

ذلك أن بوش ومعه كل الجهات السياسية والاستخبارية في الولايات المتحدة وخارجها كانوا يدركون أن لا صلة للعراق بهذه الجريمة، لاعتبارات عديدة سياسية وأخرى مبدأية، وثالثة استراتيجية ورابعة تكتيكية، من بينها العوامل الآيديولوجية التي تبعده وقيادته كلياً عن تنظيمٍ متطرفٍ مثل القاعدة، ومن بينها أن العراق ليس في منهجه افتعالُ تصادمٍ شرسٍ على هذا النحو الخطير مع واشنطن بعد عقدٍ مريرٍ من الاشتباك الدامي معها وما أحدثه الحصار المفروض عليه من أضرارٍ جديةٍ على كل الصعد، كما أن القيود الهائلة المضروبة من حول العراق تجعل من ترتيب عملية بهذا القدر من الصعوبة وتستلزم تفاصيل كبيرة وكثيرة ومعقدة جداً أمراً مستحيلاً على العراق، فضلاً عن اعتبارات أخرى مثل انكشاف خطوطه المخابراتية واتصالاته وتحركات رجاله حول العالم.
كيف ولماذا حدث ما حدث إذاً؟!
كان بوش ومعه كل الجهات السياسية والاستخبارية في الولايات المتحدة وخارجها يدركون أن لا صلة للعراق بجريمة الحادي عشر من سبتمبر، لاعتبارات عديدة سياسية وأخرى مبدأية، وثالثة استراتيجية ورابعة تكتيكية.
في العام 1994 كنت في مكتبي في القسم السياسي بصحيفة الجمهورية البغدادية أشاهد قناة CNN الإخبارية الأميركية، وكانت تبثّ حواراً مع المخرج السينمائي الشهير مايكل مور، والحديث كان عن السينما، السينما فقط، لكن ما لفتني وعَلَقَ في ذهني من الحوار كله، وهو ليس سياسي بالمرة كما قلنا، قول مور "إننا في هوليوود لدينا سيناريوهات أفلامٍ جاهزة على الرفوف نختار منها بين حينٍ وآخر ما نرغب ونذهب به إلى الاستوديو لتصويره، وكذلك في السياسة لدينا سيناريوهات عديدة للتعامل مع كل حدث ومع كل بلد نطلقها عند الحاجة" ولعل المخرج السينمائي الشهير لو كان استرسل لقال "عند الرغبة أيضا".
وضرب مور على ذلك مثالاً كيفية تعامل واشنطن مع دخول القوات العراقية إلى الكويت، باعتبار أن سيناريو التعامل العسكري ضد العراق كان جاهزاً وكل الذي حدث هو إخراج ذلك السيناريو من الأدراج ووضعه على الطاولة ثم تنفيذه.
كان قرار غزو العراق واحتلاله متخذاً منذ سنوات بعيدة، وقد يقول بعض السياسيين إنه متخذ منذ إعلان قرار تأميم النفط عام 1972، وربما يكون هذا صحيحاً، لكن الأدقَّ، أو الأهم في هذا السياق، هو أن هذا القرار المتخذ سلفاً بوشر بتنفيذه فور انتهاء الحرب الإيرانية العراقية في 8/8/1988.
ولأن الإدارات الأميركية مغرمة بمراكز البحوث والدراسات أو ما يعرف باسم Think tank ومهووسة بما تحاول إشاعته من تقسيمات إثنية وطائفية للمجتمعات والدول، فقد جرى تصنيف العراق ضمن قائمة "الدول السنية" وهذه قائمة تضم تشكيلة واسعة من الدول، وبأنظمة حكم عديدة ممالك وجمهوريات وإمارات وسلطنات.
كانت الدول المدرجة في هذه القائمة تشترك في ميزتين اثنتين:
وإذا كانت مصر خاضت حروباً حقيقية في العقود الأخيرة فإنها أُخرجت من حسابات معادلة الصراع العربي الصهيوني باتفاقية كامب ديفيد وأغرق أهلها في أزمات اقتصادية واجتماعية طاحنة، لذا أمكن ترويضها وبالتالي استبعادها من الحسبان، وكذا كل المدرجين في القائمة، ولا يمنع ذلك من وضع بعضهم تحت النظر لضمان التأكد من (سلامة) موقفه و (دقة) تقييمه ثم ترحيله إلى قائمة الدول "المعتدلة".
وكان العراق البلد الوحيد الذي (يشذُّ) عن باقي المنضوين في هذه القائمة، متمتعاً بجملة من المزايا المتفرّدة في قائمة "الدول السنّية" تلك..
هنا استخلص من تقريرٍ لأجهزة الاستخبارات الأميركية أن اتفاق الجزائر بين العراق وايران عام 1975 سيمكّن العراق من تحرير سبع فرق من الجيش العراقي كانت مجمدة على حدوده مع إيران بسبب الخلاف مع الشاه ومع الأحزاب الكردية لتكون جاهزة للحركة بحرية أكبر في أي صراع جديد تخوضه بغداد مع (إسرائيل).

لاحظ الفقرة 57 من التقرير.
أما رئيس أركان الجيش العراقي، وقت الانتصار على إيران، الفريق أول ركن نزار عبدالكريم الخزرجي، فيقول في مذكراته إن القائد العام للقوات المسلحة العراقية، الرئيس صدام حسين، استدعاه بعد انتهاء الحرب مع إيران وأمره بتهيئة عدد من الفرق العسكرية استعداداً لتحرير فلسطين.
ولاحقاً أكد كتاب "أشرطة تسجيلات صدام" "The Saddam Tapes" الذي نشرته جامعة كامبريدج أن صدام حسين كان صادقاً في عدائه للكيان الصهيوني وفي عمله على تحرير فلسطين، والكتاب متاح ويحتوي على تفريغٍ لأشرطة اجتماعات القيادة العراقية التي استولت عليها القوات الأميركية أثناء احتلالها بغداد وصدرت في كتاب بأكثر من 600 صفحة تضم آلاف الساعات من التسجيلات.
يضاف إلى ذلك أن الانتصار العسكري الهائل الذي حققه العراق على إيران رافقه انتصار عقائدي وآخر سياسي، وهذان يعزّزان الانتصار العسكري بل يفوقانه في الأهمية الاستراتيجية.
فانتصار العراق على إيران كان يعني، من باب آخر، وربماً أولاً، انتصار عقيدة "البعث" القومية التحررية على العقيدة الخمينية الظلامية التوسعية.
وبدافعٍ من هوس مراكز البحوث الغربية بالتصنيفات، فقد جرى تصنيف حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، وليس في سوريا، على أنه "حزب سني"، مع أن هذا غير صحيح بالمطلق، لأن الحزب:
في تلك الأثناء كان مبدأ زبيغنيو بريجنسكي بدعم الحركات ذات الطابع الديني ما يزال فاعلاً ويمثل جزءاً رئيساً من محرّكات الفعل الأميركي في الشرق الأوسط، وهذا يعني أن انتصار، وبالتالي انتشار، فكر "البعث" غير مسموح به.
كما صُوّر ما أنجزه العراق ضد النظام الإيراني على أنه انتصار لصدام حسين (السني)، كما يُراد تصويره غربياً، وهذا غير مسموح به، فالغرب، بكل علمانيته وديمقراطيته، يفضّل التعامل في منطقة الشرق الأوسط مع حكام إما على شاكلة خميني يمكنهم تلقين شعوبهم بطريقة ببغائية، أو على شاكلة معظم الملوك والرؤوساء والأمراء العرب، وكلا الصنفين يمكن السيطرة عليهم بسهولة وإدماجهم في الخطط المرسومة للمنطقة بلا خسائر.
رافق الانتصار العسكري الهائل الذي حققه العراق على إيران في ثمانينات القرن العشرين انتصار عقائدي وآخر سياسي، وهذان يعزّزان الانتصار العسكري بل يفوقانه في الأهمية الاستراتيجية.
هنا أُدخِل العراق في دوّامة جديدة، دوّامة الكويت التي قادته إلى الفخ الأكبر، ولا أنكر أن قيادة العراق تعاملت مع تلك المشكلة على نحوٍ خاطئ وكان عليها، بصرف النظر عن كل الاعتبارات الأخرى، البقاء بعيداً عنها مهما دُفعت إليها بقوة ومهما ألجأها إلى حسمها اضطرار، لكن ذلك حصل مع مزيد الأسف.
في هذه اللحظة الحاسمة تقرّر الاستعجال في خطوات مشروع استكمال الإجهاز على العراق عسكرياً ودمج بعض صفحاته بعد أن كانت بوادر الحصار الاقتصادي عليه، حتى في مجال الغذاء، بوشر بها مطلع العام 1989.
وفي هذا السياق، وحتى قبل أن يصدر مجلس الأمن الدولي قراره بفرض الحصار البحري على العراق في آب/ أغسطس 1990 بدأت سفن حربية، أميركية وبريطانية وأسترالية، باعتراض سفنٍ عراقية أو متجهة من العراق أو إليه، وإيقافها في عرض البحار وإنزال قواتٍ على سطحها وتفتيشها، وكانت هذه أول الأعمال الحربية المباشرة ضد العراق بلا أي غطاء قانوني.
تتحدث الوثائق المفرَج عنها من قبل البيت الأبيض أن اتصالات العاهل السعودي الملك فهد بن عبدالعزيز والرئيس جورج بوش الأب غداة اليوم الأول لدخول القوات العراقية إلى الكويت في الثاني من آب 1990 تضمنت ضرورة القيام بعملٍ عسكريٍ "لا تقوم بعده لصدام حسين قائمة".
قبل ذلك يكشف اتصال بين الملك فهد وأمير قطر، حينها، خليفة بن حمد آل ثاني، جرى قبل قضية الكويت ببضعة أشهر، عن مسعى تآمري للإطاحة بصدام حسين لأنه "يريد أن يورّطنا مع إسرائيل".
وجاء القصف الصاروخي العراقي لتل أبيب ومواقع صهيونية حيوية أخرى بـ 43 صاروخاً ليؤكد أن السماح ببقاء هذا البلد، بنظامه وبالفكر الذي يقوده، مستحيل.
سارت الأيام متثاقلة الخطى طيلة عقد التسعينات الذي جرّد العراق من كل مستلزمات القوة، وسهّل عملية اجتياجه تالياً، حتى استكمل المعنيون مخطط الإجهاز التام على العراق ونفذوه فعلاً، ليخرج هذا البلد بالكامل من دائرة الصراع العربي الصهيوني، وتنفّس أرييل شارون الصعداء، فقد انزاح صدام حسين، الذي لا يمكن التفاهم معه على الإطلاق، من المشهد وبقي من يمكن لشارون أن يتفاهم معهم على كيفية تقاسم البيت المسروق على قاعدة "لنا كل الغرف ويمكنكم الانتفاع بأثاث غرفة استقبال الضيوف واستخدامها عند الحاجة".
قد يقول قائلٌ إن "كل ما ذُكِر مقحمٌ تماماً على عنوان الموضوع، وإن الكاتب اشتطّ به التنظير وقاد خطاه بعيداً عن الهدف". لكن هذا غير صحيح، بل هو في صميم الهدف تماما.
تكشف لنا قرارات المحتل الأميركي أن أول قرارين اتخذا بعد غزو بغداد كانا على التوالي:
وليس صحيحاً الإدّعاء بأن احتلال العراق لا علاقة له بقضية الانتماء المذهبي لرأس الدولة، الرئيس صدام حسين ومن سبقه في قيادة دولة العراق الوطنية الحديثة، فهذا حاكم الاحتلال الأميركي للعراق، بول بريمر، يعلنها بصراحة "عندما أطحنا بصدام حسين أطحنا بألف سنة من التسلّط السني على بلاد ما بين النهرين بدءاً بالخلافة العباسية ثم الأتراك ثم البريطانيين مع الهاشميين ثم المملكة الهاشمية وكان هذا وضعاً غير سليم".
ولكن هذه ليست الحقيقة إطلاقاً، لأن وقائع التاريخ الحقيقية تروي أنه عندما كان العرب السنة يديرون الدولة في العراق، في القرن العشرين وقبله أيضاً، كان العراق دولة مواطنة مدنية بحق، لأن من يديرونها كانوا يقفون على مسافة واحدة من الجميع، وليس لديهم مراجع مذهبية تتحكّم بهم، وكانوا ينتمون للوطن وليس للمذهب، وهو ما لا نراه في النظام الحالي الخاضع لمراجع مذهبية/ سياسية انتماؤها وولاؤها لخارج الحدود بالمطلق بل للعدو التاريخي للوطن العراق وهو إيران بمشروعها الفارسي العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي.
وكان من وجوه التآمر على سنة العراق، العرب تحديداً بعد أن اختار ساسة السنة الأكراد مركب السير في مشروع الاحتلال إلا من رحم الله، كان من وجوه ذلك التآمر اعتبارهم أقلية في العدد، وهو ما حسم أمره في مؤتمر لندن في كانون الأول/ ديسمبر 2002، ثم اختيار نماذج هزيلة لتمثيلهم سياسياً، مثل نصير الجادرجي وعدنان الباججي وصالح المطلك وآخرين على شاكلتهم، كما اعتمد الحزب الإسلامي العراقي، وهو الصورة السياسية لتنظيم الاخوان المسلمين، ممثلاً وحيداً لسنة العراق في العقد الأول من عمر الاحتلال، ليأتي بعد ذلك حشدٌ من دبيبٍ، لا يُرى لهزالته وتفاهته وصَغارِه، ومع ذلك تتهافت دول عظمى وكبرى حول العالم على أن تَختزَل معه وبه صور ملايين من العرب السنة يحوزون على أعلى الكفاءات في شتى التخصصات، مدنية وعسكرية، وهي كفاءات تراكمت خبراتها لعقودٍ في بناء دولة العراق الحديثة والدفاع عنها.
ومنذ بدأت صفحة المقاومة الوطنية العراقية ضد الاحتلال الأميركي شاءت الأقدار أن تنطلق وتتركّز في مناطق معينة من خريطة التوزيع المذهبي في العراق وأن يكون كل من في صفوفها من عرب العراق السنة، وإن وجدت استثناءات فهي نادرة ولا معنى لذكرها، لتعزّز الفكرة الشيطانية القائلة بضرورة اجتثاث العرب السنة في العراق ومنه وتشتيت قوتهم وتدمير مدنهم وضرب كل ملامح القوة لديهم وهي فكرة استعمارية غربية دفعت باتجاهها عنصرية المشروع الفارسي الحاقد على كل ما هو عربي وعلى كل ما يتصل بالإسلام.
وحَفلت استراتيجية بوش الصادرة مطلع العام 2005 بما يكشف عن طبيعة التعامل الأميركي مع هذه الفئة من شعب العراق حصراً، فقد كان من بين ما تضمنته التأكيد على "استمرار التعامل الإيجابي مع شيعة العراق وممثليهم السياسيين والضغط الهائل على العرب السنة في العراق".
جيء بتنظيم داعش للإجهاز على سنة العراق، بما جعل المشهد العراقي اليوم ينحصر بين طرفين لا ثالث لهما: حكومة منتخبة، يصرف العالم النظر عن مدى شرعيتها وعن عدد من انتخبها وعن فسادها وعن جرائمها، وجماعة إرهابية يجري إلباس كل رافضي مشروع الاحتلال لبوسها، وهذه صورة زائفة بالتأكيد.
ثم جيء بتنظيم الدولة الإسلامية، المسمى اختصاراً بتنظيم "داعش"، ليؤدي مهمة الإجهاز على العرب السنة في العراق بالكامل وعلى أكمل وجه.
وعندما أقول "جيء به" فإنني أثير أمام القارئ فكرة تتعلق بحجم الاستخدام الهائل لهذا التنظيم وما قام به من جرائم فعلاً، وهي حاصلة طبعاً، وتلك المفتعلة المضخّمة لأغراضٍ باتت واضحةً للجميع، وهو استخدامٌ مهولٌ إلى الحد الذي جعل المشهد العراقي اليوم ينحصر بين طرفين لا ثالث لهما: طرف حكومة منتخبة، يصرف العالم النظر عن مدى شرعيتها، حيث لا شرعية لها، وعن عدد من انتخبها، وهم قلة قليلة، وعن فسادها، وقد أزكم الأنوف، وعن جرائمها، وقد باتت مرئية حتى من الاعمى، يقابله طرف جماعة إرهابية يجري إلباس كل رافضي مشروع الاحتلال لبوسها، وهذه صورة زائفة بالتأكيد.
ومع أنني لا أؤمن تماماً بأن هذا التنظيم من صنع الدوائر الإيرانية، إذ قد يتطابق برنامج جهة ما مع برنامج جهة أخرى أو قد تتفق سياستهما في ملفٍ بعينه دون غيره، لكن هذا لا يعني أنهما جهة واحدة أو أن إحداهما تحرّك الأخرى بالضرورة، إلا أنني أؤمن أن كل الجماعات الإرهابية، كما التنظيمات السياسية السرية، قابلة للاختراق، بل مخترقة بالفعل، وهذا ينطبق بالضرورة على العلاقة بين تنظيمي "داعش" وإيران الولي الفقيه.
ولا يمكن لمنصفٍ موضوعيٍ أن يُنكر حقيقة أن هذا التنظيم أجهزَ على ما كان قد تبقى لدى عرب العراق السنة من مكامن قوة سياسية وعسكرية واجتماعية، وبالتالي كان جزءاً من التآمر الواسع عليهم.
والحق الذي يجب أن يُقال أن هذا التنظيم كان محل استخدام كثيرين، جماعاتٍ ودولاً ومنهم إيران، وأن أفعاله كانت محلَّ ترحيب من كثيرين،ٍ جماعاتٍ ودولاً ومنهم إيران، وأن ما ارتكبه من كوارث كانت مفيدة لمشاريع كثيرة معادية للعرب السنة في العراق الذي قلنا إنه بلد مختلف عن محيطه بالدرجة الأساس.
وقد أثبتت تجارب ما بعد الاحتلال بكل مرارتها أن العرب السنة في العراق، ولأسباب كثيرة، رجال دولةٍ من طرازٍ خاص، وهم عماد العراق القوي الناهض المتقدم الذي لا يُراد له أن يعود، ولأنهم كذلك فقد تحمّلوا كل ما تعرضوا له طيلة العقدين الأخيرين من كوارث، وهي مستمرة إلى أن يقيّض الله تعالى لهم تلمّس طريق العودة إلى استحقاقهم التاريخي ومكانتهم المناسبة لحجمهم وقوة تأثيرهم في كل المجالات.
كان إبقاء العراق ضعيفاً يسوده كيان هزيل واستمرار إبقاء العرب السنة من أهل العراق مهمّشين مشتتين قراراً مجمعاً عليه عربياً وإقليمياً ودولياً، فليس في المحيط العربي والإقليمي والدولي من يرغب بإعادة العراق قوياً، ودعكم من اللازمة المعتادة في البيانات الرسمية الصادرة عن القمم والمنتديات والاجتماعات العربية والدولية وهي تتحدث عن "ضمان وحدة العراق وسيادته وأمنه واستقراره".
ومن الدلائل على الإجماع العربي والإقليمي والدولي في هذا الخصوص أن كل مشاريع دعم العرب السنة في العراق يجري التعامل معها بإهمالٍ شديدٍ، وأول من يفعل ذلك الدول المدرجة على القائمة السنية.
وإذا كانت قوى المقاومة في العالم قد استفادت من التناقضات الدولية وموازين العلاقات بين دول العالم فحصلت على دعمٍ من هذا الطرف الدولي أو ذاك لتحرير بلدانها المحتلة، حركات التحرر في فيتنام وكوريا والجزائر مثلا، فإن المقاومة الوطنية العراقية بهويتها التي أشَرنا إليها لم تحظَ إلا بالصدود التام، وحتى من يتعاطف معها حول العالم ويلتقي بممثليها سراً يطلب عدم الإعلان عن ذلك، وطبعاً هي لقاءات بلا دعمٍ حقيقي.
وكان إنشاء ما يعرف بـ "الصحوات" في غرب العراق ودعم كل من يتحدث بالإقليم السني والترويج له وفتح أبواب الإعلام الرسمي وشبه الرسمي أمامه، وأنا هنا لا أتحدث عن المسحوقين تحت ضغط الكوارث التي يواجهونها وتدفعهم للبحث عن بادرة أملٍ ولو غير حقيقية، كانت تلك المشاريع جوانب أخرى من المؤامرة على العرب السنة في العراق.
ومع أن هناك من لا يرغب بتفكيك العراق كلياً طبعاً، إلا أن أحداً لا يستطيع أن يُنكر حقيقة أن مشاريع التفكيك والأقلمة، والتقزيم تالياً، كانت مطروحة على الساحة منذ أواسط التسعينات، وعمِلت عليها أكثر من جهة منذ ذلك الحين، مثل مشروع إقليم غرب العراق الذي كانت تعمل عليه دوائر استخبارية أميركية وعربية وخليجية.
كان إبقاء العراق ضعيفاً واستمرار إبقاء العرب السنة من أهل العراق مهمّشين مشتّتين قراراً مُجمعاً عليه عربياً وإقليمياً ودولياً، فليس في المحيط العربي والإقليمي والدولي من يرغب بإعادة العراق قوياً، ودعكم من اللازمة المعتادة في البيانات الرسمية العربية والدولية وهي تتحدث عن "ضمان وحدة العراق وسيادته وأمنه واستقراره".
ويقيناً أن وقوف اللواء (السعودي) المتقاعد أنور عشقي أمام مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في واشنطن يوم 8/6/2015 متحدثاً عن "اقتطاع ثلث العراق للحدِّ من (مطامعه)" يقع في صميم هذه الأفكار والمخططات، وإلا ما هي (مطامع العراق) التي يريد أنور عشقي الحدَّ منها؟! وقد سألته عن ذلك مباشرة، بشكل منفرد وأمام حشدٍ من الناس فتعمّد أن لا يجيب رغم تكرار السؤال!
فالمؤكد أن هناك جهات رسمية أو غير رسمية، عربية وطبعاً غيرها، تسعى لتمزيق العراق عبر مسميات (الإقليم السني) و (الإقليم الشيعي) وتعزيز انفصال شمال العراق ولو من خلال تخليق ما يسمى (كردستان الكبرى) وغير ذلك.
لكن قِصرَ نظر عديدٍ من الساسة، العرب والمسلمين خاصة، يدفعهم إلى الانزلاق في مشاريع تعود عليهم بالضرر، ولو في مراحل تالية، فالعبث بقضية الهويات الفرعية للمجتمعات والعمل على تعزيزها وترسيخها والدفع باتجاهها مثل اللعب بالنار لا يسلم من شررها من يتجرأ عليه، خصوصاً مع ملاحظة أن ليس ثمة مجتمعٍ عربي أو إسلامي، أو غير ذلك، خالص الانتماءات ولا يتوزَّع على عدد من الهويات الفرعية، إثنية كانت أو طائفية حاله في هذا حال العراق الذي لا يعدّ بِدعاً في هذا الخصوص.
والمؤكد أن المظالم الهائلة التي يتعرض لها العرب السنة في العراق تُنذر بما لا تُحمد عقباه على المنطقة كلها، لأنها ستخلق جيلاً مفعماً بالنقمة على كل من تسبّب في مآسيه، وليس ثمة من يقبل بهذا الجيل، وهو بالملايين، إذا كان يحظى بقدرٍ من العقل والحكمة، فهذه قنبلة موقوتة ستنفجر في وجوه الجميع، نعم الجميع.
ولأن قرار تدمير العرب السنة في العراق وتشظيتهم وتشتيت جمعهم وتمزيق وتدمير معالم قوتهم وشقّ صفوفهم إنما هو قرار دولي مجمعٌ عليه عربياً وإقليمياً ودولياً، أو مسكوتٌ عنه في أقل تقدير في إطار إضعاف العراق كما أوضحنا، والعرب السنة هم عماد ذلك العراق المُجمّع على إضعافه، لذا فإن من الحتمي أن الذي سيتضرّر من ذلك كل الأطراف العاملة على هذا القرار، وكذا تلك الراغبة فيه، على حد سواء، ولن تنجو من نيرانه حتى تلك الأطراف الواقفة على جانب الطريق بانتظار انجلاء غبار المعركة بدعوى إيثار السلامة، حيث لا سلامة.
اعتبروا كلامي ما تشاءون.. تنببهاً، تحذيراً، وعيداً.. لا يهم.
الأهم أن هذا سيحدث، لأن تسيّد الرعاع الطائفيين على العراق لن يدوم، حيث سنن الله تفعل فعلها وقصص التاريخ تؤكد ذلك.
واهمٌ جداً جداً من يظنّ أن أحوال العرب السنة بالغة البؤس هذه ستدوم، واهمٌ جداً جداً من يظنّ أن ما يتعرّض له العرب السنة في العراق سيَسحقُهم وسيُنهي وجودهم أو سيحوّلهم إلى كتلة هلامية فاقدة التأثير أو منزوعة الأثر، ففي كل يومٍ تُزرع آلاف الآمال في النفوس، وفي كل يوم تلتهب ملايين الجذوات في القلوب، وإذا غاب منا ساعدٌ تأهب ألفُ ساعدٍ ليحمل الراية، وأستعير من حقائق الفيزياء قانون نيوتن الثالث، حيث "لكلّ فعلٍ ردُّ فعلٍ مساوٍ له في المقدار ومعاكسٌ له في الاتجاه"، والأيام دُول، والقابضُ على الجمر لابدَّ له أن يُلقي جمرته يوماً ما بوجه من أشعلها، ليتخلص من جذوتها أو ليُشعل بها حريقاً في بيت من أوقدها له، أو كلاهما، وكلُّ ما هو آتٍ قريب.
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
والله المستعان