

ومن الطبيعي جداً أن ينشغل العالم جداً بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، فهي حدث مهم ومفصل تاريخي في التاريخ المعاصر، وربما يؤدي إلى تشكيل سياق عالمي جديد قد يُسهم، لو توفرت ظروف أكثر عمقاً وأكثر شمولاً، في إنشاء نظام عالمي جديد ولا أجزم أن هذا النظام سينشأ فعلاً، فهذا الأمر يحتاج إلى عوامل غير متوفرة بالكامل الآن. على الأقل هذا ما يقوله منطق حركة التاريخ وما تنبئنا به التحولات الجذرية فيه، لكن يبقى المنطق آخر ما يمكن اللجوء إليه لتفسير مجريات الحروب، فكل شيء من حولنا لا منطقي، ولنا أن نقول إن للحروب منطقها اللامنطقي.
بدءاً لابد من التأكيد على أنه بشعٌ جداً أن يلجأ طرف دولي ما إلى القتل والتدمير لاستحصال حقه، أو ما يراه حقاً له، والأبشع أن يفعل ذلك للاعتداء على حقوق الآخرين، لكن كل المبادئ توضع على الرف عندما يتهدد الأمن القومي للدول، فمبدأ الحفاظ على الأمن القومي أهم من كل المبادئ الأخرى ويعلو عليها جميعاً، تماماً مثلما أن الدساتير أعلى من كل القوانين وأسمى.
العقدة الأساسية في هذا الصراع هي إنها المرة الأولى، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي تبدو أوروبا على مشارف حربٍ جديدة تدور على أراضيها مباشرة، هذا من جانب، ومن جانب آخر هي حربٍ كونية يتولى الطرفان الأميركي والروسي إذكاءها وخوضها بالأصالة لا بالوكالة كما حدث في مناطق أخرى في العالم طيلة العقود السبعة التي شهد العالم فيها كثيراً من الأزمات والحروب، وكانت كلها، باستثناء أزمة البلقان، حروب بعيدة عن التراب الأوروبي، وبعيدة عن الصراع الأميركي الروسي المباشر.
هذه هي عقدة الموضوع، ومن هنا نجد الاهتمام العالمي بهذه القضية، فالعالم الغربي، أميركا وأوروبا، هو الذي يتضرر على نحو مباشر بنتائج الحرب وإفرازاتها ومن هنا يأتي حضور الأزمة الطاغي في كل وسائل الاعلام وفي كل المحافل السياسية.
العقدة الأساسية في هذا الصراع هي إنها المرة الأولى، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي تبدو أوروبا على مشارف حربٍ جديدة تدور على أراضيها مباشرة، هذا من جانب، ومن جانب آخر هي حربٍ كونية يتولى الطرفان الأميركي والروسي إذكاءها وخوضها بالأصالة لا بالوكالة
فالعالم المنافق لم يهتم للاعتداءات المتكررة التي شنّها الكيان الصهيوني على سوريا ومصر والأردن ولبنان طيلة عقود الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات من القرن العشرين، وهذا العالم المنافق لم يأبه كثيراً للحرب بين العراق وإيران مع إنها دامت لثماني سنوات بين بلدين نفطيين كبيرين وفي منطقة مهمة تقع في قلب الاستراتيجيات الدولية حينذاك، وهي منطقة الخليج العربي، والعالم لم يهتم بالحرب في أفغانستان طيلة عقد الثمانينات إلا بقدر تعلق الأمر بإلحاق خسائر أكبر بالاتحاد السوفياتي، وبالطبع فإن غزو أفغانستان واحتلال العراق مرّا بقدر كبيرٍ من النفاق من جانب هذا العالم الذي ثارت ثائرته بشأن نزاعٍ بين دولتين كان يمكن أن يكون محدود التأثير جداً لولا أن الولايات المتحدة سعت لجعله صراعاً كونياً وصمّمت على أن تجعله أزمة دولية تلحق الأذى بالعالم كله، وهو ما استجاب له الطرف المقابل ووافق على خوض صراعٍ بهذا الحجم وبهذا القدر من شمولية التأثير على العالم.
ولعل مما ساهم بجعل هذا الصراع كوني التأثير أنه جاء بعد سنتين من الآثار المأساوية العميقة التي أحدثها انتشار وباء كورونا، وهي آثار طالت كل مناحي الحياة تقريباً، فالعالم لم يكد يستفيق من مآسي هذا الوباء حتى داهمته أزمة جديدة.
كنت كتبت قبل نحو سنتين إن وباء كورونا سيزول وسترجع البشرية لصراعاتها المعتادة بمجرد زواله أو خفوت آثاره، وبالفعل أطلّت الحرب الروسية الأوكرانية برأسها بعد خفوت حدة انتشار فايروس كورونا. وتأثيراته.
مفيد أن نذكّر أن الصراعات الدولية الكبرى، ومن ذلك الحرب الروسية الأوكرانية، ليست صراعات آيديولوجية بالضرورة. فهذه صراعات على النفوذ وعلى المستقبل يُعاد فيها رسم الخرائط الجغرافية والخرائط الجيوبولتيكية، وخرائط النفوذ وخرائط إمدادات الطاقة وإمدادات الغذاء، وبالتالي لا داعي أن يتخذ كل صاحب آيديولوجيا موقفاً منها، فهذه الصراعات كونية، وهي بالتأكيد أكبر من صراعات الأفكار والمبادئ النظرية المجردة.
في هذه الحرب وأمثالها من الأزمات، هناك خيط رفيع بين فهم توازنات الصراعات الدولية والالتزام بالمبادئ، ومنها رفض منطق الغزو والعدوان.
وحده السياسي الحصيف يمكن أن يحافظ على هذا الخيط فلا يندفع إلى يمين أو يسار المعادلة.
وعلى ذكر الحصافة السياسية أجد أن مواقف كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية التركية هي الأكثر حصافة والأكثر تقديراً للمصلحة السياسية للدول الثلاث بالدرجة الأساس.
فقد حافظت الرياض وأبوظبي على قدرٍ كبيرٍ من الحياد في هذه القضية من خلال عدم استجابتهما للضغوط الأميركية والبريطانية في ضخ كميات إضافية من النفط، وهو حياد يرعى مصالحهما أولاً وأخيراً ويؤمّل أن يحقق شيئاً من التقدم لصالح ملفات عربية، على الأقل في المواجهة المفتوحة مع إيران ومشاريعها الإرهابية في دول عربية عديدة وفي المقدمة منها اليمن.
في هذه الحرب وأمثالها من الأزمات، هناك خيط رفيع بين فهم توازنات الصراعات الدولية والالتزام بالمبادئ، ومنها رفض منطق الغزو والعدوان. وحده السياسي الحصيف يمكن أن يحافظ على هذا الخيط فلا يندفع إلى يمين أو يسار المعادلة.
كذلك ألزمت أنقرة نفسها بموقف الوسيط، وهو موقف يتطلّب قدراً كبيراً من الدقة والحذر في المواقف والتصريحات وردود الأفعال نجحت فيه إلى حدٍ كبيرٍ بما أهّلها لتقديم مبادرة هي الأكثر عملية، بل هي الوحيدة التي حققت خطوات عملية، لحل الأزمة في خطوة تعكس مكانة متميزة لتركيا في هذا الصراع الذي تمتلك فيه عوامل ضغط وتأثير كبيرة من خلال سيادتها على أهم مضيقين بحريين يتعلقان بهذه الحرب مباشرة، وهما مضيقي البوسفور والدردنيل، ومن خلال تشاطئها مع روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود، فضلاً عن العلاقة الإيجابية مع كلا العاصمتين.
ولأن دور الوسيط الذي تؤديه تركيا بإتقان يتطلّب ذلك، وأكثر، فإن أنقرة لم تطبق أياً من العقوبات الجديدة على روسيا وهذا ضروري لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو.
(الجهاديون) الجدد
منذ اليوم الثاني للحرب نبّهت في تغريدات على حسابي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إلى خطورة موضوع المرتزقة وخطورة فتح الباب أمامهم للاشتراك فيها، وربما أكون من أوائل من نبهوا إلى ذلك في وقتٍ كان الأغلب يتحدث عن متطوعين محليين وكنت أتحدث عن مرتزقة من الخارج، وهو ما تحقق فعلا.
وأعتقد أننا سنرى في غضون أشهر (جهاديون) بعيون زرق وبشرة بيضاء ويتحدثون لغات إنجليزية وفرنسية وغيرها ولا يعتنقون الدين الإسلامي. كم يبدو الأمر مثيراً فعلا؟!
بإعلان أوكرانيا رسمياً عن وصول متطوعين من بريطانيا وورود أنباء عن نقل روسيا لمرتزقة من سوريا وبتنظيم ميليشيات الحشد الشعبي الارهابية في العراق حملات تطوع للمشاركة في الحرب يحقّ لنا أن نسأل: هل نحن على أعتاب مرحلة حرب مرتزقة؟
مع ملاحظة أن حروب المرتزقة لا تنحصر بساحات جغرافية معينة ولا بمديات زمنية محددة فهي حروب مفتوحة جغرافياً وزمنياً، وكارهو حلف الناتو كثيرون ومتنوعون عرقياً ودينياً وسياسياً ومنتشرون جغرافياً، كما ان الراغبين بالانتقام من روسيا كثيرون ومتنوعون ومنتشرون أيضا.
مفيد أن نذكر أن وزارة الخارجية السنغالية أعلنت في بيان رسمي أنها استدعت سفير أوكرانيا في دكار، يوري بوفاروف، احتجاجاً على دعواته لتجنيد سنغاليين للقتال إلى جانب القوات الأوكرانية. وقالت إن السفير الأوكراني أكد (تطوع) 36 شخصاً في هذه الحملة التي أعلنها السفير على مواقع تواصل إجتماعية في مخالفة واضحة لأحكام الاتفاقيات المنظّمة لعمل البعثات الدبلوماسية.

وطالبت الوزارة السفير بسحب ذلك الاعلان فوراً ووقف تجنيد السنغاليين أو الأجانب من أراضي السنغال.
وبسببٍ من كون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ممثل هزلي سابق فقد أصدر قراراً بالغ الأهمية في هذا الخصوص، وهو إعفاء المرتزقة الأجانب الراغبين في القتال ضد روسيا من تأشيرات الدخول الى بلاده!
وما زلنا نتحدث عن قضية المتطوعين نشير إلى أن كييف أصدرت في الثاني من ديسمبر عام 2021، أي قبل اتضاح تباشير الأزمة بعدة أسابيع، قراراً تضمن منح المتطوعين الأجانب في الجيش الأوكراني جنسية البلاد، وهي إشارة لافتة للنظر فعلاً في توقيتها المسبق وفي دلالاتها.
الحرب الاقتصادية محور الحلقة الثانية، وهي قريبة.