السبت 26 / سبتمبر / 2026

مؤتمر جوار العراق، ماذا؟ ولماذا؟ ومن أمر بعقده؟ 

لماذا يحضر الضيوف مؤتمراً لا يعرفون جدول أعماله؟

مصطفى كامل
الجمعة 27 أغسطس, 2021 14:23
القائمون على المؤتمر يعانون من البلادة والجهل بمتطلبات البروتوكول، فضلاً عن التخبط
القائمون على المؤتمر يعانون من البلادة والجهل بمتطلبات البروتوكول، فضلاً عن التخبط
 بعد 24 ساعة سيعقد مؤتمر جوار العراق أو مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، وهو المؤتمر الأول من نوعه في العراق وفي العالم، حيث لا مثيل له على الإطلاق.

عندما نقول إنه لا مثيل لهذا المؤتمر لا في العراق ولا في العالم فلأنه يحتوي على العديد من الثغرات الهائلة التي تسقطه بالضربة القاضية ليسقط ميتاً حتى قبل أن يولد..

ولكي لا أطيل على القارئ الكريم سأركز حديثي على شكل نقاط محددة تسهل متابعتها والتدقيق بشأنها وربما انتقادها أيضاً لمن يرغب ويرى خلافها، فباب التعليقات مفتوح لما يغني الأفكار الواردة في المقال.

أولا: بعد 24 ساعة سيعقد هذا المؤتمر ولا نعرف حتى الان مدة انعقاده ولا عدد جلساته ولا من سيحضره لا على مستوى الدول التي استجابت للدعوة ولا على مستوى تمثيل تلك الدول.

ثانيا: من الواضح أن الداعي لمؤتمر بغداد هذا والقائمين عليه على درجة عالية جداً من البلادة والجهل بالترتيبات البروتوكولية ومقتضيات إقامة مؤتمرات على هذا المستوى، بل حتى على مستويات أقل منه، والحديث هنا عن مؤتمر قمة، والحقيقة أنه لا يوجد مؤتمر قمة بل وحتى على المستوى الوزاري لم يحدد جدول أعماله سلفاً، فيما يصرّح المتحدث باسم المؤتمر، نزار الخيرالله، الوكيل الأقدم لوزارة خارجية نظام المنطقة الخضراء أن القادة الحاضرين هم من سيحددون اتجاهات هذا المؤتمر، وهذا أمر غير وارد كما قلنا إطلاقاً!

حتى على المستوى الشخصي، إذا رغب أحدنا بدعوة مجموعة من الأصدقاء لمناقشة قضية ما فيجب أن يعلمهم بالقضية التي ستكون محور النقاش لكي يحضروا ولا يفاجأوا بما يريد طرحه عليهم، إلا إذا كان يتعمد إحراجهم بما سيطرحه.

فكيف يحضر (قادة) إلى مؤتمر وهم لا يعرفون ماذا سيدور فيه؟ وهذا سؤال مهم جداً سنجيب عليه في نهاية المقال.

هناك قدر كبير من التخبط الإعلامي والسياسي بقدر تعلق الأمر بالمؤتمر، فبينما تناقش قناة "العراقية" وهي الناطقة بلسان نظام المنطقة الخضراء مدى إمكانية نجاح المؤتمر في مصالحة الأضداد، كما تقول في أحد برامجها، يؤكد المتحدث باسم المؤتمر إنه لن يجري بحث القضايا الخلافية خلاله!

ثالثا: هناك قدر كبير من التخبط الإعلامي والسياسي بقدر تعلق الأمر بالمؤتمر، فبينما تناقش قناة "العراقية" وهي الناطقة بلسان نظام المنطقة الخضراء مدى إمكانية نجاح المؤتمر في مصالحة الأضداد، كما تقول في أحد برامجها، يؤكد المتحدث باسم المؤتمر إنه لن يجري بحث القضايا الخلافية خلاله!

رابعاً: كان الحديث أولاً عن مؤتمر لدول جوار العراق، ووزعت الدعوات للدول المعنية على هذا الأساس، بينما يجري الحديث الآن عن مؤتمر آخر تحضره دول عربية وإقليمية وفي العالم لا علاقة بقضية العراق وجواره حصراً؟

خامسا: كان الحديث عن مؤتمر يتعلق بالجوانب السياسية، فإذا بنا نفاجئ بحديث عن مؤتمر يتعلق بالاستثمار والملفات الاقتصادية تحديداً. لا بأس فالاقتصاد يقود السياسة كما يقال، ومع ذلك، فالذي يريد ان يستجلب استثمارات لإحداث تنمية في بلده عليه أن يوفر أمناً واستقراراً وبيئة قانونية جالبة للاستثمارات، والجميع يعرف أن العراق بلد طارد لتلك الاستثمارات، عربية وأجنبية، فكيف يمكن لرأس المال، وهو جبان، كما يعرف الجميع ان يستثمر في بلد يتحكم به ارهابيون جهلة لا يفهمون غير لغة السلاح الميليشياوي أمثال قيس الخزعلي ونوري المالكي ومقتدى الصدر وأكرم الكعبي وأبو فدك المحمداوي وغيرهم، وتسرح فيه عصابات ربع الله وأبو جداحة وثار الله وولد الشايب وغيرها، وتستبيحه إيران من جميع الجوانب وتسيطر على كل مواقع القرار فيه. ورأينا من قبل كيف طردت إيران من خلال ميليشياتها المستثمرين السعوديين وغيرهم.

سادسا: حجم الحماية التي زجّ بها النظام منذ أيام في شوارع بغداد مرعب، وسيعطي انطباعاً واضحاً عن مدى توفر الأمن، أعني انعدامه بالأحرى، في بغداد، التي يمكن أن تحتلها الميليشيات في دقائق، ورأينا في مرات عديدة كيف دخلت تلك العصابات إلى المنطقة الخضراء وكيف سقطت صواريخها على هذه المنطقة الحصينة كما يقولون.

سابعا: هذا المؤتمر لن يسفر عن شيء، لعدة أسباب، منها أن الجميع، الداعون والحاضرون، يعرفون جيداً أن السلطة في العراق لا إرادة لها ولا قرار، وغير قادرة على التقدم بخطوة واحدة فهي سلطة مشلولة عاجزة مفلسة تتسول رواتب موظفيها من دول الجوار. وهي سلطة ماضية نحو نهايتها بحكم اقتراب موعد الانتخابات المزمعة في أقل تقدير، وهي انتخابات سيقاطعها العراقيون كما قاطعوا من قبل انتخابات عام 2018. وبالتالي فهي سلطة منزوعة الشرعية بالكامل.

ثامنا: الجميع يعرف ان العراق بلد خاضع لإيران، بشكل كامل، فهل الحضور العربي والأجنبي سيكون مستعداً لتسليم أموره السياسية والاقتصادية ويرهن علاقاته بيد سلطة بهذا القدر من الهزالة والتبعية والفساد؟

تاسعاً: كيف لدول أن تقيم استثمارات وتعقد اتفاقيات مع سلطة يرفضها شعبها ويطالب بإسقاطها ويتظاهر منذ سنتين لهذا الغرض، وبالتالي فهي سلطة على كف عفريت يمكن أن تطيح بها تلك المظاهرات الشعبية؟ وبالطبع لا شرعية لها ولا احترام. وفي وقت يعاني فيه العراق من أزمات مالية وصحية وتدهور أمني وسلاح منفلت وفساد رهيب.. الخ.

عاشراً: الذي يريد أن يقيم حواراً سياسياً بين دول المنطقة ويجد حلولاً لمشاكلها عليه أولاً أن يصلح شؤونه الداخلية ويرتب أوراقه المحلية وأن يقيم حواراً حقيقياً مع الشعب الذي يتحكّم برقابه وبمقدراته، لا أن يترك ملايين المواطنين بين نازحٍ ومهجّر ومجتثٍ ومقصيٍ وممنوع من العمل السياسي ومعتقل ومغيّب قسرياً، وغير ذلك من الإجراءات القمعية والإقصائية والتمييزية التي يمارسها النظام بالفعل ضد الملايين من العراقيين.

كل من يتوقع أن يطرح موضوع مواجهة إيران والحد من نفوذها الهائل في العراق واهم، هذا المؤتمر لا علاقة له بهذه القضية، ولا يهدف إلى ذلك أصلاً، فهل يعقل أحد أن تعقد سلطات المنطقة الخضراء مؤتمراً في بغداد لهذا الغرض؟!

حادي عشر: كل من يتوقع أن يطرح موضوع مواجهة إيران والحد من نفوذها الهائل في العراق واهم، هذا المؤتمر لا علاقة له بهذه القضية، ولا يهدف إلى ذلك أصلاً، فهل يعقل أحد أن تعقد سلطات المنطقة الخضراء مؤتمراً في بغداد لهذا الغرض؟!

ثاني عشر: هذا مؤتمر للدعاية السياسية وجزء من حملة علاقات عامة يراد منها إظهار سلطة الكاظمي وكأنها قادرة على المبادرة والحركة والفعل والتأثير عربياً وإقليمياً ودولياً، وعلى عقد اتفاقيات تعاون بين الدول التي ستحضر، ولا شيء غير ذلك.

ثالث عشر: هذا المؤتمر محاولة من سلطة الكاظمي للهروب إلى الأمام مع اقتراب الانتخابات، ومحاولة لإظهار أن هذه السلطة قادرة على الفعل لكن هذا غير مقنع لأي طفل عراقي يعرف جيداً أنها سلطة يتزعمها طرطور تافه لا يستطيع أن يتحدث بجملة واحدة بلا أخطاء لغوية وتاريخية، أخطاء في الشكل والمضمون وسذاجة بل بلاهة في الأداء.

رابع عشر: ستفاجأون إذا قلت لكم إن الكاظمي لم يدعو لهذا المؤتمر وأن فكرته ليست من رأسه ولا من قدح أفكار مستشاريه العباقرة، هذا المؤتمر نتاج إملاءات أميركية على دول المنطقة، عربية وغير عربية، في محاولة لإظهار أن سلطة الكاظمي قادرة على أن تكون عنصراً إيجابياً في المنطقة، وأن وجودها ضروري لإحداث نوع من التوازن فيها. وهو جزء من الحملة التي طالب بها جو بايدن لإعادة زج النظام في المنطقة، كما قال قبل أسابيع في اتصال هاتفي معلن له مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

خامس عشر وأخيراً: كل من سيحضر يعرف جيداً أنه مجبر على الحضور وأن المؤتمر لن يفضي إلى شيء، فهو مؤتمر علاقات عامة، بدليل أن 24 ساعة تفصلنا عن انعقاده وحتى الآن لم يتحدد برنامجه ولا مستوى الحضور فيه ولا عدد الدول المشاركة فيه، ولا أي معلومات عنه.

إنها جلسة لشرب القهوة والشاي المهيّل وضرب القوزي الهرفي العراقي والسمك المسكوف وبعدها ستدور محركات الطائرات الرابضة في مطار بغداد لتنقل الحضور إلى بلدانهم، و "تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي".

وللإجابة على سؤالنا في بداية المقال: كيف يحضر (قادة) إلى مؤتمر وهم لا يعرفون ماذا سيدور فيه؟ نقول إنهم لا يحضرون إلا إذا كانوا على ثقة أن هذا المؤتمر عبثي ولن يناقش أي شيء ذي قيمة وأنهم لن يلتزموا خلاله بأي شيء، لكنهم مجبورون على حضوره.

ختاماً

على الجميع أن يعرف أن من يحضر لهذا المؤتمر سيكون شريكاً في سفك دم العراقيين وفي سرقة أموالهم وفي استمرار تسلط هذه الشرذمة الخسيسة على مقدّراتهم وتثبيتها بالضد من إرادة شعب العراق، وهذه بذور لزراعة ما لا يمكن أن يحقق أمناً ولا استقراراً ولا تعاوناً ولا شراكة في هذه البقعة المتفجرة من العالم.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram