

بدءاً فإن حزب البعث العربي الاشتراكي، بما يمثله من إرثٍ فكريٍ مهمٍ وتجاربَ نضاليةٍ عميقةٍ وتاريخٍ باذخٍ في بناء دولة العراق الوطنية وهي مشروع نهضة عربية شاملة، ليس مجرد حزبٍ تقليديٍ ينعدم تأثيره خارج محيط أعضائه وانما هو تنظيم سياسي تتصل شؤونه بكل من يعنيهم الفكر العربي المعاصر وحركة النضال القومي، وفي مقدمتهم من ينشغل بقضية تحرير العراق.
ولأن الأمر كذلك فإنني أسمح لنفسي بأن أتحدث، ولو سريعاً، في ما يتردد من أنباء عن وجود أزمة داخلية يعيشها الحزب خلال هذه الأيام، وهي امتداد لمحنة اجتثاث "البعث" و "البعثيين" المتواصلة منذ احتلال العراق من جهة، وإحدى أعراض التآمر الخارجي الذي يستهدف الحزب عموماً من جهة ثانية، وهي تجسيد لمحاولات اختراق التنظيم عبر عناصر مندسّة تعمل على زرعها أطراف عديدة من جهة ثالثة، وهي أخيراً امتداد لأمراضٍ داخلية تفاقمت خلال العقد الأخير وبرزت أخبارها في السنوات الثلاث الفائتة مكتومة أحياناً وظاهرة في أخرى.
هناك أكثر من سببٍ يدفعني للحديث الصريح والجريء، إلا أن الظروف بالغة الحساسية التي تعيشها الحركة الوطنية العراقية تفرض عليَّ تجنب الخوض علناً في التفاصيل، مع أنني أمتلكها.
وطيلة هذه السنوات بقيت هذه الأمراض تفعل أفاعيلها في جسد الحزب وتنهش فيه حتى سمعنا قبل ثلاثة أسابيع خبر إعلان مجموعة تقول إنها (قيادة جديدة للحزب) جاءت عقب اجتماعٍ انتخابيٍ غير نظامي رفضت القيادة القومية التصديق على نتائجه، وبعد أخذٍ وردٍّ تمادت هذه المجموعة فقررت قطع علاقتها مع المظلة التنظيمية الأوسع التي لا شرعية لتنظيمٍ قطريٍ دونها، أعني القيادة القومية، في مفارقة غريبة يقطع فيها الأدنى علاقته بالأعلى، وليس العكس، مثل أن يقطع الرضيع فيها علاقته مع أمه، وحسناً فعلت هذه المجموعة إذ تركت نفسها تسبح في الهواء!
أقول أسمح لنفسي بذلك، انطلاقاً من دوافع نبيلة، مع كوني لست طرفاً في ما يجري من صراعٍ معظمه دنيء الدوافع، تخوضه شلّة بليدة وفاشلة ومشبوهة بل ومتآمرة أيضاً مُحاولةً الاستيلاء على إرثٍ سياسي عظيمٍ متمردةً على قواعد العمل المعروفة في الأحزاب ذات المرجعيات العليا، صراعٍ بعيدٍ كلَّ البعد عن مبدأية المناضلين ومنقطعٍ تماماً عن فكر "البعث" وغير آبهٍ أبداً بأولويات ما يحتاجه العراق وشعبه والحركة الوطنية فيه تحديداً في الظروف المعروفة.
ومع أن هناك أكثر من سببٍ يدفعني للحديث الصريح والجريء، كما يعرف عني ذلك من يعرفني، إلا أن الظروف بالغة الحساسية التي نعيشها اليوم ضمن الحركة الوطنية في العراق تفرض عليَّ تجنب الخوض علناً في التفاصيل، مع أنني أمتلكها، وأتجنّب ذلك لسببين:
الأول: لأنَّ ما سأقوله من تفاصيل سيكون مُضرّاً بالعراق وبالنضال الوطني فيه، وهذا ما أربأ بنفسي عنه.
والثاني: لأن مناقشة الحياة الداخلية لأي حزبٍ من الأحزاب لا يجوز، ولا ينبغي على الإطلاق، أن تُطرَح في وسائل الإعلام، فهذه التفاصيل لها مجالاتها الخاصة المعروفة عبر قنوات محددة وفي مؤتمرات انتخابية أو ندوات تنظيمية أو اجتماعات حزبية، وليس عبر ما تفعله طفيليات الجهل والبلادة والتآمر التي عَلَقَت بجسد الحزب حيث نراها تعمد إلى نشر تفاصيل الحياة الداخلية في وسائل التواصل الاجتماعي وتتبادل القرارات والتوجيهات محدودة التداول في أوساط لا يجوز أن تصل إليها أبدا.
في أعقاب أسر قائد "البعث" التاريخي الرئيس صدام حسين، يرحمه الله تعالى، نهاية عام 2003 برزت مجموعة من القضايا الملحّة التي تستوجب الوقوف عندها لمراجعتها ومعالجتها، وانطلاقاً من مبدأ الحرص على الحركة الوطنية العراقية، التي يمثل "البعث" أبرز مثاباتها، قلنا وقال مخلصون الكثير الكثير مما يؤشِّر مواضع الخلل والانحراف في مسيرة بعض قيادات هذا الحزب التي برزت في ظروفٍ ملتبسة مثل ظروف ما بعد الاحتلال، وقدّمنا والمخلصين، من ذات المنطلقات النبيلة، العديد من مقترحات الحل والعلاج، وخضنا كما خاض المخلصون، في إطار ذات الأهداف السامية، عشرات الحوارات في هذا الخصوص، ولم يكن يَسمع لنا ولهؤلاء المخلصين إلا القلة النادرة، وهذه القلة النادرة كانت إما:
غير أن الأخطر هو أن حديث المخلصين كان يجري بينما توجد فئةٌ مستفيدةٌ من كل هذه المجريات، فئةٌ تعمل على التسويف والتضليل والخداع مقدّمةً، للقيادات العليا، الوعود تلو الوعود ومُبديةً التعهدات تلو التعهدات وهي في ذات الوقت تتربّص للانقضاض عند أول فرصةٍ تسنح، وكنا نتحدث عن هذه الفئة بصراحة وبالأسماء ونحذّر منها ونحدّد الفرصة التي تتحيّن لاقتناصها، ولات من يسمع، وإن سمع أحدهم لا يحرّك ساكنا، حتى وقعت الفأس في الرأس كما يُقال.
بل حتى عندما وقعت الفأس في الرأس، قبل سنة ونصف، كان ثمة من يرفض قولنا، والأدهى أنه ما يزال ثمة من يرفض ما نتحدث به وما نراه من شروطٍ لازمةٍ لإعادة العربة إلى سكّتها الصحيحة، حتى الآن ورغم كلِّ الخراب المحيط!
ولأنني لا يمكنني السكوت على كلِّ هذا الخراب، الذي وإن كان لا يتصل بي مباشرة إلا أنه يعنيني أولاً وأخيراً لما يُحدِثه من آثارٍ خطيرةٍ على جهود المخلصين في النضال من أجل تحرير العراق، وهو الواجب الذي لا يتقدم عليه أيَّ واجبٍ آخر الآن، ولأنني أعرف جيداً أسباب هذا الخراب وأعرف جيداً سبل الخلاص منه سألجأ إلى التاريخ لأقتبس من سناه نوراً يضيء لمن يعنيه الأمر طرق النجاة.
في أعقاب أسر قائد "البعث" التاريخي الرئيس صدام حسين، يرحمه الله تعالى، نهاية عام 2003 برزت مجموعة من القضايا الملحّة التي تستوجب الوقوف عندها لمراجعتها ومعالجتها لكنها بقيت بدون مراجعة وبلا معالجة.
قد يبدو مستغرباً أن يتحدّث من رحل عن دنيانا قبل أكثر من ثلاثة عقود عن حدثٍ يجري الآن، لكنني لحرصي على الاستفادة من دروس التاريخ عدت إلى الأصول بحثاً عن نصٍّ كُتب قبل أكثر من خمسة عقود، لأجده ينطبق تماماً على ما يجري من محنةٍ في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي، أو في تنظيم العراق منه على الأقل.
أورد هنا مقتطفاً من حديثٍ لمؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، يرحمه الله تعالى، أدلى به قبل أكثر من خمسة عقود مع عدد من مناضلي الحزب السوريين، تحديداً في تموز/ يوليو 1970، ونُشر في كتاب "نقطة البداية" تحت عنوان "طريق الوحدة يمرُّ من فلسطين".
لكنني قبل أن أعرض النص أمام نواظركم، أشير إلى قضيتين أساسيتين:
أعرض هذا النص الحي الذي تركه مؤسس "البعث" بين أيدي رفاقه منذ 52 عاماً ليستفيد منه البعثيون وينتبهوا إلى دقة التشخيص وبراعة التحليل، وليعرفوا حقيقة العلاج في الأزمة الحالية، ولكي لا تتحول الأفكار المبثوثة في الكتب ومنابع الفكر الأصيل إلى نصوص ميتة تعلوها الأتربة ولا يستفيد من حكمتها أحد.
"أيها الرفاق
الحزب أخطأ عندما وَثَقَ بتلك المجموعة من العسكريين واعتبرهم رفاقاً حزبيين، وإذا باللجنة العسكرية تدبّر مؤامرة لتزييف الحزب تزييفاً كاملاً وللاستيلاء عليه معتمدةً على السلاح الغاشم، على الدبابة والمدفع.
وقد لجأ هؤلاء إلى أخبث الأساليب من أجل تحقيق أغراضهم وتزييف الحزب فشجّعوا الانتهازية إلى أبعد الحدود وشجّعوا الفساد وحاربوا الإخلاص وحاربوا العقيدة الحزبية المؤمنة وأتوا حتى بأعداء الحزب وأدخلوهم في الحزب ليكونوا عوناً لهم ضد الحزب الأصيل.
فشهوة السلطة عندما تسيطر على النفس تُوصِل إلى الخيانة.
ماذا كان يستطيع الحزب وممثلوه الصادقون أن يفعلوا أمام مؤامرة داخلية من داخل الحزب. مؤامرة خبيثة نُفِّذت ببطءٍ وخبثٍ وذكاءٍ على مراحل؟
عندما كان واحدنا يفكر بأن يعلن ذلك على الملأ كان رفاق كثيرون، وأكثرهم مخلصون، يرفعون أصواتهم بالاحتجاج إذ لا يجوز في عرفهم أن يظهر الانقسام خارج الحزب فيشمت الأعداء".
هذا هو النص الذي أجده بالغ التعبير عما يجري اليوم مع أنه قيل في ظرفٍ مختلفٍ عن مجريات هذه الأيام وفي قطرٍ غير العراق.
لكنني قبل أن أختم أسأل:
ترى هل كان الأستاذ عفلق يتحدث برؤية تستشرف المستقبل عن الأزمة التي يواجهها حزبه اليوم في العراق تحديداً أم أنه كان يستعرض أسباب ما ارتكبته زمرة الأسد/ جديد قبل نحو 60 عاماً فقط؟
وهل أنّ هذا التشابه بين مسببات تلك المؤامرة التي تعرض لها الحزب في سوريا منتصف ستينات القرن العشرين وما يواجهه تنظيم الحزب في العراق الآن يعود إلى أن جرائم التآمر والإفساد والانتهازية وأساليب الانشقاق والتزييف وسرقة الأسماء التي جرت قبل ستة عقود تتكرر الآن، كما أن بعض شخوصها يتكرّرون كذلك؟
لكنني، وبرغم كل ما جرى ويجري وما سيجري، على ثقة أن الغمّة ستزول بحول الله، فمن تسبّبوا بها طارئون زائلون مهما طال مكوثهم، والله الموفق والمستعان.