

واليوم، وفي ظل الذكرى الخامسة عشر لاستشهاد الرئيس صدام حسين، يؤسفني الإعلان عن هذه الفكرة المريرة التي تقول إن جميع الذين تولوا الدفاع عن قضيته لم يكونوا على قدر المسؤولية التاريخية التي تصدّوا لها، فهم جميعاً، عراقيين وعرباً، غير مؤهلين للترافع عن قضية بهذا القدر من الأهمية والمسؤولية والاتساع وبهذا الكم الهائل من التشعب والعمق وبما تحويه من تفاصيل ضخمة، وعن صدام حسين بما يمثله من رمزية لدى محبيه ومبغضيه في آن معا، وبالتالي فقد كانوا جميعاً، رجالاً ونساءً، غير مناسبين للمهمة.
وببحث بسيط لا يحتاج إلى كثيرٍ من الجهد يمكن القول إن هؤلاء كانوا يتوزّعون بين كونهم:
وقد يجمع بعضهم كل ذلك أيضا، للأسف.
والذي يتفحّص سير المعنيين المهنية ومواقفهم وأداءهم خلال جلسات المحاكمة، ومسيرتهم المهنية قبل ذلك، يجد أنني لم أتجنَّ في هذا القول على الإطلاق، ولأن القصد من هذا الحديث ليس التشهير بأحد بل تثبيت حقيقة تاريخية، فإنني لن أذكر اسم أيٍّ منهم، ويمكن للقارئ أن يستعيد في ذهنه صوراً لما قيل إنهم محامو الرئيس وكيفية أداء كل منهم.
صحيح إن المعنيين واجهوا ضغوطات كثيرة من أطراف عديدة، وصحيح أن ظروف عملهم لم تكن طبيعية، وصحيح أن طبيعة تحركاتهم لم تكن سلسة، وصحيح أن زملاء لهم لقوا حتوفهم، لكن الصحيح الذي يجب أن نذكره، ولو بأسى ومرارة، هو الحقيقة الشاخصة في عدم أهلية أيٍّ منهم لمسؤولية الترافع عن الرئيس صدام حسين في محكمةٍ مخصّصة بدقة لتجريمه وإصدار الحكم بقتله.
وقد يُثار هنا سؤال عن عدم قيام محامين، من العراق أو من الوطن العربي، ممن يتمتعون بكفاءة أكثر وقدرة أعلى بهذه المهمة، وأترك الجواب على ذلك للتاريخ، لكنني لن أتورّع الآن عن تحميل من كان يمكنه ذلك ولم يفعل مسؤولية خطيئة تاريخية تصل إلى حد الجريمة الكبرى.
واجه المعنيون ضغوطات كثيرة من أطراف عديدة، ولم تكن ظروف عملهم طبيعية، كما لم تكن طبيعة تحركاتهم سلسة، فيما لقي زملاء لهم حتوفهم على يد عصابات الإرهاب الفارسية التي كانت تعيث بالعراق قتلاً وفساداً بغطاء المحتل الأميركي.
ومع أنه لم يكن مطلوباً منهم انتزاع حكم (براءة) بحقّ الرئيس من محكمة جائرة عنصرية وطائفية التوجهات والقرارات والتشكيل، ولم يكن هذا بمقدورهم أصلاً فالنتيجة مقرّرة قبل أن تبدأ جلسات المحكمة، إلا أنه في كل الأحوال، كان يتوجّب على السادة المحامين التركيز على عدم شرعية المحكمة وإجراءاتها وفضح ذلك في قاعة الترافع وعبر وسائل الإعلام التي كان عليهم أن يُجيدوا استخدامها، وأن يُخصصوا من بينهم، أو آخر يعتمدونه من خارجهم، ناطقاً مخولاً يتحدث عن مجريات الجلسات بالتفصيل وبشكل مباشر وسريع ليعرف العالم أولاً بأول مجريات الجلسات وطبيعة ما يدور فيها، دون فسح المجال للعصابات المتحكّمة بالعراق، أميركين أو إيرانيين أو عملاء للطرفين، ومنحهم فرصة الانفراد والتحكم وحدهم بقضية الاعلان عن تفاصيل تلك الجلسات.
لقد كان الحكم في القضية محسوم سلفاً بإغتيال الرئيس ولكن بطريقة مسرحية سخيفة يدركها الجميع، وهذا ما كان يجب أن تقوم عليه استراتيجية هيئة الدفاع التي كان من الواضح لي حينها، ثم اتّضح بشكل أكبر لاحقاً، أن أعضاءها يعملون بقدرٍ قليلٍ، وربما قليل جداً، من التنسيق والتناغم والتفاعل، وهذا من أجسم الأخطاء وأعمقها في قضية تاريخية من هذا النوع.
وكان على هيئة الدفاع أن تفهم أن الأصل في قضية الترافع ليس الدفاع عن رئيس جمهورية العراق الذي يًباشر صلاحياته وفق الدستور والقوانين النافذة، بصرف النظر عن موقف هذا الطرف أو ذاك من تلك الفقرات الدستورية والمواد القانونية، بل أن الأصل هو فضح المحتلين وعملائهم، أما الدخول في تفاصيل جزئية في الدفاع عن هذه الفقرة من لائحة الاتهام أو مناقشة تلك أو تفنيد أخرى فلم يكن مُجدياً، ولا أبالغ إن قلت إنه مضرٌ أحياناً، لأنه استنفد جهد المحامين وأضاع وقتهم وأدخلهم في قنوات ضيقة، وكان كلّ ذلك مصمماً سلفاً وبعناية من جانب من يدير العملية بالكامل.
كان واضحاً أن أعضاء هيئة الدفاع يعملون بقدرٍ قليلٍ، وربما قليل جداً، من التنسيق والتناغم والتفاعل، وهذا من أجسم الأخطاء وأعمقها في هذه القضية التاريخية.
وكان بعض أعضاء هيئة الدفاع لا يجيد نطق جملة واحدة بلغة عربية سليمة خالية من الأخطاء اللغوية والنحوية، وغنيٌ القول إن سلامة اللغة ضروري جداً لبيان الفكرة في هذه المهمة الجسيمة، كما في أي قضية أخرى.
وقد سمحت إدارة المحكمة بتلك المرافعات الهزلية وذلك الدفاع الباهت بقصد إعطاء صورة عن (عدالة) المحتل المزعومة من حيث:
وكلاهما غير متوفر بالتأكيد، كما يعرف الجميع اليوم، بل منذ البداية.
أما الرئيس فقد تولّى مهمة الدفاع عن نفسه سياسياً وتاريخياً، وهذه هي القضية التي كان يجب عليه فعلها، فالمحاكمة كلها كانت محاكمة سياسية لحقبة من تاريخ العراق ولقيادته هو شخصياً ولا مجال للقانون فيها على الإطلاق، ولأنه أدرك ذلك فقد اكتفى بالحديث عن دوره التاريخي وبيان المواقف السياسية التي رافقت مسيرة الدولة والحزب والقوات المسلحة خلال عهده ومنذ تموز/ يوليو 1968، ولم ينشغل بالرد على هذه الجزئية من فقرات لائحة الاتهام أو تلك، ورغم أنه لم تُتَح له الفرصة كاملة في ذلك، وهذا مفهومٌ ومتوقع، إلا أنه أوضح بعض القضايا المهمة، مع أن ما سمح المحتلون بإعلانه من جلسات لم يكن كاملاً بالتأكيد.
كانت المحاكمة كلها محاكمة سياسية لحقبة من تاريخ العراق ولقيادة الرئيس صدام حسين شخصياً ولا مجال للقانون فيها على الإطلاق.
لقد تعرّضت هيئة الدفاع إلى هزّات عديدة قبل انطلاقها وبعد ذلك، وهذا مما أضعفها حتماً، لكن مع التأكيد على أن الأساس في كل ذلك هو عدم ملاءمة أيٍّ من أعضائها لهذه المهمة ابتداء.
الشيء الوحيد الذي قام به هؤلاء المحامون هو أنهم كانوا سعاة بريد بين الرئيس صدام حسين وبعض قيادات حزب البعث العربي الاشتراكي في الخارج. ويؤسفني القول بقدرٍ كافٍ من الثقة إن بعضاً منهم لم يكن أميناً على هذه المهمة التاريخية أيضاً، وبعضهم أعطى لكل طرف ما يشتهي من القول وما يدعم موقفه أو يعزّز من قراراته، وبعضهم استغلّته أطراف عراقية أو عربية للحصول على موقفٍ من هذه القضية أو تلك، وبعضهم تاجروا، بعد ذلك وخلال جلسات المحاكمة، بما حصلوا عليه من فرصة تاريخية، سواءً كانت متاجرة مادية، وهي حاصلة، أو متاجرة معنوية، وقد حصلت أيضا.
أما الذين استشهدوا من المحامين فلا يسعنا الا الترحّم عليهم، فهؤلاء مهروا بالشهادة حياتهم، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ولا يليق بنا إلا احترامهم والدعاء لهم، مع التأكيد على أنهم غير مشمولون بحديثنا، إذ لم يكونوا قد باشروا عملهم بعد حينها واغتيلوا على يد عصابات الإرهاب الفارسية التي كانت تعيث بالعراق قتلاً وفساداً بغطاء المحتل الأميركي الذي أمعن في تخريب البلاد وقتل العباد.
والله المستعان