

لم أجرّب كتابة القصة القصيرة إلا نادراً، حاولت ذلك في بدايات اهتماماتي الصحفية والأدبية، لكن الشؤون السياسية استهوتني، ولها وعنها وفيها صرفت معظم وقتي وجهدي.
اليوم سأكتب قصة قصيرة، فلا بأس أن يجرّب الانسان فناً آخر.
سأحكي لكم في سطور كيف تجري عمليات تهجير العرب السنة في العراق من أراضيهم وأملاكهم المتواصلة منذ احتلال العراق عام 2003، وسأناقش بعدها جوانب تتعلق بهذه القضية.
الخطوات بسيطة جداً، وتتكرر في كل مرة، فقد استخدمت هذه الطريقة عشرات المرات من قبل، وتستخدم الآن، وستواصل الجهات المعنية استخدامها في كل مرة تصدر الأوامر بتهجير أهالي قرية أو حي أو منطقة ما في العراق، فقط لأنهم سنة وليس لسببٍ آخر، فالاستهداف هنا طائفي بحت، ويجري في إطار مخطط التغيير السكاني المعمول به حثيثا.
بدءاً تهاجم العصابات الإرهابية، بأوامر من مراجعها، مناطق ذات غالبية عربية سنية لأي سبب حتى لو كان مفتعلاً، وغالباً كذلك.
بدعوى العمل على وأد الفتنة وتحقيق السلم الأهلي ترسل العصابة في بغداد وفداً رسمياً، غالباً يضم أحد زعماء الميليشيات الارهابية التي تتولى عمليات الهجوم والتهجير، وربما أكثر من واحد!
تأمر القوات الرسمية الأهالي بمغادرة مناطقهم بحجة عدم قدرتها على حمايتهم. تتدخل بعدها قوات عصابة المنطقة الخضراء وتطوّق تلك المناطق، بحجة حمايتها، لكن هذا سبب مزعوم فالحقيقة أن تدخلها لسبب آخر.
بالتزامن مع زيارة الوفد الرسمي تأمر القوات الرسمية الأهالي بمغادرة مناطقهم بحجة عدم قدرتها على حمايتهم.
وبالفعل، تنسحب تلك القوات مُخليةً المكان لعصابات الإرهاب.
على الفور تستولي العصابات على المنطقة وتقتل من بقى فيها، وتمثّل بجثثهم، ثم ترفع الرايات الطائفية وتكتب الشعارات الإرهابية على الجدران، وتمنع الأهالي من العودة.
في هذه الأثناء يحاول ناشطون وصحفيون وكتاب، لا حول لهم ولا قوة، نشر أخبار تلك المنطقة المنكوبة، ناقلين على وسائل التواصل الاجتماعي قصص الجريمة وربما بعض ما يتسرب عنها من صور.
هنا يأتي دور الأفواه العفنة التي تنفي حدوث الجريمة، ثم تبدأ بتبريرها، وتهمة الإرهاب جاهزة، كيف لا ولم تخلَق الجماعات الإرهابية إلا لتبرير جرائم العصابات الطائفية؟!
على الفور يجتمع زعيم العصابة بأفراد عصابته في بغداد، ليصدر بيان باهت بنفي حدوث عمليات تهجير.
ولاكتمال المهزلة تشكّل رئاسة العصابة لجنة وزارية أو خلية أزمة عليا لدفن القضية، وتقوم اللجنة بواجباتها كاملة غير منقوصة.
تخفت أصوات الناشطين والكتاب والصحفيين الذين تحمّسوا للقضية لبضعة أيام، استعداداً للانشغال بمجزرة جديدة، وهكذا..
.. وعاشوا عيشة حزينة.
..
من يذكر لنا كم مرة تكررت أحداث هذه القصة في العراق المحتل؟
وهل يمكن إحصاء تلك الجرائم؟!
..

خطوات التهجير بسيطة للغاية، وتتكرر حرفياً في كل مرة.
واستطراداً، هل سألتم أنفسكم:
لماذا يجري مخطط التغيير السكاني حثيثاً في محافظة ديالى، دون أن ننسى ما يجري في غيرها؟
اقرأوا الجواب في كتب التاريخ حيث المقاتل الجسيمة في جيوش فارس على ثرى هذه الأرض الطاهرة.
ربط ما يجري في محافظة ديالى من مجازر بنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة تسطيح بالغ الإخلال.
وهل سمّيت منطقة جلولاء بهذا الإسم إلا لما شهدته من مصرع نحو 100 ألف من جيش كسرى على يد جيوش الفتح العربي الإسلامي العظيم بقيادة القعقاع بن عمرو التميمي حيث جلّلت جثث القتلى وجه الأرض كله فكان اسمها "جلولاء الوقيعة" بما انتشر على وجهها من قتلاهم
قال القعقاع في معركة جلولاء التي أباد فيها جيوش كسرى فارس:
وَنَحنُ قَتَلنا في جَلَولا أَثابِراً وَمَهرانَ إِذ عَزَّت عَلَيهِ المَذاهِبُ
وَيَومَ جَلَولاءَ الوَقيعَةِ أُفنِيَت بَنو فارِسٍ لَمّا حَوَتها الكَتائِبُ
باعتقادي، إن ربط ما يجري في محافظة ديالى من مجازر بنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر هذا العام وخسارة كتلة الفتح التي تضم عصابات الحشد الشعبي بزعامة هادي العامري تسطيح بالغ الإخلال، فالأمر في حقيقته أكبر من ذلك وأعمق.
ما يجري مرتبط بمخطط التغيير السكاني الذي ينفذه المشروع الفارسي العنصري الإرهابي التوسعي في العراق بدءاً من هذه المحافظة تحديداً.
غير هذا كلام يدور حول القضية ولا ينفذ إلى لبّها، والعرب السنة في العراق ليسوا بحاجة إلى كلام لا يصيب الحقيقة ولا يعبر عنها، فمآسيهم، منذ غزو العراق، لا تختصر بمجزرة هنا أو أخرى هناك، مهما كانت بشعة وكبيرة، إنها مخطط مرسوم متتابع الحلقات وكثير منا يساهم فيه.
بل أن العرب السنة، أنفسهم، ضالعون فيه.
طالما ليس لدى سنة العراق مشروع حقيقي ضمن الإطار الوطني الجامع سيبقون تحت (رحمة) المشاريع الإقليمية والدولية، وكل ما يخطر بالبال من تبعاتها.
نعم ضالعون فيه، لأننا، العرب السنة في العراق، تركنا المقاومة وانخرطنا في مشاريع صحوات بترايوس، أصبحنا الخاصرة الرخوة، وسنبقى كذلك طالما كانت هناك وجوه عفنة تتاجر باسمنا وبمعاناة أهلنا، وما دام هناك الحزب الإسلامي العراقي العميل، وما دام هناك عرب يتفرجّون.
وطالما ليس لدى عرب العراق السنة مشروع حقيقي ضمن الإطار الوطني الجامع سيبقون تحت (رحمة) المشاريع الإقليمية والدولية، وكل ما يخطر بالبال من تبعاتها، وسنذبح كما ذُبِح الثور الأبيض، بسكاكين هادي العامري ومقتدى الصدر وقيس الخزعلي ونوري المالكي وبقية قطيع الضباع الفارسية.