات العلماء العراقيين، والنوابغ من الكفاءات العلمية وخاصة في مجالات التسليح والبحوث النووية والصاروخية وقطاعات الصناعات الاستراتيجية والصناعة النفطية وما يتعلق بذلك كله من تخصصات فرعية كثيرة.
ولو لم يكن الأمر كذلك لرأينا تلك الحكومات تستثمر خبرات العلماء العراقيين، ولا أريد أن أسمّي الأحياء منهم حفظهم الله، لكنني أشير إلى العالم العراقي حسام محمد أمين الذي رحل عن عالمنا قبل بضعة أيام وكان طيلة السنوات الخمسة عشر الأخيرة يناضل من أجل تأمين حياته الشخصية وعائلته بشرف ونزاهة وعفة يد، بعد أن أطلق الغزاة الأميركان سراحه عام 2006 ومعه قيادات علمية عراقية أخرى، حيث فضح هؤلاء العلماء فرية امتلاك العراق لأسلحة محظورة على النحو الذي كان مجرمو الحرب في واشنطن ولندن يروّجون كمبرر لشن العدوان على هذا البلد.
الخبرات الوطنية العراقية مستبعدة بل مرفوضة تماماً، وخصوصاً في الأقطار العربية، لأن هذه الكفاءات كانت مرتبطة بمشروعٍ نهضويٍ حقيقيٍ ومتسلّحة بفكرٍ قوميٍ ترفضه الأنظمة العربية الحاكمة بل تخشاه وتحاربه حتى الآن.
ولو كانت تلك الحكومات جادة في تحقيق نهضة علمية وطنية وفق مشروع وطني حقيقي، وليس في شراء المنتجات ووضع أسماء تجارية محلية عليها فحسب، لاستفادت من خبرات وكفاءات علماء عراقيين كثيرين يعيشون على أراضيها ولم تتركهم نهب الحاجة، أو الكفاف في أفضل الأحوال، وهم معروفون لدى تلك الحكومات بأسمائهم وتخصّصاتهم العلمية وبما يحملونه من شهادات رصينة وبما قاموا به من منجزات مرموقة وبحوث جادة مبتكرة.
نفهم أن هناك ضرورات مفروضة على كثير من الأنظمة، ونعرف أن هناك خطوطاً حمراء مرسومة حول الاستفادة من خبرات بعض النوابغ من العراقيين، لكن هؤلاء استثناءات بعينها وبأعداد محدودة جداً، ومع ذلك يمكن ترتيب طرقٍ ما لتجاوز ذلك، فما بال تلك الأنظمة، باختلاف توجهاتها، تمتنع عن الاستفادة من خبرات السواد الأعظم من الكفاءات العراقية؟!
والله المستعان.