الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

في الحرب الروسية الأوكرانية.. وجهة نظر تحاول أن تكون موضوعية.. الحلقة الثانية من يصرخ أولا؟

ربما يكون حجم ما أعلن من عقوبات ضد روسيا هو الأوسع على الإطلاق، ولكنّ

مصطفى كامل
الجمعة 8 أبريل, 2022 05:40
 للحروب وجوه متعددة، وما يحدُثه الصاروخ والمدفع من أضرار ليس الوجه الوحيد للحروب إنه واحد من ‏أعراضها ‏فقط، والدوافع غالباً ما تكون بعيدة عن الاهتمام في ظل توالي سقوط القذائف، فأصوات ‏الانفجارات ‏تصمّ الآذان وتبعد العقول عن التفكير.‏

في الشق الاقتصادي من مقالنا، تبدو العقوبات الغربية، الأميركية بالتحديد، الوجه الأبرز في ‏الحرب ‏الاقتصادية، ويجري الحديث عن التأثيرات بالغة السوء على الاقتصاد الروسي. وهذا مؤكد ‏بالطبع فعزل ‏دولة كبيرة ذات علاقات اقتصادية واسعة مع العالم مثل روسيا ليس هيناً، خصوصاً أن ‏العقوبات ‏انضمت اليها كل الانشطة حتى ما لا يمكن للانسان أن يتخيله، بدءاً من النفط والغاز ‏والسلاح إلى ‏القطط الروسية الأليفة مروراً بقائمة طويلة جداً من السلع والخدمات من ضمنها مطاعم ماكدونالد ‏وعلامات الملابس ‏الداخلية الشهيرة (فيكتوريا سيكرت) ويجري كل ذلك في إطار تحالف دولي واسع.

وربما يكون حجم ما أعلن من عقوبات ضد روسيا بسبب غزوها الأراضي الأوكرانية هو الأوسع على الإطلاق، وهذا مفهوم جداً ويتناسب تماماً مع:

  1. حجم السوق الروسي الداخلي
  2. نسبة مشاركة الاقتصاد الروسي في الاقتصاد العالمي
  3. حجم الحملة السياسية والدعائية الغربية ضد موسكو

وحتى يكون الأمر واضحاً تماماً لابد لنا أن نلجأ إلى لغة الأرقام فهي عماد الحديث عن الاقتصاد، وهذا يعني إننا نتحدث عن أكبر بلد في العالم من حيث المساحة، حيث تغطي نسبة 8/1 من مساحة الأرض المأهولة بالسكان في العالم بمساحة تصل لنحو 17.1 كيلومتر مربع كما أنها تاسع أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم بقرابة 150 مليون نسمة.

تحتل روسيا المرتبة الأولى عالمياً في احتياطات الغاز الطبيعي بنحو 47.2 تريليون متر مكعب، وتنتج نحو 700 مليار متر مكعب من الغاز تمثل نحو 17% من الإنتاج العالمي، وتصدّر نحو 200 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً ونحو 29 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال.

وتستند روسيا في قوتها الاقتصادية على ثلاثة أضلاع وهي قطاعات النفط والغاز، والصناعات العسكرية، والإنتاج الزراعي والحيواني، فضلاً عن مصادر أخرى للقوة تعزز هذه الأضلاع مثل السياحة والصناعات التقليدية والقطاع المالي وغيرها.

ومع أن روسيا ليست من الدول العشر الأكبر عالمياً على الصعيد الاقتصادي إلا أن ناتجها المحلي الإجمالي بلغ نحو 1.7 تريليون دولار في عام 2021، وباحتياطي من النقد الأجنبي والذهب يبلغ نحو 630 مليار دولار.

تحتل روسيا المرتبة الأولى عالمياً في احتياطات الغاز الطبيعي بنحو 47.2 تريليون متر مكعب، وتنتج نحو 700 مليار متر مكعب من الغاز تمثل نحو 17% من الإنتاج العالمي، وتصدّر نحو 200 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً ونحو 29 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال.

وعلى صعيد النفط، بلغ متوسط إنتاج روسيا نحو 10.5 مليون برميل يوميا في 2021 ارتفع في بداية العام الحالي إلى 11 مليون برميل مع زيادات تحالف أوبك+ المقررة، بينما بلغت صادراتها نحو 4.7 مليون برميل يوميا، لتحتل المرتبة الثانية في كمية صادرات النفط عالمياً بعد السعودية.

أما القطاع الزراعي ورغم أنه يمثل 5% من إجمالي الناتج المحلي الروسي، إلا أن روسيا تحتل مكانة هامة في العديد من المنتجات في هذا القطاع بصادرات زراعية وغذائية بلغت نحو 30 مليار دولار، حيث تنتج روسيا من الحبوب إجمالاً نحو 123 مليون طن سنوياً من إجمالي 770 مليون طن عالمياً، أي قرابة سُدس الانتاج العالمي، بينما تقوم بتصدير نحو 18% من إجمالي الصادرات العالمية من القمح، كما تحتل المركز الرابع عالمياً في إنتاج الدواجن بنحو 3.7 مليون طن سنوياً وتشغل مراكز متقدمة حالياً في صادرات لحوم البقر والخنازير.

وفي المجال العسكري، تحتل روسيا المرتبة الثانية عالمياً بصادرات سلاح بلغت نحو 14 مليار دولار، كما رفعت نفقاتها على التسليح النووي إلى ثمانية مليارات دولار لتحتل المركز الثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين.

أما في قطاع التعدين، فإن روسيا تحتل مكانة تقليدية في إنتاج وتصدير الحديد والصلب، حيث تنتج 95 مليون طن سنوياً من الحديد تشغل بها المرتبة الخامسة عالمياً، كما تنتج نحو 5% من الفحم عالمياً بإنتاج نحو 430 مليون طن وهي تشغل المرتبة الثانية عالمياً في احتياطي الفحم.

مع اقتصاد هائل بهذا الحجم ومتنوع على هذا النحو فإنني أجزم أن كل الذين أعلنوا الوقوف ضد روسيا سيتراجعون، وان كل الذين اتخذوا مواقف داعمة لأوكرانيا سيتخلون عنها‎.‎‏ كلهم، كلهم.‏

تستند روسيا في قوتها الاقتصادية على ثلاثة أضلاع وهي قطاعات النفط والغاز، والصناعات العسكرية، والإنتاج الزراعي والحيواني، فضلاً عن مصادر أخرى للقوة تعزز هذه الأضلاع مثل السياحة والصناعات التقليدية والقطاع المالي وغيرها.

كما أن طول أمد الحروب يجعل عقد بعض التحالفات العالمية ينفرط‎.‎ ولأن هذا عصر الحضارة الرقمية بإيقاعها السريع جداً، لم يعد هناك من يصبر على حرب مدافع تدوم سنينا‎.‎

وقد علّمتنا تجربة حصار العراق خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، مع تأكيد الفارق الهائل ‏مع ‏روسيا وعلى كل الصعد، أن سياسة فرض العقوبات تتآكل بمرور الزمن، لأن المصالح أهم من كل التحالفات‎.‎

بعبارة أخرى: العقوبات الاقتصادية سلاحٌ ذو حدّين وقابل للتآكل بمجرد إرخاء القبضة ‏الأميركية ‏واستنفاذ حملة الدعاية الإعلامية الغربية، البروباغندا، قوة دفعها الحالية‎، حتى في العراق رأينا ذلك مطلع الألفية الثالثة، مع أن مقارنة المثالين العراقي والروسي ظالمة ‏جدا ‏للطرفين‎.‎

وأجزم أن موسكو ستحقق اختراقاً في أوروبا، فمفاتيح الطاقة والغذاء والمعادن ما تزال في جيب ‏سيد ‏الكرملين‎.‎

فخلال شهر من الحرب ارتفع سعر لتر البنزين في روسيا بنحو خمسة سنتات، فيما ارتفع سعره ‏في ‏الولايات المتحدة بعدة دولارات، وكذا في أوروبا وفي كثيرٍ من دول العالم‎.‎

وتعمل روسيا على إمداد عدة بلدان أوروبية بنسبة 100 % من احتياجاتها من الطاقة، وأخرى ‏بنسب ‏أقل مثل ألمانيا التي تحصل على 40 % من احتياجاتها من روسيا‏‎.‎‏ وقد حملت خطوط أنابيب الغاز الروسية إلى أوروبا أكثر من 175 مليار متر مكعب خلال العام الماضي‎.‎

من بإمكانه أن يسدّ هذا الرقم المهول؟

طول أمد الحروب يجعل عقد بعض التحالفات العالمية ينفرط‎.‎ ولأن هذا عصر الحضارة الرقمية بإيقاعها السريع جداً، لم يعد هناك من يصبر على حرب مدافع تدوم سنينا‎.‎ وقد علّمتنا تجربة حصار العراق خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، مع تأكيد الفارق الهائل ‏مع ‏روسيا وعلى كل الصعد، أن سياسة فرض العقوبات تتآكل بمرور الزمن، لأن المصالح أهم من كل التحالفات‎.‎

المؤكد أن مصادر الطاقة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، وأي تعطيل في توفيرها قد يتسبب في أزمات ‏لدى ‏الحكومات الأوروبية‎، فيما لا تستطيع المصادر الأوروبية، النرويج بالذات، الوفاء بأكثر من 100 مليار متر مكعب من الغاز وهو يمثل أقل من 20 % من إجمالي الاحتياجات الأوروبية التي تزيد عن 500 مليار متر مكعب سنوياً.

ولأن موسكو أكبر مصدّر للحبوب في العالم، ماذا لو قرّر فيلاديمير بوتين، الذي يقولون عنه إنه ‏مجنون، ‏قطع الإمدادات الغذائية عن العالم كما أعلن منع تصدير المعادن والمواد الخام حتى نهاية ‏العام الجاري ‏‏2022؟

هل تستطيع دول حلف ناتو مجتمعة أن تسدّ نقص حبوب الغذاء في العالم إذا فعّلت روسيا ‏هذا ‏السلاح؟ بل أن موسكو تزمع تفعيل سلاح الإمدادات الغذائية على أرض الواقع، فقد أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، أن بلاده ستصدّر الغذاء والمحاصيل إلى "الدول الصديقة" فقط وبعملة الروبل أو بعملات تلك الدول، كما كانت رئيس المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، قد اشتكت أن مئات السفن المحمّلة بالقمح محجوزة في البحر الأسود.

وتعالوا نسأل أنفسنا:

في حروب مصادر الطاقة والمعادن، من يتضرر أكثر، الاتحاد الأوروبي ‏أم ‏الولايات المتحدة؟ أعني من سيصرخ من شدة الألم أولاً؟ ومن سيصرخ أكثر؟

أعتقد أن حرق أسعار النفط والغاز والغذاء جراء الحرب لن يؤثر على الأميركيين بمقدار تأثيره ‏على ‏الأوربيين، لذا هل يمكن القول إن الولايات المتحدة تسعى لاستنزاف الدول الأوروبية مالياً ‏وإرهاق ‏اقتصادياتها، فضلاً عن تبعات الأزمة الأخرى على القارة العجوز التي استنزفت مواردها بالكامل ‏أو ‏تكاد؟

نعم سيؤذون روسيا لكنهم سيتضررون أيضا. هذا هو منطق العلاقات الاقتصادية المتشابكة في ‏العالم ‏الذي بات أشبه ببيت واحد متعدد الغرف والأجنحة‎.‎

أيضا، حجم الاستثمارات الغربية في روسيا سيتأثر سلباً بالتأكيد، وهناك بالفعل الكثير من الأنباء ‏عن ‏انسحاب مستثمرين غربيين‎.‎

لكن هذا لا يعني عدم استقبال روسيا لمستثمرين من جهات أخرى، من الصين مثلاً وربما من ‏الخليج ‏العربي‎.‎‏ وغالباً ما تكون الأجواء المتأزمة فرصة مناسبة لدى المغامرين، وهم ليسوا قلة، ‏وموسكو ‏ستغريهم أكثر بالتأكيد‎.‎

وللعلم فإن كثيراً من العقوبات التي نسمع عنها في مجال الاستثمارات الغربية في روسيا تتعلق بالاستثمارات المستقبلية، أما المشاريع القائمة فهي قائمة وستبقى قائمة، والمستقبل بيد الله.

ولأن العالم الرأسمالي منافق وكذاب وغارق في النفعية وحيث يعلن بايدن وقف شراء النفط من روسيا تواصل ناقلات النفط الروسي التوجه إلى الموانئ الأميركية بزخم كبير ربما يفوق ما كان قائماً من قبل، فقد ارتفعت واردات الولايات المتحدة من النفط الروسي بنسبة 43٪ في الأسبوع الممتد للفترة من 19 إلى 25 آذار/ مارس مقارنة بالأسبوع السابق له، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، فقد كانت أميركا تستورد نحو 100 ألف برميل يومياً ليرتفع الإمداد إلى 148 ألفا.

وبحسب صحيفة واشنطن بوست الأميركية، فإنه وبعد خمسة أسابيع من النزاع الأوكراني، لم يرسل الكونغرس بعد تشريعاً قائماً بذاته إلى الرئيس جو بايدن لمعاقبة روسيا أو مساعدة أوكرانيا.

كما أن الكونغرس لم يعتمد وثيقة واحدة، بما في ذلك المشروع المعلن للتخلي عن النظام التجاري المواتي مع روسيا، كما لم يتم تمرير حتى القرار الرمزي الذي يدين ما أسموه بـ"الغزو الروسي لأوكرانيا" على كلا المجلسين بالرغم من الدعم الواسع من الحزبين للقضية الأوكرانية والنداء الذي أطلقه زيلينسكي.

فيما مشروع قانون التجارة مع روسيا متوقف في الكونغرس حيث يتنازع أعضاء مجلس الشيوخ بشأن العقوبات.

لأن العالم الرأسمالي منافق وكذاب وغارق في النفعية وحيث يعلن بايدن وقف شراء النفط من روسيا تواصل ناقلات النفط الروسي التوجه إلى الموانئ الأميركية بزخم كبير ربما يفوق ما كان قائماً من قبل.

وعلى هامش ما يجري من في أوكرانيا، تُظهر خطوة بايدن بإطلاق مليون برميل يومياً من احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي على مدى ستة أشهر، في محاولة للسيطرة على أسعار الطاقة، تُظهر أن النفط ما يزال يمثل نقطة ضعف رئيسة للولايات المتحدة، إذ أضرّ ارتفاع أسعاره بنسبة تأييد بايدن داخل الولايات المتحدة وأضاف مليارات الدولارات إلى روسيا بما يدعم مجهودها الحربي.

وعلى ذكر النفاق الغربي فإن ‏استبعاد ‎روسيا من نظام سويفت المصرفي العالمي لم يؤثر إلا على بنوك روسية صغيرة فيما استثنيت المصارف الكبرى من هذا الاستبعاد.

ومن طريف العقوبات على روسيا إعلان ‏رئيس وزراء كندا وقف شراء النفط الروسي بينما بلاده لا تشتري النفط الروسي أصلا.

صحيح أن هناك عقوبات على روسيا، وهي عقوبات جدّية وتلحق بالشعب الروسي خسائر وباقتصاد بلادهم أضراراً لكن ‏المبالغات الحاصلة في فهم العقوبات المفروضة على ‎روسيا تدفعها:

  1. العاطفة أو
  2. الجهل أو
  3. التأثر بالبروباغندا الغربية.

أو كل ذلك.

وأي تحليلٍ ينطلق من هذه الدوافع لا يجوز الاستماع له لأنه مضلّل. وأكرر أن حديثي هنا لا يعني عدم وجود تأثيرات سلبية كما أسلفت، بل يستهدف المبالغة.

ولأن الحرب الروسية الأوكرانية صراع كوني ذو جذور تاريخية وليست أزمة عابرة، يبدو أنه من الواضح أن الرئيس بوتين كان يُحكِم نسج خيوط الصراع ويعدّ أركان المشهد بهدوء ومنذ سنوات بربطه احتياجات أوروبا للطاقة بغرفة التحكم الموجودة في أجنحة الكرملين في مسعى لإبقاء اليد الروسية الأعلى في ملفات الطاقة والغذاء وغيرها.

إنها حرب الإرادات بعد حرب الدبابات‎.‎‏ فهل سينجو العالم من جنون الأسعار؟

بالطبع لا‎.‎

من طريف العقوبات على روسيا إعلان ‏رئيس وزراء كندا وقف شراء النفط الروسي بينما بلاده لا تشتري النفط الروسي أصلا.

إذا أردنا فهم الحرب الاقتصادية فعلينا أن ندرك أن الأمر بسيط للغاية، بوتين سيجعل الغرب ‏يندب ‏الرفاهية التي عاشها على حساب العالم طيلة سبعة عقود.‏

نحن ضد غزو روسيا لأوكرانيا لكن هذا هو جوهر الهذيان الغربي المحموم تجاه الحرب ‏الروسية ‏الأوكرانية، لا إنسانية ولا قيم ولا هم يحزنون، إنها رفاهيتهم التي نسجوا أرديتها على حساب امتصاص خيرات شعوب كثيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.‏

 

ماذا سيفعل العرب وأين هي حصتهم في هذه الحرب؟

هذه الحرب كشفت بؤس واقع الأمن الغذائي العربي، فكل مفردات قائمة الطعام العربية تعتمد ‏بشكل ‏كلي أو شبه كلي على الاستيراد، وأي خللٍ في سلسلة التوريد سيدفع بالمواطن العربي إلى حافة ‏الجوع.‏

وهنا نلفت إلى تصريح لوزير التجارة الكويتي، فهد الشريعان، الذي قال إن بعض المصدّرين ‏يطلبون ‏تحويل شحنات البضائع المصنّعة التي في الطريق إلى أماكن أخرى بسبب ارتفاع الأسعار ‏وازدياد ‏الطلب.‏

ولا أدري هل المقصود أن تلك البضائع كانت في طريقها إلى الدول العربية وجرى تحويل وجهتها ‏إلى ‏دول أوروبا التي تعاني أزمات جدية؟

ببساطة الأمن الغذائي العربي مفقود، فنحن لا نزرع غذاءنا ولا نصنعه، ولا أدري ماذا سيفعل ‏المعنيون ‏بهذا القطاع الاستراتيجي؟

إذا أردنا فهم الحرب الاقتصادية فعلينا أن ندرك أن الأمر بسيط للغاية، بوتين سيجعل الغرب ‏يندب ‏الرفاهية التي عاشها على حساب العالم طيلة سبعة عقود.‏

لكن هذه الحرب بقدر ما تطرح أسئلة جدية حول ما يمكن أن تؤثر به سلباً علينا كعرب من جهة، فإنها تثير أسئلة أكثر عمقاً بشأن ما يمكن أن يحقق لنا فوائد من جهة أخرى.

ولأن الحرب الروسية الأوكرانية أثبتت أن النفط والغاز ما يزالا نقطة ضعف الولايات المتحدة وأوروبا، ألا يجدر بالعرب المنتجين لهاتين السلعتين التحكّم بهما لاستحصال حقوق الأمة العربية أو حتى مصالح أقطارها المنتجة فقط؟ أم أن التمنّع العربي لا يعدو المماحكة بحثاً عن مصلحة شخصية لهذا أو ذاك من الحكام أو لهذه أو تلك من الدول؟!

وهل يمكن البناء على رفض مسؤولين في المملكة العربية ‏السعودية ‏ودولة الإمارات العربية المتحدة لاتصالٍ من الرئيس الأميركي، كما سرّبت صحيفة وول ستريت جورنال، ولمساعٍ من رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، كما اتضح من زيارته لعاصمتي القطرين العربيين، بهدف حث حكومتيهما على ضخ مزيدٍ ‏من النفط، ‏هل يمكن البناء على هذا الموقف، إن صحَّ، في بلورة موقف يخدم القضايا العربية داخل ‏الولايات ‏المتحدة؟

وهل يمكن أن يكون هذا بداية اصطفاف البلدين في محور عالمي جديد بعيداً عن المحور الغربي الذي كانا يدوران فيه منذ عقود؟

وما مدى تأثير ذلك الموقف السعودي الإماراتي على مفاوضات فيينا بشأن برنامج إيران النووي؟

وهل سنشهد تأثيراً عربياً من هاتين الدولتين في مسار الانتخابات الأميركية النصفية المرتقبة بعد ‏سبعة ‏أشهر؟

وهل هناك إمكانية لإنشاء لوبي عربي سياسي أو اقتصادي في أميركا؟ مع ملاحظة أن العرب ‏ضخّوا ‏مليارات الدولارات في سوق الدعاية الاعلامية في أميركا، على مدى عقود، دون أن يؤسّسوا جماعة ضغطٍ حقيقية واحدة تخدم ‏مصالحهم، وبقيت تلك الأموال مجرد نفقات لحملات دعائية موسمية غير مجدية، وأحياناً ضارة في الحقيقة، كما حصل في الأزمة الخليجية الأخيرة.‏

هذه الحرب كشفت بؤس واقع الأمن الغذائي العربي، فكل مفردات قائمة الطعام العربية تعتمد ‏بشكل ‏كلي أو شبه كلي على الاستيراد، وأي خللٍ في سلسلة التوريد سيدفع بالمواطن العربي إلى حافة ‏الجوع.‏

أما دخول الجامعة العربية على خط الأزمة الروسية الأوكرانية فهذه واحدة من مهازل الأمور، لأن المواطن العربي وهو يسمع بأنباء هذه المبادرة سيتبادر إلى ذهنه أن المبادرة العربية ستُعجّل الوصول الى حلٍّ ‏على ‏غرار ما حصل لفلسطين التي ما تزال محتلة منذ أكثر من سبعة عقود!‏

ويزداد الأمر بؤساً إذا رأينا أن مجموعة الاتصال العربية المكلفة بالتوسط لحل الأزمة (!) مؤلفة من بلدان غارقة في أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، أزمات داخلية عميقة وخطيرة وأخرى خارجية، العراق ومصر والسودان والجزائر والأردن، وكان الأجدر بالجامعة وهي تحاول أن تجد لها مكاناً على طاولة الأزمة أن تشكّل وفدها من دول ذات ثقلٍ تستطيع من خلاله التأثير على طرفي الأزمة وفي المجتمع الدولي من خلال عوامل ضغط ترغيباً وترهيباً، وأعني السعودية والإمارات وقطر حصراً.

وكلنا يتذكر القصة التي تقول إن الخنفساء رفعت قدمها للحداد بعدما شاهدت الخيل تفعل ذلك‎..‎ ونسأل:

يا ترى كم خنفساء لدينا؟

انتظرونا في حلقة ثالثة نتحدث فيها عن حروب الإعلام القذرة.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram