الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

عن دور مصر الذي لم يعد بعد ثورة يناير

مصر الآن ليست التي عرفها العرب في منتصف القرن العشرين تقود نفسها ومحيطها

صبحي غندور‏
الأحد 31 يناير, 2021 14:38
المسألة الديمقراطية ‏لا تنفصل عن قضيتي التحرّر الوطني والهويّة العربية.
المسألة الديمقراطية ‏لا تنفصل عن قضيتي التحرّر الوطني والهويّة العربية.
 حدثت "ثورة 25 يناير" في مصر بالعام 2011 بفعل حركة شبابية مصرية تضامنت معها ‏قطاعات الشعب المصري كلّه، لكن دون استنادٍ إلى قوة سياسية منظّمة لهذا الحراك الشعبي، ممّا جعل ‏الثورة والثوار دون مرجعية تحصد نتائج الثورة فيما بعد، وممّا أفسح المجال أيضاً لحركة الاخوان ‏المسلمين لاحقاً أن تقتطف ثمار "ثورة يناير" دون أن تكون هي العامل الأهم فيها.‏

ولقد حاول البعض "التنظير" لثورة 25 يناير بأنّها كانت ثورةٌ أيضاً على ثورة 23 يوليو!!، وبأنّها ‏كانت ثورة من أجل الديمقراطية ضدّ استبداد النظام السابق وفساده، وليست ثورةً أيضاً على سياسة التبعيّة ‏والعلاقات مع الكيان الصهيوني، والتي قزّمت دور مصر الطليعي في عموم المنطقة، وأضعفت مصر نفسها بعد أن ‏قيّدتها منذ نهاية حقبة سبعينات القرن الماضي بأغلال المعاهدات.‏

وقد تعدّدت التحليلات بشأن ما حدث في مصر بعد ذلك، واختلف الكثير من المصريين والعرب ‏حول توصيف طبيعة انظمة الحكم فيها بعد " ثورة يناير"، ووصف البعض نظام حكم الرئيس محمد مرسي ‏بأنّه "الجمهورية الثانية"، بعد "جمهورية العسكر" التي بدأت مع "ثورة 23 يوليو" في العام 1952، وهو ‏الوصف الخاطئ والخطير الذي يضع حقبة جمال عبدالناصر (1952-1970) في سلّةٍ واحدة مع حقبتي ‏أنور السادات وحسني مبارك، رغم إدراك هذا البعض بأن الحقبة الناصرية قد تناقضت سياساتها الداخلية ‏والخارجية مع كلّ ما جاء بعدها، وحتّى الآن.

ربما كان يصّح القول بأنّ مصر عاشت في فترة حكم محمد مرسي، حقبة "الجمهورية الثالثة" التي ‏تميزت بهيمنة حركة الاخوان المسلمين على الحكم، وبتعثر كامل في كيفية بناء مصر الداخل اقتصادياً ‏واجتماعياً ودستورياً، وبعدم احداث تغييرات جذرية في السياسة الخارجية التي كان عليها نظام "الجمهورية ‏الثانية"، أي نظام السادات – مبارك، وهو النظام الذي عاد من جديد للحكم في العام 2013 بقيادة الرئيس ‏عبدالفتاح السيسي.‏

وها هي المنطقة العربية الآن تشهد صراعات عربية داخلية لحوالي 10 سنوات، في ظلّ غيابٍ ‏متواصل لدور قيادي مصري، ولمشروعٍ عربيٍّ مشترك، ولإرادة عربية مشتركة، وبخضوع كبير لمحاور ‏إقليمية ودولية لها عملياً الكلمة الفصل في مصير الأزمات العربية المشتعلة كلّها الآن.‏

وما جرى في بعض البلدان العربية من مواجهة للاستبداد الداخلي من خلال الاستعانة بالتدخّل ‏الخارجي أو من خلال العنف المسلح المدعوم خارجياً، جلب ويجلب الويلات على البلدان التي حدث فيها ‏ذلك، حيث تغلب حتماً أولويات مصالح القوى الخارجية على المصلحة الوطنية. وكان هذا التدخّل ‏الخارجي، ودعمه للعنف المسلح، نذير الشرّ بالصراعاتٍ والحروبٍ الأهلية التي حدثت، وبتسهيل الاستيلاءٍ ‏الأجنبيٍّ على الإرادات والثروات الوطنية، وبالعمل لنزع الهويّة الثقافية العربية والحضارية الخاصّة في هذه ‏البلدان. ‏

كذلك كان مهمّاً استيعابُ دروس تجارب شعوب العالم كلّه، بأنّ الفهم الصحيح لمعنى "الحرّية" هو ‏في التلازم المطلوب دائماً بين "حرّية المواطن" و"حرّية الوطن"، وبأنّ إسقاط أيٍّ منهما يُسقط الآخر حتماً.‏

 

التعامل مع المسألة الديمقراطية في الوطن العربي لا ينفصل عن تحدّيات الاحتلال ‏الصهيوني، وعن مشاريع القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وأطماعها الأمنية والسياسية ‏والاقتصادية التي يستلزم تحقيقها إشعال الصراعات داخل وبين بلدان الأمّة العربية.‏

 

نعم هناك حاجة قصوى لإحداث تغيير في واقع عربي قائم معظمه على الاستبداد والفساد والتبعية ‏للخارج، لكن الأسئلة المشروعة عند حدوث أي حراك شعبي من اجل التغيير هي: من يقوم بالتغيير، أي ‏من هي القيادة؟، وكيف، أي ماهو الأسلوب؟، وبدعمٍ ممّن، ولصالح أيِّ برنامج، أي ماهي الأهداف أو ‏الرؤى البديلة للواقع المرفوض؟، وماهيّة آثاره على الوحدات الوطنية الشعبية وعلى هُويّة واستقلال ووحدة ‏الوطن نفسه؟!.‏

ونعم هناك مخاوف حتماً على الحراك الشعبي العربي أينما وُجِد، وذلك من منطلق الحرص عليه، ‏وعلى ضرورة استمراره في الطريق الصحيح، والذي يجب أن تكون خواتيمه هي أوطان واحدة وموحّدة في ‏كياناتها وشعوبها، وحكومات منتخبة وعادلة ونظيفة، ومجتمعات قائمة على التعدّدية الطائفية والإثنية ‏والفكرية والسياسية والإعلامية، يحكمها دستور يساوي بين المواطنين ويضمن الفصل بين السلطات ويؤكّد ‏مفهوم "المواطنة". هذا كلّه في الإطار الداخلي، الذي لا يمكن الاكتفاء به كعنوانٍ للتغيير العربي المنشود. ‏فالديمقراطية لا يمكن فصلها عربياً عن مسألتيْ التحرّر الوطني والهويّة العربية. ولعلّ في التجارب ‏‏"الديمقراطية"، التي حصلت خلال العقد الأول من هذا القرن في لبنان والعراق وفلسطين، ما يؤكّد هذه ‏الخلاصة عن أهمّية التلازم المطلوب بين الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية.  ‏

فالمشكلة الأبرز لدى دعاة (الديمقراطية فقط) في البلدان العربية أنّهم يفصلون المسألة الديمقراطية ‏عن قضيتي التحرّر الوطني والهويّة العربية، وبهذا تصبح الدعوة للديمقراطية (فقط) عذراً من أجل التدخّل ‏الأجنبي واستباحة الدول والهيمنة على مقدّراتها، إن لم نقل أيضاً تفتيت وحدة كيانها ومجتمعها.‏

كذلك الأمر في مسألة الهويّة العربية لهذه الأوطان حيث كان طرح الديمقراطية (وما يزال الآن ‏كذلك) منعزلاً عن الهويّة العربية، بل هو أحياناً في المواجهة معها سعياً لاستبدالها ب"هويّات" طائفية أو ‏إثنية ممّا لا يُضعف الهوية العربية فحسب، بل ويُضعف أيضاً الهويّة الوطنية الواحدة. فصحيحٌ أنّ ‏الديمقراطية هي حاجةٌ ملحّة وضرورية لمعالجة الكثير من الأمراض الكامنة في الجسم العربي، لكنّها (أي ‏الديقراطية) ليست مسألةً منعزلةً عمّا تعيشه أيضاً البلاد العربية من قضايا أخرى، ترتبط بالتحرّر الوطني ‏وبالعدالة الاجتماعية وبالوحدة الوطنية وبالهويّة العربية.‏

التعامل مع المسألة الديمقراطية في المنطقة العربية لا ينفصل أيضاً عن تحدّيات الاحتلال ‏الصهيوني، وعن مشاريع القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وما لها كلّها من أطماع أمنية وسياسية ‏واقتصادية، يستلزم تحقيقها إشعال الصراعات داخل وبين بلدان الأمّة العربية.‏

هناك إذاً مزيجٌ مركّب من الأزمات ممّا يحتاج إلى مزيجٍ أيضاً من الحلول. فبناء آليات ‏ديمقراطية واعتماد صناديق انتخابات لا يحقّقان وحدهما فقط "الشرعية الشعبية" والعدل السياسي ‏والاجتماعي بين الناس، أو يصونان وحدة المجتمعات، أو يمنعان التدخّل الأجنبي، أو يحرّران الأراضي ‏المحتلّة .. وهي كلّها مسائل معنيّةٌ بها "الأمة العربية" التي ما زالت تقوم على أوطانٌ عربية مختلفة ‏ومتصارعة مع نفسها في كثير من الأحيان.

 

الأمَّة العربية تحصد الآن نتائج سياسات حكّامٍ فاسدين في ظل اشتعال دور الطائفيين ‏والمتطرّفين الإرهابيين العاملين على تقطيع أوصال كلّ بلد عربي لصالح مشاريع أجنبية وصهيونية. ‏

 

يعني الاختلال بتوازن مصر وبدورها اختلالاً في توازن الأمّة العربية كلّها، وهذا ما حصل فعلاً ‏بعد وفاة جمال عبدالناصر عام 1970، وبعد معاهدة "كامب ديفيد" في العام 1979.‏

لا تتحدّث الأمّة العربية الآن عن حلم التوحّد والتكامل بين أقطارها، كما كان الأمر في فترة ناصر، ‏بل هي تعيش الآن كابوس خطر الصراعات في الأوطان على أسس إثنية وطائفية ومذهبية.‏

لم يسمح القدر لجمال عبدالناصر أن يعيش طويلاً وأن يحصد ثمرة إعادة بنائه للقوات المسلّحة ‏المصرية وللمجتمع المصري عموماً عقب حرب العام 1967، إضافةً إلى سياسة التضامن العربي التي ‏أرسى عبدالناصر في قمّة الخرطوم عام 1967 قواعدها، حيث دخلت المنطقة العربية كلّها آنذاك في ‏مرحلة جديدة من التضامن العربي الجاد والفعّال لأجل تحرير الأراضي العربية المحتلة، ورفض تحقيق ‏الشروط الصهيونية للسلام مع العرب.‏

وكانت لحظات التحوّل التاريخي في دور مصر بدأت حينما استثمر أنور السادات انتصار حرب ‏‏1973 ليقبل بما لم يقبله ناصر بعد هزيمة 1967، أي الصلح والاعتراف والمفاوضات مع (إسرائيل)، ‏بشكلٍ منفرد ومستقل عن باقي الجبهات العربية وعن جوهر الصراع: القضية الفلسطينية، بل وبالتخلّي عن ‏مسؤولية مصر عن قطاع غزّة. وارتضى السادات أن يكون الانسحاب من سيناء بشروط هو الثمن لتحويل ‏مجرى الدور المصري في المنطقة العربية (والعالم الثالث) من موقع القيادة إلى حال "السلامة عن طريق ‏الانعزال"، وهي الجملة التي كان عبدالناصر يردّد، في معظم خطبه بعد حرب 1967، رفضه لها.‏

وهاهي الأمَّة العربية الآن تعاني من انعدام التضامن العربي ومن الانقسامات والصراعات، ومن ‏هشاشة البناء الداخلي، ممّا سهّل ويسهّل الهيمنة الخارجية على بعض أوطانها، ودفع بالوضع العربي كلّه ‏نحو مزيدٍ من التشرذم والتخلّف والسيطرة الأجنبية، وممّا همّش أيضاً الصراع العربي/ الصهيوني والحقوق ‏المشروعة للشعب الفلسطيني.‏

فليست هي مصر الآن التي عرفها العرب في منتصف القرن العشرين تقود نفسها وجوارها العربي ‏والإفريقي والآسيوي في معارك التحرّر الوطني من قوى الاستعمار والهيمنة الأجنبية.‏

ليست هي مصر الآن التي كان أزهرها الشريف ينشر تعاليم ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف في ‏كلّ أنحاء العالم بعيداً عن التطرّف والتعصّب وجهل الفتاوى.‏

ليست هي مصر الآن التي كانت في مقدّمة دول المنطقة والرائدة لقضاياها القومية والوطنية، ‏والحاضنة لصيغ ومؤسسات العمل العربي المشترك، والفاعلة الأولى في قرارات جامعة الدول العربية.‏

الأمَّة العربية تحصد الآن نتائج سياسات حكّامٍ فاسدين في ظل اشتعال دور الطائفيين والمذهبيين ‏والمتطرّفين الإرهابيين العاملين على تقطيع أوصال كلّ بلد عربي لصالح مشاريع أجنبية وصهيونية. ‏

فلا انفصال أبداً بين ما هو قائم من صراعات أهلية عربية، وما تعيشه الأمَّة العربية من انقسامات ‏طائفية وإثنية، وتفكّك في وحدة الكيانات، وبين ما هو حاصل من تخلٍّ عن مسؤوليات قومية ووطنية تجاه ‏الصراع العربي/ الصهيوني، ومن تسهيل لمزيدٍ من المراهنة على الدور الأجنبي.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram