

ولأن الأمر بالغ الأهمية لا يجوز أن يمرَّ عليه أصحاب التخصص في هذه المجالات بلا بحثٍ ونظر بعد عقدين من المعارك الملتهبة في كل الجبهات، فهذه أول الضرورات على طريق معالجة ما تعانيه هذه الساحة من مشاكل وما ينخُرها من أمراض، والمثقلة بتناقضات هائلة وأعباء كبيرة، وتتعرض لهجمات من مصادر مختلفة، إن كانت هناك نوايا حقيقية لعلاج ذلك.
لكنني اليوم سأتناول جانباً واحداً، فقط، مما تعانيه هذه الساحة أراه ضرورياً، ولعله يحرّك بعضاً من المياه الراكدة من حولنا، وهو مع كونه أحد جوانب معضلات العمل الوطني في العراق إلا أن التفكير فيه يفتح باب النظر في مجالات أخرى لا تقلّ عنه أهمية، والأرجح أن من بين تلك المشاكل ما كان في الأصل من أعراض هذا المرض ونتائجه.
لا يفوت الذي يتفحّص أحوال ساحة العمل السياسي الوطني في العراق، بعد احتلاله، الانتباه إلى ظاهرة تسود كثيراً من أجزائها اليوم، وهذه الظاهرة تتمثل في أن أغلب المتصدّين لقيادة مفاصل مهمة فيها، بل رئيسة، عجائزُ تجاوزهم الزمن، لا يفقهون مستجدّات العصر ولا يجيدون التعامل مع المتغيرات، بعيدون عن ميدان الفعل الحقيقي، ولا علاقة لهم بنبض أجيالٍ شابة خرجت عن أطواق تفكيرهم الموغل في القِدم، وبعضه متحجّر، حتى بات المتحف هو المحل الأجدر بطروحات معظمهم، فيما نراهم يكابرون لكي لا يفهموا هذه الحقيقة.
"عجائز العمل الوطني" يحتكرون كل شيء، فهم وحدهم العالمون بالعمل السياسي، وهم وحدهم أصحاب الفكر المبدع في الإعلام، وهم وحدهم الضليعون بالعمل الدبلوماسي، وتفوق خبرتهم في الاقتصاد خبرة آدم سميث، وهم في علم الاجتماع يتفوقون على ابن خلدون، أما في حقول الفيزياء فهم يبزّون نيوتن وأنشتاين وهوكينغ مجتمعين.
هؤلاء العجائز حوّلوا العمل السياسي الوطني ومشاريع التغيير الحقيقية ومساعي النهضة من الكبوات إلى مقاهٍ للسفسطة، وباتت أحزابهم ومنظماتهم وهيئاتهم وجمعياتهم نوادٍ للمتقاعدين يتبادلون فيها الذكريات ويشكون هموم ما يعانونه من أمراضٍ جسدية وأخرى نفسية ولّدتها عقدٌ شخصية، ويتناقلون فيها مشاكل وصعوبات العيش في الغربة التي اضطروا إليها وهم في شتاء العمر، لذا تراهم يُثرثرون أكثر مما يعملون ويستنزفون ما تبقّى من أعمارهم في جدالاتٍ عقيمة وتنظيراتٍ جوفاء وأفكارٍ ساذجة يفغر الحصيف فاهُ لتهافتها، بل إن الرائي العابر، فضلاً عن الخبير المتفحّص، لا يجد لهم في الحقيقة أثراً لعملٍ مهما صغُر حجمه، لأنه، ببساطة، غير موجودٍ أصلا.
و "عجائز العمل الوطني" واهمون وليسوا حالمون، فالفرق هائل بين الأوهام والأحلام، فبينما يسعى المرء جاداً لتحقيق أحلامه ارتقاءً، يقع أصحاب الأوهام في فخاخ ما يتوهمّون فيسقطون في مهاويها ويجرّون معهم نحو الهاوية من يصدّق أوهامهم، وللأسف هناك من يصدّقها فعلا!
وبعض "عجائز العمل الوطني" على قدرٍ من السذاجة والسطحية بما يمنعهم من كتابة سطرْ واحدٍ بلا أخطاء لغوية، نحوية أو إملائية، فضلاً عن ركاكةٍ في التعبير وسماجة في الإسلوب، ولا أدري كيف يمكن لمن يزعم أنه (قائد) التأثير في معيّته وهو عاجزٌ عن الإتيان بجملة مفيدة واحدة بلا أخطاء وبفكرة واضحة بلا ركاكة؟!
و "عجائز العمل الوطني" يحتكرون كل شيء، فهم وحدهم العالمون بالعمل السياسي، وهم وحدهم أصحاب الفكر المبدع في الإعلام، وهم وحدهم الضليعون بالعمل الدبلوماسي، وتفوق خبرتهم في الاقتصاد خبرة آدم سميث، وهم في علم الاجتماع يتفوقون على ابن خلدون، أما في حقول الفيزياء فهم يبزّون نيوتن وأنشتاين وهوكينغ مجتمعين، وهم في الحقيقة طبول جوفاء تكتشف خواءهم من أول حوار، إذ لم يقرأوا كتاباً في الاقتصاد ولا في الاجتماع ولا في التاريخ ولا في علم السياسة ولا في الأدب ولا في الفلسفة، كما أنهم لم يكتبوا منذ سنوات سطراً واحداً إلا اللهم ما يرسلونه من "رسائل الصباح" وتمنياتهم للأصدقاء بـ "جمعة مباركة".
ولأن عبور النهر لا يجوز أن يكون، بحسب أوهامهم، إلا من موانئهم وإلا بقواربهم نجد "عجائز العمل الوطني" يحولون دون كل عملٍ وطني يخرج عن إطارهم أو لا يجدون لأنفسهم فرصة للقفز في مركبه والتحكم بمساراته، لذا نجدهم يتآمرون على كل جهدٍ مخلصٍ يسعى إليه الذين يدفعهم الحرص على مستقبل العراق وتحدو بهم مصلحة الوطن.
ومع أنني أفهم ظروف الناس وأقدّر ما يعانونه إلا أن بعض أولئك يتستّر، وقد جاوز السبعين وربما الثمانين، خلف أسماء مستعارة، محتاطاً خشية قطع راتبه التقاعدي، وآخر يرنو للحصول على ذلك الراتب بعد أن حال الظالمون بينه وبين الحصول على حقوقه الوظيفية، بالقوانين الجائرة المعروفة، وبعضهم يتلطّى خلف الاسم المستعار خوفاً على بعض أبنائه ممن يعيشون داخل العراق، والمفارقة أن أبناء المعني الذين يخشى عليهم يمارسون بالفعل عملاً نضالياً في الميدان غير آبهين بقمع عصابات النظام المجرم ولا صعوبات العمل الوطني في العراق ولا ملتفتين لتخوّف الآباء.
الكثير من "عجائز العمل الوطني" لم يكونوا إلا موظفين إداريين في مواقع وظيفية غير مؤثرة، وقطعاً لم يكونوا قادة لا في العمل السياسي ولا في بناء الدولة العراقية.
والمعنيون بحديثنا، فضلاً عن الذي تقدّم، لا يقبلون نصيحة ناصحٍ ولا رأي خبير، ويتوهّمون أنهم وحدهم العالمون بكل شيء، المسيطرون على كل شيء، وأنهم، وحدهم، بيدهم مفاتيح أبواب فضاءات العمل الوطني ونوافذه، يفتحونها لمن يشاءون ويُحكِمون إيصادها بوجه من لا تناسب أفكارُه جهالاتِهم، فلا فرصة لدماءٍ جديدة ولا حيّز لأفكارٍ جديدة ولا مجال لأساليب عملٍ جديدة!
وحتى إذا جاءت دماء جديدة، وهذا من أندر النوادر، فهي من نضح شرايين أولئك العجائز ومن عظام رقابهم، أي على وفق نظام "التوريث" المقيت الذي يأتي بمن يعيشون في جلابيب آبائهم ولا يغادرون صيغهم المتهالكة وأساليبهم التي عفا عليها الزمن ولا يتخلّون عن أمراضهم وعُقَدِهم، ولا يبتعدون عن أخطائهم، ولا يتجاوزون خلافاتهم، وكيف لهم أن يُغادروا تلك الأخطاء ويبتعدوا عن تلك الأجواء المريضة والخلافات المسمومة وقد عاشوا في بيئتها وتسمّمت كل خلاياهم بالأبخرة المسرطنة التي كانوا يتنفسونها من آبائهم الذين هم بالأساس من "عجائز العمل الوطني"؟!
ومن الفواجع أن المقصودين بحديثنا جرّبوا، فُرادى ومجاميع، كثيراً من صيغ العمل السياسي خلال السنوات الماضية بعد احتلال العراق، وأخفقت كل تجاربهم وانهارت كلُّ مشاريعهم، لأنها، مع بُعد أصحابها عن الزمن الراهن، كانت تجارب فوقية ترسم أطراً وهياكل صارمة لكنها فارغة من المحتوى وتسعى لحشر العمل الوطني بين أضلاعها وحبسه رهينة قضبان هياكلها، وأولاً وقبل كل شيء وفق إرادة "عجائز العمل الوطني" إياهم.
والأدهى أن الأساس في بناء كلّ تلك المشاريع وطرح كلّ تلك الصيغ لم يكن خالصاً لا لوجه الله ولا لمصلحة الوطن، بل كان المقصود، حصراً، إيجاد موضع قدمٍ لـ "عجائز العمل الوطني" حتى لا يخرج أيَّ عملٍ عن قرارهم ولا يتنفّس أيُّ من الوطنيين هواءً نقياً من غير المخرم الذي يتنفس أولئك العجائز منه، ولم يكن مسموحاً لأيِّ صاحب رأي أن يفكّر بمعزلٍ عن تفكيرهم الجامد، وهذه كلها أمور لم تعد ممكنةً في عصر التحوّلات الكبرى والتغيرات الجوهرية المتسارعة الذي نعيش أيامه الآن، وهو عصرٌ هائل السرعة تفوت حتى على كثيرٍ من الشباب فرص اللحاق به.
ومن دواهي ما نرى في الساحة السياسية الوطنية العراقية أن "عجائز العمل الوطني" لم يقفوا، ولو لبرهةٍ قصيرة، أمام إخفاقاتهم ليبحثوا في أسباب ذلك الفشل المتكرر، بل نراهم ما يزالون يُكابِرون بزعم أن النجاح كان حليفَ مساعيهم تلك، فيما العالم كله يشهدُ بفشلها، ومن علامات ذلك الفشل المريع أن تجاربهم تلك كلّها لا تضمّ سوى وجوهاً مكررةً يُسبغون عليها، فيما بينهم، صفاتٍ وألقاباً في مواقع يداورونها فيما بينهم، فهذا زعيم حزب وذاك رئيس مجلس وهذا مسؤول جبهة وذاك قائد فصيل.. الخ، والجميع يعلم أن هذه المسمّيات أطرٌ جوفاء خالية من المضامين تعصف في جنباتها الريح، لكن "عجائز العمل الوطني" لا يسمعون قصف رعودها ولا يرون ما تحمله تلك الريح من سحب، ولا يقدّرون عواقبَ ما تُنذر به من أمطار تولّد سيولاً ستجرفهم وهياكلهم الجوفاء بعيداً عن ساحات العمل الوطني!
الكثير من "عجائز العمل الوطني" لم يقرأوا كتاباً في الاقتصاد ولا في الاجتماع ولا في التاريخ ولا في علم السياسة ولا في الأدب ولا في الفلسفة، كما أنهم لم يكتبوا منذ سنوات سطراً واحداً إلا اللهم ما يرسلونه من "رسائل الصباح" وتمنياتهم للأصدقاء بـ "جمعة مباركة".
والأدهى من كل ذلك أن "عجائز العمل الوطني" على قناعة تامة أن مفاتيح التغيير لا تحملها إلا أيديهم المرتعشة، وهي، في الحقيقة، لا تحمل سوى أقراص أدويةٍ لأمراضِ الشيخوخة التي يُعانون منها وهم يقتربونَ حثيثاً من أجلهم المحتوم، وكلنا لآجالنا المحتومة سائرون.
والكلام لا ينحصر بتيارٍ دونَ آخر ولا جماعةٍ دون غيرها ولا حزبٍ بحدِّ ذاته، لكن الحال ينطبق على بعض الجهات بأكثر مما ينطبق على أخريات، فكل القوى في ساحة العمل الوطني العراقي مثقلةٌ بهذا المرض وتعاني من أعراضه، بدرجات شتى طبعاً، والتفاوت مفهوم الأسباب بالتأكيد.
كنت سأفهم دوافع هؤلاء لو أنها جاءت على قاعدةٍ قال بها الفيلسوف الإغريقي أرسطو طاليس، حينما أعلن قبل أكثر من 24 قرناً، وكان موظفاً عند الامبراطور العجوز فيليب المقدوني يتقاضى منه راتباً نظير تعليم ولده الإسكندر، إذ أعلن أن "الشباب لا يصلحون لممارسة السياسة"، فقد كان "المعلم" يجامل رب عمله ومصدر رزقه، لأنه كان كما أبي الطيب المتنبي ينطلق من قاعدة "ومن وجد الإحسان قيداً تقيّدا"، ومع أن قاعدتي أرسطو طاليس وأبي الطيب أخلاقيتان نبيلتان لكنهما لا تصلحان لبناء المجتمعات ونهضة الدول، وإلا فالشباب، بشرط الوعي والمعرفة، يصلحون لممارسة السياسة، بل هم وحدهم من يصلح لذلك، فالمستقبل لهم والبناء بأيديهم والتضحيات هم من يبذلها، وهل يبني من ناوف الثمانين إلا قبره؟!
وتعالوا نسأل أنفسنا:
من منح "عجائز العمل الوطني" حقوقاً حصرية في العراق وكأنهم تولّوا كل شؤونه في مقاولةٍ حصريةٍ على نظام "تسليم المفتاح"، فلا يحقّ لأحدٍ غيرهم أن يُسهم بوضع لبنة في الجدار إلا بأمرٍ مباشرٍ حصريٍ منهم؟!
وحتى لا يذهب بال بعض القراء بعيداً، أؤكد على أنني هنا لا أنفي أهمية الخبرة وتراكم المعارف، فهذه نحتاجها جميعاً، والحديث في هذا من نافلة القول، لأنها من مستلزمات أيّ عمل، وأنا ممن يؤكدون على احترام الكفاءات والاستفادة من خبرات أهل الخبرة ويؤمنون أن المستقبل ليس إلا غرس الحاضر ونتاج الماضي، فالمقصودون بكلامي من "عجائز العمل الوطني" ليسوا أصحاب التجارب والخبرات، أمدَّ الله في أعمارهم، فهؤلاء ينبغي الاستفادة الدائمة منهم ويمكن لبعضٍ منهم أن يكونوا مستشارين، يؤخذ بصائب آرائهم وبوافر خبراتهم وعميق تجاربهم، لكنهم، مع تقدير مقاماتهم الجليلة، ليسوا صنّاع المستقبل ولا راسمي مساراته، وليسوا قادة مجتمعات شابة في غالبها أو زعماء تنظيمات سياسية تتطلع للمستقبل ولا منظّري تيارات فكرية تحتاج إلى من يفهم أن العالم لم يعد كما كان في أيام شباب (عجائزنا) الذين لا ينفكّون عن الحديث عن أساليب العمل الثور ي في عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين ويريدون إسقاطها على واقعنا في العقد الثالث من الألفية الثالثة.
والحق أن الكثير من "عجائز العمل الوطني" لم يكونوا إلا موظفين إداريين في مواقع وظيفية غير مؤثرة، وقطعاً لم يكونوا قادة لا في العمل السياسي ولا في بناء الدولة العراقية، كما أن خبرات الطبيب والمهندس والخبير الزراعي والمعماري والمصرفي والأكاديمي، وسواهم، لازمة جداً لوضع دراسات وخطط تنفع في المستقبل حين يعود أبناء العراق لبناء وطنهم، لكنها بالتأكيد لا تصلح في مجال قيادة العمل السياسي المناهض للاحتلال الأميركي والإيراني ومشاريعه السياسية وممارسته في ظل ظروف العراق الحالية المتشابكة على نحوٍ بالغ التعقيد.
في نهاية عقد التسعينات من القرن العشرين أقرّ أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي، الرئيس صدام حسين، مبدأ تخصيص حصّة ثابتة للشباب في كل المواقع الحزبية على أن يجري انتخابهم أصولياً ابتداءً من مؤتمرات انتخاب أعضاء قيادة الفرق الحزبية ثم الشعب والفروع صعوداً إلى قيادة القطر.
ولكي لا يكون حديثنا نظرياً منقطعاً عن شواهد التاريخ، سأستعين بتاريخنا العربي الاسلامي لأستلهم منه أربعة مواقف، اثنتان منها في صدر الاسلام وضحاه، واثنتان منها في عصرنا الحديث، وهي تصلح لأن تكون دروساً لنا، جميعاً، في هذا الخصوص.
فبعدما أدرك النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، عبقرية الصحابي أسامة بن زيد، رضي الله عنه، في القيادة والقتال أثناء غزوة حنين كلّفه بقيادة جيش المسلمين لقتال الروم في الشام وهو دون العشرين من عمره، وكان بإمرته في ذلك الجيش كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، فلم يتأفّف منهم أحد ولا تمرّد منهم أحد، على جليل قدر الصحابة الكرام الذين كان أسامة بن زيد يقودهم.
وفي عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان أمّر والي العراق الحجّاج بن يوسف الثقفي الشابَ محمد بن القاسم ليقود جيوش المسلمين لفتح بلاد السند، وفي ذلك الجيش من يفوق أباه سنّا، ثم عيّنه أميراً على ثغور السند والبنجاب وهو لم يتجاوز 17 عاماً.
وفي منتصف القرن العشرين، بل وحتى في مطلعه، كان قادة كل الأحزاب العربية وأبطال كل الثورات وقادة الفكر والسياسة شباباً دون الثلاثين من العمر، وهؤلاء هم من حقق كثيراً من المنجزات الثورية وبنى كثيراً من الأحزاب السياسية وقاد حركة الوعي والفكر والثقافة والأدب في الوطن العربي، والأسماء لا تحصرها قائمة.
وفي نهاية عقد التسعينات من القرن العشرين أقرّ أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي، الرئيس صدام حسين، مبدأ تخصيص حصّة ثابتة للشباب في كل المواقع الحزبية على أن يجري انتخابهم أصولياً ابتداءً من مؤتمرات انتخاب أعضاء قيادات الفرق الحزبية ثم الشعب والفروع صعوداً إلى قيادة القطر، مما سمح لثلاثة من الشباب، دون الأربعين، وبينهم سيدة فاضلة، بعضوية قيادة الحزب في العراق مطلع عام 2000.
لا أنكر على "عجائز العمل الوطني" حقهم في ممارسة العمل السياسي، ولا أدعوهم إلى التخلي بالمطلق عن كل شيء، ولكنني أدعوهم إلى الكفِّ عن السعي للاستيلاء على المستقبل كما استولوا على كل شيء في الماضي.
ويقيناً ليس المقصود بكلامي أن كل من قارب الستين أو تجاوزها ينبغي أن يجلس في بيته ليلاعب أحفاده معتزلاً العمل السياسي، فهذا غير واردٌ في ذهني على الإطلاق، فهناك من وصل هذا السن لكنه ما يزال قادراً على الإبداع والتطوير وتوليد الأفكار الملائمة للعصر، بل ومنسجماً بحيوية مع تلك المتطلبات، وأدعو لهم بأن يمدّ الله في أعمارهم ليكونوا من أعمدة بناء العراق المحرّر.
والإنصاف يُلزِمني بالقول إنني كنت شاهداً على خطوات سياسية كان للشباب فيها حصة، أتاحها لهم الأكبر سناً من ذوي الخبرة وأصحاب الكفاءة، بل كنت جزءاً من بعضها، لأن من أتاحوا تلك الفرص كانوا يفهمون معاني تسلسل الأجيال وتتابعها وأهمية بناء مؤسساتٍ لا تقوم على الأشخاص بل على الكفاءات، ويدركون أن من بين الشباب من يمتلك تلك الكفاءات بجدارة.
إنني بعد كل الذي قلت لا أنكر على "عجائز العمل الوطني" حقهم في ممارسة العمل السياسي، ولا أدعوهم إلى التخلي بالمطلق عن كل شيء، ولكنني أدعوهم إلى الكفِّ عن السعي للاستيلاء على كل شيء في المستقبل كما استولوا على كل شيء في الماضي، وأرجوهم أن يتذكّروا أن السلالم تحمل الناس إلى أعلى وتهبط بهم إلى الأسفل وهي بهذا المعنى ليست طريقاً ذا مسار واحد، كما أدعوهم إلى أن يفسحوا الطريق أمام أجيالٍ تفهم واقع العصر بلا أغطيةٍ ثقيلة، وتجيد النظر إلى المستقبل بلا نظاراتٍ معتمة، فهؤلاء وحدهم ركاب قطار المستقبل الذي يُجاهِد (عجائزنا) المثقلونَ بالأمراض الجسدية والنفسية على تعطيل حركته ويعملون بأذرعٍ خائرةٍ على أن لا يجدَ فيه الشباب مقعداً يُطلّ على فسحة أمل، لكنهم سيفشلون وسيمضي القطار، ونرجو أن يكون "شباب العمل الوطني" ركّابه وقادته.
والله الموفق والمستعان