

وهكذا ...
أي حديث عن المستقبل، سيظلُّ ناقصاً وقاصراً وضعيفاً ومطعوناً في مصداقيته، اذا لم يبدأ بقراءة وفهم صحيحين لما حدث.
لا توجد رواية واحدة متفق عليها لثورة يناير، مماثلة للروايات الموحدة المستقرة في الوعي الوطني المصري حول الاحداث الكبرى في تاريخنا، مثل الحملة الفرنسية وعصر محمد على وثورة عرابي وثورة 1919 .. الخ
وهو ما لا ينطبق على ثورة يناير فقط، بل يمتد ليشمل عديد من الاحداث الكبرى التي عاشتها مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدءاً بحرب 1948 وثورة 1952 وهزيمة 1967 وما يسمى بثورة التصحيح 1971، وكواليس حرب 1973 والمفاوضات التي تلتها والنتائج التي ترتبت عليها واتفاقيات كامب ديفيد وخفايا اغتيال السادات، وحقيقة واسرار العلاقات المصرية الأميركية والمصرية الصهيونية، ودور الدولة العميقة في اجهاض مشروع التوريث واسقاط حسنى مبارك وعديد من القضايا الاخرى التي تتعدد حولها المواقف والروايات او لا يزال يحيط اللبس والغموض بالكثير من تفاصيلها.
نعم لا توجد رواية واحدة عن ثورة يناير، ولكن هناك روايات واجابات متعددة مختلفة ومتعارضة؛ فلكل من الفرقاء روايته. وغالبيتها روايات ناقصة وقاصرة أو منحازة ومرسلة ومتهافتة، يمكن دحضها وتفنيدها واثبات نواقصها أو تناقضاتها أو زيفها في أي بحث او دراسة نزيهة وموضوعية.
فكل منها يركز على زواية واحدة او جانب واحد مما حدث، متجاهلا او منكرا لعشرات الجوانب والزوايا والعوامل الاخرى. فالصراع بالنسبة للجميع لم ينته بعد، وبالتالى فهم يتناولون ثورة يناير واحداثها ومآلاتها كل حسب مصالحه واستراتيجيته واهدافه في هذا الصراع، وايضا وهو الاهم وفقا لمركزه الدستوري والقانوني والسياسي والامني الحالي، منتصرا كان او مهزوما، حاكما او محكوما، ظالما او مظلوما، مباحا ومشروعا ام محاصرا او محظورا ..الخ:
واليوم قد يكون منهم من لا يزال يتمسك بالعودة الى ما قبل 3 يوليو 2013، الا انه أغلب الظن ان غالبيتهم اصبحت تأمل في حدوث انفراجة سياسية ما تؤدي الى الافراج عنهم وخروجهم من السجون ورفع الحظر المفروض عليهم، وربما استرداد بعض مكانتهم ومكاسبهم التي حققوها في شهور الثورة القليلة، او على أضعف الايمان العودة الى ذات الهامش الذى سمح لهم به نظام مبارك في سنوات ما قبل الثورة بالذات في سنوات برلمان 2005..
إلا ان ما حدث بعد ذلك اصابهم بصدمة شديدة وحالة من انعدام الوزن حين قام النظام بالغدر بهم وطردهم هم ايضا من (جنة) شرعيته، فحاصرهم وكمم افواههم واغلق البرلمان في وجوههم واعتقل عديد من عناصرهم، بعد ان كانوا شركاء له في يونيو 2013.
ولا يزال منهم من يراهن اليوم على اقناع السلطة الحاكمة بالسماح لهم بالعودة الى ذات الهامش الديمقراطي الذى كان يتمتعون به ايام مبارك، او في شهور العسل القليلة بعد ازاحة الاخوان من الطريق.
الخوف
ولكننا لا يمكن بطبيعة الحال ان نتجاهل أهم الأسباب والعوامل الرئيسية التي تحول دون تقديم اجتهادات جادة وصادقة بخصوص ثورة يناير: وهو عامل الخوف، حيث ان السلطات في مصر تحظر التطرق اليها، او تناول او طرح وترديد اى تحليلات او روايات مخالفة لروايتها الرسمية. بل ان مجرد "الاشادة" بثورة يناير أصبح اليوم من المكروهات التي تكاد أن تصل الى قائمة المحظورات، وهو ما دفع الكثيرين الى تجنب الاقتراب منها او التطرق اليها خوفا من العواقب.
بالاضافة الى ان الاجابات الحقيقية تتطلب اعترافات بالاخطاء والخطايا والاعتذار عنها، وهو ما يحتاج الى مواصفات اخلاقية خاصة، قد لا تكون سائدة أو مستحبة في عالم السياسة الذى تحكمه وتوجهه المصالح والصراعات الدامية على السلطة.
وللاسف فإن أي حديث عن المستقبل، سيظل ناقصاً وقاصراً وضعيفاً ومطعوناً في مصداقيته، اذا لم يبدأ بقراءة وفهم صحيحين لما حدث.
والى ان نتمكن من اختراق هذا الحصار المفروض على ثورة يناير وقضايا اخرى كثيرة والتطرق الى اسئلتها الصعبة واجاباتها الحقيقية، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من اللهاث وراء الاحداث اليومية الجارية بدون بوصلة او استراتيجية او هدف واضح وقابل للتحقيق.