الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

هل هو حوار استراتيجي فعلا؟

هل تغيير اسم مهمة القوات الأميركية في العراق من قتالية إلى تدريبية واستشارية قضية استراتيجية فعلا؟

مصطفى كامل
الخميس 29 يوليو, 2021 10:13
حفلَ اللقاء مع بايدن بضحكات غبية أطلقها الكاظمي بمناسبة وغالباً بدون مناسبة.
حفلَ اللقاء مع بايدن بضحكات غبية أطلقها الكاظمي بمناسبة وغالباً بدون مناسبة.
 انشغلت وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي في العراق بقضية الحوار الاستراتيجي الذي جرى خلال الأيام القليلة الماضية بين العراق والولايات المتحدة.
وقد ارتأيت التروي قبل الإدلاء برأيي في هذا الشأن لحين صدور بيان مشترك عن زيارة مصطفى الكاظمي إلى واشنطن ولقائه الرئيس جو بايدن حتى تكتمل عندي جوانب الصورة ولا يكون كلامي تحليلاً افتراضياً بل واقعيا.
وبالفعل، فقد أكد بيان أميركي عراقي مشترك تحويل مهمة قوات التحالف في العراق إلى مهمة تدريبية واستشارية، بنهاية العام الحالي وأنه لن تكون هناك قوات قتالية بعد هذا الموعد.
وصدر البيان عن وزارتي الخارجية الأميركية والعراقية، إثر الاجتماع الرابع والأخير للحوار الاستراتيجي الذي بدأ في 11 حزيران/ يونيو العام الماضي، كجزء من اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين الطرفين عام 2008 والتي تمثل إطاراً للعلاقة بين واشنطن وبغداد، كما يزعم الطرفان.
وجدد الوفدان التأكيد على "المبادئ المتفق عليها في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وهي الأمن الإقليمي والصحة العامة والتغير المناخي واستخدام الطاقة بفعالية والاستقلال في الطاقة والمساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان والتعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي والتعليمي، من بين مواضيع أخرى".
في المقابل "أكدت حكومة العراق التزامها بحماية أفراد التحالف الدولي الذين يقدمون المشورة والتدريب للقوات الأمنية العراقية، وإعادة تأكيد موقفها بأن جميع قوات التحالف الدولي المتواجدة في العراق أتت بناءً على دعوتها".
كما أكد الوفدان، بحسب البيان أن "القواعد التي تستضيف أفراد الولايات المتحدة وأفراد التحالف الدولي الآخرين هي  قواعد عراقية تدار وفق القوانين العراقية النافذة وليست قواعد أميركية أو قواعد للتحالف الدولي وأن وجود الأفراد الدوليين في العراق هو فقط لدعم حكومة العراق في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي".
وأكد الوفدان "التزامهما بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية بما في ذلك حرية الصحافة وذلك من خلال الالتزام الكامل بالإجراءات القانونية والضمانات الدستورية العراقية التي تحترم الأعراف والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان".
وأشار الجانبان إلى أن الانتخابات الحرة والنزيهة المقرر إقامتها في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، "ستدعم سيادة العراق وديمقراطيته وتنميته".
هذه أهم الفقرات التي جاءت في البيان المشترك الصادر في أعقاب لقاء بايدن بالكاظمي في البيت الأبيض.
وقد شاهدنا جميعاً صور اللقاء الذي كان حافلاً بالضحكات الغبية التي أطلقها الكاظمي بمناسبة أو غالباً بدون مناسبة، ورأينا الاستخفاف الكبير من بايدن بالكاظمي حينما وضع يده على كتفه، وهذه حركات منافية لكل الأعراف البروتوكولية، ويبدو أن الكاظمي متعود دائماً، بحسب الفنان عادل إمام، على موضوع وضع اليد على أكتافه من قبل أصدقائه فبايدن ليس أول من فعلها، بل أن أبو فدك، زعيم الحشد الشعبي فعلها هو الآخر، وبالتأكيد هناك آخرون أيضاً.
عموماً هذا ليس هو الأهم في مقالنا اليوم، بل الأهم هو مناقشة الفقرات التي تضمنها البيان وهل هي استراتيجية فعلا؟
كان الفعل الاستراتجي الذي ينتظره العراقيون هو الغائب الوحيد في هذا الاتفاق الاستراتيجي الذي حفل بكل الهراء الذي لا قيمة له والذي لن يجد العراقيون أي انعكاس إيجابي له في واقعهم.
والحقيقة أنه منذ صدور البيان المشترك وأنا أسأل نفسي بقدر كبيرٍ جداً من الدهشة: أين الاستراتيجي في كل هذه الفقرات؟!
هل أن تغيير اسم مهمة القوات الأميركية في العراق من قتالية إلى تدريبية واستشارية قضية استراتيجية فعلا أم هي على طريقة المثل العراقي عن الأعور وكريم العين أو الفرق بين تسميات من يدير الماخور وكونه سمساراً أم يحمل اسما آخرا؟
القوات الأميركية لن تخرج من العراق بهذه الطريقة فهي ليست ميليشيات مرتزقة ترحّب بها لتطيح لك بحزب البعث وبقيادة الرئيس صدام حسين ثم تطلب منها بعد ذلك المغادرة لتترك لك اللقمة تلتهمها وحدك.
نعم يمكن للولايات المتحدة أن تتفق معك على هدف مشترك، لكن شريطة أن تكون مغانم تحقيقه مشتركة وأن تتحملا معاً أكلاف تحقيقه، فواشنطن لا تريد شريك ربح فقط، بل شريكاً كاملاً يتحمل الخسائر كما يغتنم الأرباح.
ثم أين هو الاستراتيجي في الدعم الصحي للعراق؟ هل ستقوم الولايات المتحدة بإنشاء نظام صحي جديد ومتطور بالكامل على أنقاض المتهالك الموجود حالياً في العراق، وهل يعني هذا أن المواطنين الأميركيين الذين لن تتاح لهم فرصة العلاج في مستشفى مايو كلينك بولاية مينيسوتا الأميركية، ربما بسبب طول مدة الانتظار، سيتعالجون في فروعها التي ستفتح في العراق؟ وهل سيكون العراق مركزاً للسياحة العلاجية لسكان العالم، او الأشقاء العرب في أقل تقدير، بدلاً من الذهاب إلى المشافي الأميركية؟
هل سيحدث هذا أم هي بضعة ملايين من الدولارات سترسل إلى وزارة الصحة التي لا تحتاج مسالخها إلى مبالغ مالية أصلا؟ بل تحتاج إلى أن يرفع الفاسدون والمجرمون التابعون لحزب الدعوة الشيطانية والسفاح مقتدى الصدر أيديهم الإجرامية عن القطاع الصحي.
أين هو الاستراتيجي في موضوع دعم العراق لمواجهة التغير المناخي، هل ستقوم الولايات المتحدة بإنشاء شبكة هائلة من المشاريع الإروائية التي ستغطي حاجة المساحات الخضراء الشاسعة التي ستنجزها في العراق وتزودها بأفضل التقنيات العلمية بما يبعد عن العراق شبح التصحّر والجفاف شبه التام الذي يخيّم عليه، ويجعل منه سلة غذاء الوطن العربي وربما غرب آسيا كلها وقد تنافس صادرات الحبوب الأميركية؟
وفي مجال التعليم هل ستدخل جامعات سوق مريدي العراقية، الحكومية منها والأهلية، في منافسة حامية الوطيس مع جامعات كولومبيا وهارفرد وجونز هوبكنز وستكون محجّاً للراغبين في الانخراط في دراسات رصينة وشهادات حقيقية مرموقة بما يدفع تلك الجامعات الأميركية إلى تقليص برامجها الأكاديمية لعدم قدرتها على منافسة الجامعات العراقية؟ وهل ستكون مدارس العراق الطينية ومناهجه التربوية البالية شيئاً من الماضي الذي لا عودة له؟!
وهل ستقوم الولايات المتحدة في إطار اتفاقها الاستراتيجي هذا مع العراق ببناء شبكة طاقة هائلة تعتمد على المصادر البديلة بما يجعل العراق مصدّراً للطاقة النظيفة إلى العالم تنفيذاً لنبوءة العبقري حسين الشهرستاني التي كان ينبغي أن تتحقق قبل ثمانية أعوام لولا فقداننا لهذا النابغة بعد استبعاده من التشكيلات الحكومية، خصوصاً ان العالم بدأ يدخل عصر المصادر البديلة عن الوقود الإحفوري الذي يصرّ العراق على البقاء حبيساً في إطاره؟
وفي مجال حقوق الانسان هل ستكون ممارسات العراق في هذا الخصوص هي المعايير العالمية المعتمدة في هذا الصدد، لنشهد اتفاقية بغداد لحقوق الانسان بديلاً عن اتفاقية جنيف التي لن يكون لها معنى في ظل الاتفاقية الجديدة التي ستكون أشمل وأنضج وحافلة بكل التحديثات اللازمة بما ينسجم مع متطلبات العصر؟
أما بخصوص حرية الصحافة فسيكون العراق بفضل هذا الاتفاق النموذج العالمي في اعتماد معايير الصحافة الرصينة الحرة، وسوف لن يكون هناك مجال للمراكز الحقوقية العراقية والعالمية لتصدر بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع عن انتهاكات حقوق الصحفيين وقتلهم وتغييبهم والتضييق على الحريات العامة والفردية الذي لا يحتاج إلى أمثلة للحديث عنه فهو صارخ أمام الجميع.
استعراض ورقة ملاحظات بايدن دلالة على عدم ثقة الرئيس الأميركي بالكاظمي في نقل هكذا نوع من الرسائل الواضحة والمباشرة والتي لا تحتمل مناورة وألاعيب لتمضية الوقت.
أما في موضوع الانتخابات، فبفضل هذا الاتفاق سيكون العراق نموذج الديمقراطية ليس في الشرق الأوسط كما كان مجرم الحرب جورج بوش الصغير يتحدث تمهيداً لغزو العراق فحسب، بل في العالم كله، ولتختفي إلى الأبد ظاهرة دعم المراجع الطائفيين للقوائم الانتخابية ولا مجال بعد الآن لمحاباة ابن العشيرة وابن القرية وابن المذهب وانتخبوا الفاسدين ما داموا ينادون بـ "علي ولي الله"، ولن يكون هناك طلاق جبري لزوجة من لا ينتخب قائمة  (السيد)، ولن يكون هناك مال سياسي فاسد ولا رشاشات ميليشياوية للسيطرة على مراكز الاقتراع، ولا حرق للصناديق، وسترون ذلك حقيقة ماثلة أمام أعينكم بعد نحو شهرين فقط من الآن.
خلاصة القول
كان الفعل الاستراتجي الذي ينتظره العراقيون هو الغائب الوحيد في هذا الاتفاق الاستراتيجي الذي حفل بكل الهراء الذي لا قيمة له والذي لن يجد العراقيون أي انعكاس إيجابي له في واقعهم، فلا حلَّ للميليشيات ولا مصادرةً لسلاحها ولا تجريمَ للفساد ولا محاكمةً للفاسدين وقتلة الشعب ولا إنهاءً للإفلات من العقاب الذي يعني بقاء المجرمين أحراراً يرتبكون مزيداً من الجرائم بسلاح السلطة ومالها وغطائها وبما يسمح لهم به قضاؤها المجرم وزج الأبرياء في معتقلات التعذيب الرهيب والموت المحقق، ولا إنهاءً لدور الكهنوت الطائفي وعمائم الفساد والارهاب في رسم السياسات العامة في البلاد، ولا حمايةً لحدود العراق البرية والبحرية ولا صوناً لأجوائه، ولا إنهاءً للاحتلال الايراني الذي لا يحتاج إلى دليل لإيضاحه، ولا منعاً لشبكات التجسس العالمية من العمل بحرية في العراق، وهي حرية يكفلها القائمون على شؤون البلاد ومنهم القائمون على شؤون الأجهزة الأمنية والاستخبارية، ولا إعادةً للأموال المنهوبة وهي أكثر من ألف مليار دولار، ولا إنهاءً للارهاب بشكل حقيقي، ولا إحياءً لقطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، ولا تعويضاً للعراقيين ضحايا الإجرام الأميركي، ولا أيَّ شيء يمكن أن ينقذ العراقيين من هذا الفشل الذي يحيط بهم من كل جانب، ولا ضوء في نهاية نفق 19 عاماً من الإجرام والإفساد والارهاب والتخريب المقصود في كل مناحي الحياة في العراق، وأشدد على كونه تخريباً وإفساداً مقصوداً وليس مجرد إخفاق أو فشل جراء خطأ أو تقصير.
إذا كان كل هذا غائباً عن الاتفاق الاستراتيجي فأين هو الاستراتيجي في هذا الاتفاق؟!

عمل مقصود وليست لقطة عفوية.

أما إظهار ورقة ملاحظات بايدن المدوّن عليها هاتان الفقرتان:
1.أميركا مستعدة للرد على الهجمات.
2.على إيران أن تاخذ وقف الهجمات بعين الاعتبار.
فهذه ليست لقطة عفوية بل مقصودة تماماً، فهي خلاصة لقاء رئيس الولايات المتحدة بالطرطور مصطفى الكاظمي، وهي دلالة على عدم ثقة بايدن بالكاظمي في نقل هكذا نوع من الرسائل الواضحة والمباشرة والتي لا تحتمل مناورة وألاعيب لتمضية الوقت.
والله المستعان
web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram