

بدءاً، وقبل كل شيء، فإن إسقاط مقاييس الحاضر ومعاييره على الأحداث التاريخية التي جرت في أزمان سابقة جريمة مزدوجة، جريمة بحق الأحداث ذاتها وجريمة بحق التاريخ كله.
ثانياً، إن كتابة الأحداث التاريخية بأقلام محبيها، وقراءتها بعيونهم، قد تكون أكثر موضوعية، وقد يقول آخرون إنها أكثر إنصافاً، من كتابتها بأقلام كارهيها وقراءتها بعيونهم، ذلك أن الحالة الأولى، المدفوعة بالحب، تُبرِز المحاسن، أو تُبالغ فيها، ولها أن تصل إلى حد اختراع قصصٍ على هامش الحدث التاريخي نفسه أو طمس وقائع حصلت في سياق الحدث الأساس، وهي مع مجانبتها لبعض الحقائق لكنها لن تؤثر في سياق وقوع الحدث بعينه، فما حدث حدث بالفعل، أما الثانية فهي تخترع تاريخاً غير موجود وتتوهم أحداثاً لم تحدث وتلغي من صفحاتها وقائع حدثت وتجعل من التأويلات المغرضة وقائع تاريخية، ويدفعها الكره المدمر، وهذه كوارث تصيب الحقيقة بمقاتل.
إسقاط مقاييس الحاضر ومعاييره على الأحداث التاريخية التي جرت في أزمان سابقة جريمة مزدوجة، جريمة بحق الأحداث ذاتها وجريمة بحق التاريخ كله.
من هنا نطرح سؤالاً كبيراً بحجم التصدي لمهمة من هذا النوع:
كيف يمكن لنا أن نكتب تفاصيل حدث تاريخي مختلفٍ عليه وكيف لنا أن نقرأه ونحن على أعتاب تمام نحو ستة عقود على حدوثه؟
ولأن السؤال كبير لذا لن نزعم اليوم جرأتنا على كتابة تاريخ ما حدث قبل 59 عاماً أو قراءة كل ما جرى حينها، بل سنكتب بعض الهوامش على متن ما حدث..
الهامش الأول
هل كان حزب البعث العربي الاشتراكي عازماً على تسلم حكم العراق عندما قام بثورة الثامن شباط، ويسميها بعضهم انقلاباً، أم كان هناك هدف آخر؟

ثائر يمزق صورة قاسم الذي أطاحت به الثورة.
قد يبدو صادماً القول إن هدف "البعث" حينها لم يكن تسلم السلطة بحد ذاتها، لعدة أسباب:
مالذي كان يرمي إليه "البعث" إذاً؟!
"ثورة رمضان" درس ثوري يفصل بدقة بين "الانقلاب العسكري" الذي يكتفي بتبديل أفراد بأفراد فقط و "الثورة" التي يشترك فيها الجميع ويتولى صفحاتها التنفيذية، بحكم التخصص، قادة عسكريون، وتحقق تغييراً شاملاً وعميقاً في المجتمع والدولة وتسير على وفق استراتيجة واضحة وخطط دقيقة.
باختصار، لم يعد بقاء حكم قاسم مقبولاً من العراقيين الذين ساءهم أن يتحكّم عصابي متقلّب المزاج دموي على نحو بشع بمصير بلدهم والحركة الوطنية فيه، خصوصاً بعد فشل محاولتين أساسيتين ضده، الأولى في التمرد عليه، أعني محاولة عبدالوهاب الشواف، والتي لم يكتفي بقمعها بل استباح المدينة التي حدثت فيها لعدة أيام، والثانية في اغتياله على يد حزب البعث، لذا كان القرار هو التغيير التام بفعل عسكري مباشر يزيح كل النظام وليس رأسه فقط، ويزيل معه أركان قوته ويستبدل ما يعتمد عليه من قوى ناعمة حتى لو كانت غير مرئية لغير القائم بالتغيير.
وكان قدر "البعث" أن يتصدى لهذه المهمة، ليس لأنه الأقدر عليها بل لأنه الأجرأ، ولأن عناصره الأكثر إيماناً بضرورتها، وربما حتميتها.
ومن دلائل هذه الحقيقة:
وهاتان حقيقتان تخالفان ما كان سائداً من تقاليد في الحركات الثورية التي تنجح في الاستيلاء على الحكم في بلدانها حينذاك، حيث تنفرد بالحكم ولا تفسح مكاناً لشريك، كما تدلّان على أن "البعث" منفتح تماماً على اقامة التحالفات مع الشركاء السياسيين، وأنه لم يكن راغباً في السلطة، بحد ذاتها، وإنما حريصاً على التغيير في معناه الشامل، وقد كان ولكن!
الهامش الثاني
في بدايات العام 1960 قرر حزب البعث العربي الاشتراكي تشكيل مكتب لقيادة تنظيماته العسكرية، وضمَّ المكتب الذي تولى مسؤوليته عضو القيادة القطرية المقدم الركن صالح مهدي عماش، كلاً من: النقيب محمد علي سباهي، الذي أبعد سريعاً لأسباب فكرية وتنظيمية، والملازم أول علاء الدين كاظم الجنابي والملازم أول منذر الونداوي والملازم أول سامي سلطان.
سعت قيادة المكتب العسكري في "البعث" إلى ضمِّ ضباط مستقلين ومنتمين لتنظيمات سياسية أخرى إلى "اللجنة الاستشارية" لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في إنضاج فكرة التغيير الشامل وفي تنفيذها لاحقا.
لم تكن قيادة المكتب العسكري تهدف إلى تولي مسؤولية مكتب يتولى قيادة خطوط تنظيمية فحسب، حتى وإن كانت خطوطاً عسكرية، بل إلى تنفيذ عمل جذري لتغيير نظام عبدالكريم قاسم بالكامل وبالمعنى الحرفي لعبارة "تغيير النظام بالكامل"، ولأنه كذلك لم تكن قيادة المكتب مقتنعة بأن يتولى أعضاء المكتب وحدهم قيادة هذه المهمة، إذ كانت ترى فيها مهمة وطنية وليست واجباً حزبياً فحسب، لذا سعت إلى الانفتاح على طيف من الشخصيات الوطنية من خارج التنظيمات الحزبية، للمساهمة في إنضاج فكرة التغيير الشامل ثم في تنفيذ هذه الفكرة، وهو عملٌ موازٍ لمسؤولية المكتب لكنه غير مرئي لكثيرين.
ومن هنا كان سعي قيادة المكتب العسكري إلى ضم العقيد أحمد حسن البكر والمقدم الركن خالد مكي الهاشمي والرائد الركن عبدالستار عبداللطيف والرائد الركن حردان التكريتي أولاً إلى حزب البعث العربي الاشتراكي وتالياً إلى العمل التنظيمي ولكن ليس في المكتب العسكري بل في ما أطلق عليه "اللجنة الاستشارية"، والحق أنها لجنة "التنفيذ الفعلي" للثورة، التي ضمّت أيضاً في وقت لاحق، ربما متأخر، كلاً من المقدم الركن خالد حسن فريد والمقدم الركن صبحي عبدالحميد والمقدم الركن إبراهيم جاسم التكريتي، وهؤلاء الثلاثة ليسوا من أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي.
الهامش الثالث
ولأن العمل المقصود في المحصلة ليس انقلاباً عسكرياً فحسب بل عملاً ثورياً شاملاً لذا كان ضرورياً حضور القيادة المدنية في الحزب للاجتماعات التحضيرية، وجرى ترتيب موضوع صلاحيات اتخاذ القرار في مشاركة عناصر من التنظيمات المدنية في ضوء حضور أمين سر الحزب، علي صالح السعدي، لبعض تلك الاجتماعات.
ولأن التغيير الشامل في تلك المرحلة، والآن أيضاً، يتطلّب قوة فعلية على الأرض لإزاحة القوة القائمة فإن العسكريين الثوريين المبدأيين هم أداة التغيير الأولى على أن تلتحق بهم باقي الدوائر التنظيمية أو الشعبية، وهذا درس ثوري يفصل بشكل دقيق بين "الانقلاب العسكري" الذي يكتفي بتبديل أفراد بأفراد فقط و "الثورة" التي يشترك فيها الجميع ويتولى صفحاتها التنفيذية، بحكم التخصص، قادة عسكريون، وتحقق تغييراً شاملاً وعميقاً في المجتمع والدولة وتسير على وفق استراتيجة واضحة وخطط دقيقة.
ماذا يعني هذا؟
ببساطة يقدم هذا المثال نموذجاً ممتازاً لكيفية صناعة الثورات الشاملة، حتى تلك التي ينفذها عسكريون، ومن هنا فالذي حدث صبيحة يوم الثامن من شباط ليس مغامرة يقودها ضباط انقلابيون، كما يصوّر ذلك متضررون من هذا الحدث التاريخي، بل هو فعل ثوري شامل شاركت به خطوط تنظيمية عديدة، عسكرية ومدنية وأدّى كل خطٍّ منها واجبه الثوري في التنفيذ، بلا تضاربٍ وانما بتكامل.
وهذا درسٌ على الساعين للتغيير في أقطارنا العربية أن يدرسوه جيداً ويستوعبوا تفاصيله.
الهامش الرابع
كلنا قرأنا الحكمة التي تقول "في العجالة الندامة وفي التأني السلامة" وقرأنا في كتب التاريخ أن هناك أحداثاً يتأجل تنفيذها وربما يُلغى تماماً، لأن من كان مقرراً أن يتولى تنفيذها أو قيادتها ألقي القبض عليه أو اغتيل فأحبط ذلك الاعتقال أو الاغتيال تنفيذ المهمة.
وهذه من البديهيات..
لكننا لم نقرأ أن الاستعجال بلا استكمال موجبات التحضير أدى إلى نجاح، ولم نقرأ أن اعتقال قيادة عمل ثوري ما أدى إلى نجاح تلك الثورة!
عند تشكيل تحالفات والعمل مع شركاء لتحقيق أهداف وطنية، من الضروري إدراك أن القيادة برؤوسٍ غير منسجمة، في حقيقة منطلقاتهم وفي غاياتهم، تجربة ستتعرض إلى تحدياتٍ كبيرة لذا لابد من التهيؤ المسبق لذلك والتعامل معه بوعيٍ يحقق التوازن بين سعة الأفق من جهة والحسم من جهة أخرى.
كان مسؤول المكتب العسكري لحزب البعث العربي الاشتراكي، صالح مهدي عماش، يشرف على تهيئة التحضيرات الفنية للعمل الشامل لإزاحة الحكم القاسمي من خلال قيادته للمكتب العسكري في حزب البعث العربي الاشتراكي، كما قلنا، لكنه كان يؤمن بأن نجاح ذلك العمل يتطلّب توفير جملة من المستلزمات على مستوى الحزب أولاً، ويبدو أنه عندما وصل إلى قناعة بتحقق تلك المستلزمات حدد موعد تنفيذ ذلك العمل الشامل في 26 شباط/ فبراير 1963، ولكن ذلك لم يتم!
تكشف برقية من السفارة البريطانية، عُثِر عليها في أدراج مكتب عبدالكريم قاسم، بعد الاستيلاء عليه، سر الاستعجال في التنفيذ.
تحذر البرقية البريطانية قاسم من احتمال تنفيذ ضابط (ناصري) يدعى صالح مهدي عماش لعمل انقلابي وتنص على "حفاظاً على نظامكم الصديق والعلاقات الوطيدة نحذركم من محاولة انقلابية سيقوم بها المقدم صالح عماش أحد ضباط الانضباط العسكري وهو من الضباط الناصريين، وهي محاولة لصالح عبدالناصر".

صالح مهدي عماش
في ضوء هذه البرقية اعتقل عماش في الثالث من شباط بعد أن كان أحيل على التقاعد بموجب المرسوم الجمهوري (59) الصادر في نفس اليوم.
ولأن "عماش" لم يكن ناصرياً بل بعثياً، فقد جرى اعتقال أمين سر التنظيم علي صالح السعدي وعدد من القياديين في نفس القضية.
وحيث أن خطة التنفيذ كانت في عهدة مسؤول المكتب العسكري فقد ارتأت قيادة الحزب أن تقوم بمهمة حرجة جداً للتواصل مع "عماش" وهو في المعتقل، ولأن الزيارات الشخصية ممنوعة، فقد تطلّب الأمر التنسيق مع بعض العسكريين الحزبيين وترتيب (خديعة) خلاصتها أن يتولى شقيق عماش "ناهي" اصطحاب أحد مراتب الجيش لمقابلته في معتقله بزعم توقيع بعض الأوراق التي تتطلبها عملية إجراء كفالة له، وسؤاله، وهو الأهم في (الخديعة) ما إذا كانت هناك رسالة يريد إيصالها لأحد ما.
هنا اغتنم عماش، أبو هدى، الفرصة وأبلغ ذلك العسكري، ببراعة، بأن يبلغ السيدة عقيلته بالإسراع في عملية تنظيف البيت وترتيبه، ولكن ليس في يوم العيد كما كان مقرراً وانما في يوم الجمعة القادم، "فكلاهما عطلة ولا داعي للانتظار إلى يوم العيد" على حد قوله.
التقط الشقيق "ناهي" الشفرة وأيقن أن وراءها سراً، فقد فهم أن كلماتها لا علاقة لها مضمونها فليس في بيت أبي هدى ما يستحق الترتيب قبل العيد بحيث يهتم له صاحب البيت وهو في محبسه، لذا عمل على إبلاغ الرسالة/ الشفرة نصاً إلى قيادة الحزب التي فهمت المضمون تماماً وتولّت تنفيذ الثورة يوم الجمعة 8/2 وليس في يوم العيد 26/2 كما كان مقرراً سلفا.
ولعلها الثورة الأولى، أو الوحيدة، التي يقودها رجل من محبسه، بل وتنجح أيضا.
وحتى تكتمل الصورة فإن خطة "عماش" كانت تقضي بالقيام بالعمل العسكري في ساعات نهار اليوم الثاني من عيد الفطر، يوم 26 شباط، وهنا مكمن المباغتة، فالجيش حينها في عطلة ووقت التنفيذ نهاراً وليس ليلاً، فقد كان "قاسم" يعتقد أن أي انقلابٍ عليه لن يحصل إلا في الليل، لذا كان يُعرف عنه أنه يبقى مستيقظاً والناس نيام.
الهامش الخامس
هل كان "البعث" مبادراً إلى العنف، كما يزعم الشيوعيون، أم أن الطرف الآخر هو من بادر إلى العنف المسلح ورفع السلاح بوجه الثوار ودعا علناً إلى التمرد المسلح، بل إلى استخدام كل سلاحٍ ممكنٍ لقمع الثوار وإخماد الثورة؟
هذا سؤالٌ جوهريٌ لن نجيب عنه، وسنكتفي بإجابة الحزب الشيوعي بصدده..
يجيب عن هذا السؤال بيانٌ صادر عن الحزب الشيوعي ظهيرة يوم الثامن من شباط، تحدث فيه علناً إلى "الهجوم في كافة أنحاء بغداد والعراق لسحق جيوب عملاء الاستعمار المتآمرين" ودعا فيه (الجماهير) إلى الاستيلاء على أسلحة مراكز الشرطة و السلاح الموجود "في أي مكان" لمهاجمة "العملاء المتآمرين" متحدثا عن "سحقٍ دون رحمة" مستعيداً ما كان نفذه بالفعل في الموصل وكركوك والمسيب وغيرها.
هل اتضحت صورة من دعا إلى العنف بل من استخدمه بالفعل؟

البيان الدموي للحزب الشيوعي العراقي ظهيرة يوم الثورة.
الهامش السادس
في الاستخلاصات يُمكن أن يُقال كثير، ومن الكثير الذي يمكن أن يُقال:

العقيد أحمد حسن البكر متوسطاً حازم جواد وعبدالسلام عارف في الأيام الأولى للثورة.
ختاما
ثورة رمضان، وهي عروس ثورات النضال الشعبي العراقي في القرن العشرين، ظلمت كثيراً، ظلمها أصحابها مراراً، وربما أكثر مما فعل بها أعداؤها وأعداؤهم، وظلمها التاريخ المشوّه الذي يكتبه الناقمون المترعون بالأحقاد، وخاصة من الشعوبيين، وظلمها الإعلام الذي لا يعي حقائق الأشياء في أعماقها بل ينظر إلى ظواهر مبتسرة ويحاول أن يقدم من خلال تلك القطع المتناثرة صورة شاملة، وهذا مُحال وبعضه مُغرض.
نعم.. هذه ثورة ظُلِمت كثيراً، ولعلَّ في هذه الهوامش بعضاً من الإنصاف، ولو بعد ستة عقود.