الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

متى تقرر القيادة الايرانية حيازة سلاح نووي؟

إيران تعتبر امتلاك سلاح نووي ضمانة وجود، وعاملاً مرجحاً في جيو- مذهبياً

فائز السعدون
الأحد 24 يناير, 2021 22:09
هل إيران على حافة امتلاك سلاح نووي فعلا؟ ومتى؟
هل إيران على حافة امتلاك سلاح نووي فعلا؟ ومتى؟
 السلاح النووي لا يشبه في تداعيات حيازته او استخدامه اي سلاح اخر، بفعل حجم الدمار الذي يلحقه بالخصم، اضافة الى آثاره بعيدة المدى وواسعة النطاق؛ آثار قد تطال مستخدمه نفسه اذا ما لجأ اليه في ساحات المواجهة العسكرية المباشرة. وتتراوح قوة هذا النوع من الاسلحة من القنابل الهيدروجينية الى القنبلة التكتيكية التي ترميها المدفعية.

بفعل خواص هذا السلاح فقد ارتبط بمفهوم الردع لدى مالكيه، وباعتباره الملاذ الاخير حين يتعرض كيان الدولة لخطر وجودي.

في دولة مثل ايران، حيث يمتزج في عقيدتها العسكرية كيان الدولة بالنظام السياسي المؤسس على عقيدة دينية- رسالية، فانه يعتبر سلاحاً للدفاع عن هذا المزيج الذي يعتبر قيمة وجود الدولة مستمد من كونها اداة لنشر الرسالة التي يؤمن بها النظام في بيئتها الجيوسياسية؟

ووفقاً لذلك فإن الدولة، بحكم وظيفتها كأداة بيد النظام ورسالته، تجد نفسها في حالة اشتباك دائم، قوامه الخصومة، مع الخارج؛ بدءاً بالمحيط المباشر الذي يمثل الخصم العقائدي، مرتكب (المظلومية التاريخية)، الذي لا مجال للتوافق معه الا من خلال الثأر او الهيمنة، او مع القوى الاقليمية الاخرى او الدولية الكبرى؛ رغم ان التجربتين الوحيدتين اللتين شهدتا اختباراً لهذا النوع من المزج الوجودي بين كيان الدولة والنظام السياسي والتسلح النووي قد شهدت احداهما التضحية بالنظام لصالح الدولة مع الحفاظ على السلاح النووي، فيما شهدت الاخرى التضحية بالبرنامج النووي لصالح المحافظة على الدولة والنظام.

الاولى هي تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي التي تظهر لنا ان احد طرفي معادلة التوازن النووي الدولي قد قام بفك الارتباط بين الدولة والنظام، وفضّل الحفاظ على كيان الدولة وسلاحها النووي والتضحية بالنظام، حين بدأت الدولة وقوتها النووية تنوء بأثقال النظام، بدلاً من خوض مواجهة نووية تنهي الدولة والنظام.

اما التجربة الثانية فهي التجربة الليبية التي انتهت بالتضحية بالبرنامج النووي للحفاظ على الدولة والنظام، ولكن ينبغي ان نأخذ بالاعتبار، عند رسم السيناريو المتوقع لإيران، خصوصية تجربتيها، السياسية والنووية.

 

رغم ان مبدأ ولاية الفقيه ليس موضع توافق عام، إلا أن الخطوط العامة لآيديولوجيا النظام الدينية- الرسالية الهادفة للثأر من (مظلومية تاريخية) مزعومة طبعاً، تتماشى مع معتقدات قطاع كبير من الشعب الايراني.

 

ايران دولة تحكمها عبر تاريخها أوليغارشية دينية، إما بصورة غير مباشرة من خلال مشاركة المؤسسة العسكرية سواء عبر تاريخها القديم قبل الاسلام، أو منذ تأسيس الحكم الصفوي، وإما مباشرة من خلال رجال المؤسسة الدينية كما هو حالها اليوم؛ تتشارك هذه الاوليغارشية في معتقداتها مع غالبية الشعب الايراني، وبالتالي فهي ليست في وضع يشبه وضع الحزب الشيوعي السوڤيتي، كما انها لاتشبه نظام الحاكم الفرد الذي كان يحكم ليبيا.

ورغم ان مبدأ ولاية الفقيه ليس موضع توافق عام، الا ان الخطوط العامة لآيديولوجيا النظام الدينية- الرسالية الهادفة للثأر من (مظلومية تاريخية) مزعومة طبعاً، تتماشى مع معتقدات قطاع كبير من الشعب الايراني، وهي تشكل جزءاً جوهرياً من الادراك الشعبي الديني العام  “Religious common sense“ ، وتقع في قلب مصالح القيادات الاجتماعية الايرانية التقليدية المتمثّلة بتحالف البازار من جهة، وآيات الله ومراجع التقليد من خارج مؤسسة الحكم الدينية من جهة اخرى.

 

المواقع النووية الإيرانية تنتشر في مساحة جغرافية واسعة

 

قوة ايران العسكرية، التقليدية او النووية، وفقاً للقناعة السائدة، هي قوة للمذهب الشيعي في قلب العالم الاسلامي، حيث لا يمثل اتباع العقيدة الشيعية (الاثني عشرية وبقية تفرعات المذهب الشيعي) في ايران وبقية العالم اكثر من 8- 12 % من اجمالي عدد المسلمين (وفق احصاء مركز Pew الأميركي)، والى شرق ايران تقع واحدة من اكبر الدول الاسلامية "السنية" المسلحة نووياً، ونعني بها باكستان بعلاقاتها المعروفة مع السعودية مركز التيار الاسلامي العام، لذا يكتسب امتلاك السلاح النووي اهمية معنوية واعتبارية تتعلق بالهيبة واضافة جوهرية للقوة الناعمة للدولة، اكثر من كونه اضافة نوعية للقوة الصلبة التي يضيفها السلاح ذاته بحكم طبيعته الردعية وقيود استخداماته، اي انه سيكون العامل الحاسم الذي يدخل تغييراً على الواقع الجيومذهبي في قلب العالم الاسلامي ويضيف تغييراً جوهرياً في نوعية القوة الدبلوماسية لإيران.

وفق هذه المعطيات يعتبر امتلاك سلاح نووي في ايران، رسمياً وشعبياً، على انه ضمانة وجود، وعاملاً مرجحاً في صياغة التوازن الجيو- مذهبي في الاقليم، وفي العالم الاسلامي.

في ذات الوقت، فإن موقف ايران داخل العالم الاسلامي ومنافستها على موقع قوة مؤثرة في إطاره، ان لم يكن موقع القيادة، يملي عليها أن تلتزم من جهة بأم القضايا في هذا العالم وهي القضية الفلسطينية، وخاصة بعد ظهور موجة التطبيع مع الكيان الصهيوني في العالم العربي، اضافة الى مساهمتها في صياغة محور استقطاب شيعي- اسلامي على المستوى الدولي والذي يجسده شعار "لاغربية ولاشرقية، جمهورية اسلامية" ، وان تسعى من جهة ثانية لتعزيز مركزها الجيوستراتيجي داخل الاقليم المحيط بها مباشرة بما يؤمن لها منفذاً برياً حتى سواحل المتوسط استجابة لنزعتها التاريخية المتأصلة للتوسع باتجاه الغرب للهيمنة وبسط النفوذ على منطقة المشرق العربي.

وفقاً لذلك فان امتلاك سلاح نووي يعتبر من وجوه عديدة قضية وجود بالنسبة لإيران وبعكسه لن تزيد عن كونها رقماً في عدد الدول الاسلامية، ولذلك اكتسبت القضية النووية الايرانية بعداً قومياً، ويرصد الباحثون في الشأن الايراني ظهور وتبلور مايمكن تسميته "القومية النووية" في ايران.

مع هذه المعطيات فإنه يتعين الأخذ ايضاً بالاعتبار نوعية القيادة الايرانية الحالية وميلها بشكل واضح الى التسويات السياسية مادامت تؤمّن لها اقتراباً ولو نسبياً او غير مباشر باتجاه الهدف، وهي لعبة يجيدها قادة ايران مع خلفية تمتد عدة قرون من الخبرة في هذا المجال.

فأين تقف ايران اليوم وماهي احتمالات امتلاك السلاح النووي؟!

وفقاً لأفضل التقديرات، وما يترتب عن المعطيات التي قدمناها في مقالات سابقة عن القدرات النووية الايرانية من الناحية الفنية، فان القرار الايراني الاستراتيجي بامتلاك السلاح النووي قد تم اتخاذه منذ زمن طويل يمتد الى عهد الشاه، ثم تم تأجيل السعي نحوه بسبب تعقيدات العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، المصدر الاساس لقدرات ايران النووية حتى سقوط الشاه، ثم تمت اعادة تقدير الموقف اثناء الحرب التي شنتها ايران على العراق في الثمانينات وقررت القيادة الايرانية إعادة الحياة لبرنامجها النووي، ساعدتها في ذلك الظروف التي أفرزتها عملية تفكك الاتحاد السوفيتي وضعف الهيمنة المركزية السوفيتية على المواد النووية خلال سنوات التفكك التي استغرقت الفترة بيناعلان استقلال بعض الجمهوريات الاسلامية وامتدت طوال عهد يالتسين.

من المؤكد ان ايران قد تمكنت من الحصول على الكثير من المواد والتجهيزات والخبرات النووية في اطار عمليات تجارية وتعاون رسمي اضافة الى ما تم تحت الطاولة، والذي قد يكون الجزء الاهم، وقد يسَّرته ظاهرة تفشي الفساد في سلطات الدول الجديدة، فضلاً عما تم تأمينه من خلال السوق السوداء الدولية.

القرار الاستراتيجي بحيازة سلاح نووي وتحويل ايران الى قوة نووية كبرى تؤكده تركيبة ومخرجات البرنامج النووي الايراني التي تتجاوز، وفقاً لأي قياس علمي ومنطقي، احتياجات برنامج نووي سلمي، ويقدر الخبراء النوويون موقف البرنامج الايراني بأنه برنامج عسكري كامن أو مموه، وتعمل ايران باستمرار على تقليص الفترة الزمنية الواقعة بين لحظة اتخاذ القرار السياسي التكتيكي بحيازة السلاح، وحيازته فعلاً.

وهنا ينبغي لهذه الفترة ان تكون متطابقة مع فترة احتواء واستنزاف زخم اي عمل عسكري هجومي مضاد وفق الاستراتيجية التقليدية التي تعول على الجغرافيا من جهة، وان تكون هذه الفترة، من جهة اخرى، كافية لانتاج اكثر من شحنة نووية قابلة للتفجير لتجنب لحظة الفراغ النووي التي تلي الاستخدام الاول، والتي من شأنها تنبيه العدو إلى قدرة الردع الايرانية إن كان قد وقع في سوء تقدير او جهل نتيجة قصور استخباراتي. وهذا ما يفسر لجوء ايران الى توسيع عمليات تخصيب اليورانيوم واستثمار أي ثغرة، مقصودة او غير مقصودة، في الموقف الخارجي المعارض لامتلاك ايران قدرات نووية عسكرية وزيادة كمية ونوعية عمليات التخصيب، على غرار ما حصل من جانب ادارة ترمپ في المُعلن من النوايا والاهداف، او ما كان قد حصل من تجاهل أميركي للمساعي الايرانية في المجال النووي للفترة بين 1990 لغاية 2005 رغم تنبه اكثر من طرف بما فيهم الطرف الروسي، حسب معلومات مؤكدة، الى مساعي ايران تلك.

 

يمكن القول إن إيران حازت بالفعل على مستلزمات انتاج سلاح نووي، وهي تسعى من خلال تعاملها الفعلي مع الموضوع إلى تعميق الاعتقاد دولياً بقدراتها هذه، في الوقت الذي تعلن فيه عكس ذلك.

 

يمكن وفق ذلك إعادة تصنيف ايران نووياً بوضعها ضمن مجموعة الدول التي يسميها خبراء الانتشار النووي بدول "التمويه او الكمون النووي Nuclear hedging"، والعنصر الاهم في هذا النوع من الخيار النووي الاستراتيجي للدول الواقعة ضمن هذا التصنيف هو "إمكانية الإشهار  Latent"  او "الإشهار الفعلي Virtual" لقدرة الردع النووي في وجه الاطراف التي تمثل تهديداً وجودياً للدولة، اونظامها الذي يفهم الدولة باعتبارها أداة للرسالة التي كرس النظام نفسه والدولة التي يحكمها من اجل تحقيقها، ويوصف هذا الخيار الاستراتيجي بأنه الوجه السلبي للتمويه او الكمون النووي، كما يتيح للدولة ممارسة مايعرف بدبلوماسية "الإرغام Coercive diplomacy"، وهو الوجه الايجابي لهذه الاستراتيجية.

في الخلاصة العامة يمكن القول ان ايران قد حازت بالفعل على مستلزمات انتاج سلاح نووي، وهي تسعى من خلال تعاملها الفعلي مع الموضوع الى تعميق الاعتقاد دولياً بقدراتها هذه، في الوقت الذي تعلن فيه عكس ذلك، وكأنها تمارس ما يشبه استراتيجية الغموض النووي التي تنتهجها (اسرائيل)، فلا احد يستطيع الجزم بشكل قطعي ما اذا كانت ايران او (اسرائيل) تمتلكان او تقفان على حافة القدرة على امتلاك السلاح النووي خلال وقت قصير، وهذا يعزز من مكانتهما الدبلوماسية، ويرغم الاتباع والمناوئين، على حد سواء، للتعامل معهما على هذا الأساس.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram