الفيديو الصادم
من الواضح أن الجناة قد أعدّوا موقع الإعدام هذا بشروط مثالية من أجل استخدامه المتكرر، ليس فقط لتنفيذ عمليات الإعدام، بل وأيضاً من أجل إحراق الجثث وعدم ترك أي أثرٍ لها. كما يبدو أن مرتكبي المجزرة مرتاحون تماماً أثناء تنفيذ عملهم في وضح النهار، مما يشير إلى أن موقع المجزرة يقع تحت سيطرتهم الكاملة، حيث لا تبدو عليهم العجلة، وليسوا مُعرَّضين لأي تهديد.
في سياق هذه المجزرة، يقوم الجناة بإيهام بعض الضحايا بأنهم يمرون عبر منطقة معرضة لنيران القنّاصة، فيصرخ نجيب مخاطباً ضحيته «قنّاص يا عرص» دافعاً إياه نحو الحفرة ومُطلِقاً النار عليه بينما لا يزال في الهواء أثناء سقوطه. فيما يبدي أمجد درجةً من نفاد الصبر لأن أحد الضحايا لم يَمت لا من الطلقة الأولى ولا من الثانية، وبعد الطلقة الثالثة يصرخ مخاطباً الضحية «موت يا عرصة، ما شبعت؟».
تُشير نهاية الفيديو إلى انتهاء هذه المجزرة حيث يسأل أحد الجناة «في غيرو؟»، ليَسودَ صمتٌ لا يقطعه سوى أنينٌ خافتٌ صادرٌ عن كتلة الجثث تحت أحذية الجناة.
في فيديو آخر، يظهر أمجد يوسف وهو يقود الجرافة التي تحفر المقبرة الجماعية بعمق ثلاثة أمتار. تم قصف الشارع الذي وقعت فيه المجزرة في وقتٍ لاحق، ليبدو المشهد وكأنه دمارٌ شاملٌ جراء القصف والتفجير والاشتباكات. تظهر ثقوب الرصاص على الجدران، فيما تبدو الأجواءُ خلال الفيديو هادئة بدون أصوات للحرب أو القصف أو الاشتباكات؛ هدوءٌ لا تقطعه سوى أصوات طلقات النار التي تستهدف الضحايا، بالإضافة إلى الدخان المتصاعد من فوهات بنادق القتَلَة.
ثم، في أحد الأيام، تعرّفنا على مطلق النار الرئيسي في صور لعناصر من فرع المنطقة التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية، وهو ما يعرف أيضاً باسم الفرع 227.
مقابلة مع الجاني
القاتل هو شاب، ضابط صف في المخابرات العسكرية اسمه أمجد يوسف، يمكن التعرف عليه بسهولة بسبب ندبةٍ أفقية على حاجبه الأيسر. نظر إلى الكاميرا مباشرةً في فيديو المجزرة، وكانت صورته واضحةً جداً. وبعد تصفح ملفه الشخصي على فيسبوك، الذي ضُبطت منشوراته بحيث تكون متاحة للعموم، أرسلنا له طلب صداقة. كان بالتأكيد هو. لقد تغير مظهره الجسدي قليلاً، إذ اكتسب جسدُ مطلق النار النحيل ذي الزي العسكري بنيةً عضلية. كان ملفّه الشخصي على فيسبوك يطابق تماماً نمط منتهكي حقوق الإنسان السوريين، منشوراته كانت صوراً للأسد الأب والابن، لقطاتٍ لأصدقائه، مناظر خلّابة لقريته، صور شخصية أثناء ممارسته الرياضة في النادي، والأهم من ذلك كله، منشورٌ حزينٌ نعى فيه صديقه وزميله «نجيب الحلبي»، والذي كان من السهل التعرف عليه على أنه مطلق النار الثاني. لقد غمرتنا البهجة إذ وجدنا «الشريكين» اللذَين بحثنا عنهما لأشهر.

امجد يوسف في مكتبه
قَبِلَ أمجد طلب صداقة «آنّا»، وكان حذراً، إلا إن فضوله لمعرفة لماذا وكيف تواصلنا معه كان أيضاً واضحاً. وافق على التحدث إلينا مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 22 آذار/ مارس 2021.بعد أن شرحنا له بعباراتٍ عامة أننا نُجري أبحاثاً أكاديمية عن سياق النزاع السوري، وأننا تواصلنا معه لأنه يبدو «في الجيش». وبهذا بدأنا سلسلة من المحادثات استمرت ستة أشهر، تبادلنا أثناءها الحديث مع أمجد، وخلالها أيضاً أجرينا مقابلتي فيديو مطوّلتين معه.
أثناء المقابلة الأولى، كان أمجد في الفرع يجلس مرتديا لباساً مدنياً إلى مكتبٍ تعلوه صورةٌ لبشار الأسد معلقةً على الحائط الخلفي. كانت هذه المحادثة الأولى لنتعرف على بعضنا بعضاً، وقد حرصنا على عدم استخدام مصطلح «مقابلة»، بل أسميناها «تعارف». كان متوتراً بعض الشيء، وبعد تبادل المجاملات الاعتيادية قام باستجوابنا أكثر مما أتاح لنا أن نطرح عليه أسئلتنا. لم يُدرك أمجد أن سلوكه بحد ذاته كان أحد مواضيع بحثنا. ولكن بغض النظر عن هذا كله، كنا قادرين على النظر من خلال شاشتنا في عيون منتهكٍ حقيقي لحقوق الإنسان يجلس إلى مكتبه، ينظر إلينا من خلال شاشته ويعبث بكمبيوتر موضوعٍ على مكتبه، ويرفع سماعة الهاتف ليطلب فنجان من القهوة كلما رغب بذلك. في نهاية اللقاء بدا أنه قد اقتنع بروايتنا ووافق على محادثة ثانية. مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 26 آذار 2021.

أمجد يوسف اثناء المقابلة الثانية
كانت المقابلة الثانية أكثر إفادةً وإثارةً للاهتمام. تحادثنا في وقتٍ متأخرٍ من الليل. كان أمجد على أريكةٍ في منزله، يرتدي قميصاً داخلياً (فانيلة بيضاء)، يدخن بشراهة، ويحتسي مشروباً ما بينما يتناول وجبةً خفيفةً من الخيار. أخبرنا أنه ولد عام 1986 في قرية نبع الطيب العلوية في منطقة الغاب وسط غرب سوريا، على بعد 70 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة حماة. وهو الابن الأكبر لعائلة مكونة من عشرة أخوة وأخوات تربوا جميعاً بشكلٍ صارمٍ على تكريم التراث الديني العائلي لجدهم الأكبر، الذي كان من الشيوخ العلويين البارزين. وقد مارس أمجد مع أخوته وأخواته مراراً الطقوس الدينية في مقامات بني هاشم المحاذية لقريتهم. أثّرت هذه التنشئة الدينية على تصوره لذاته وللآخر، لكنها لم تكن الدافع الرئيسي خلف أفعاله.
حَدَّثنا أمجد أنه التحق بمدرسة المخابرات العسكرية الواقعة في منطقة ميسلون في ضاحية الديماس في دمشق عام 2004، وأمضى فيها تسعة أشهر من التدريب المكثّف. كان العمل لصالح المخابرات العسكرية بالنسبة لأمجد ذي الثمانية عشر ربيعاً حينها الفرصة الأفضل لتحصيل حياةٍ مختلفةٍ عن أسلافه، الذين عانوا مشقة العمل في حقول التبغ لكسب لقمة معيشتهم. لم تتخطَ أحلام أمجد أكثر من رغبةٍ في الحياة كشخصٍ من الطبقة الوسطى، يمتلك منزلاً وعائلةً وسيارة. كان لدى أمجد رغبة خفية أن يتحرر من والده، ذاك الشيخ العلوي الذي اختار العزلة بعد تقاعده من عمله كعنصرٍ في الجيش والمخابرات. وبدلاً من أن يحرره العمل في المخابرات من واقعه، أدى ذلك إلى ترسيخه أكثر في المجتمع الموالي للنظام، وحوّله إلى «ابن المؤسسة».
وخلافاً لطموحه أصبح «الولد سرّ أبيه». لم يستطع أمجد خلال مقابلاتنا معه -وهو الآن في سن السادسة والثلاثين- ألّا يعبر عن خوفٍ دفينٍ من والده، وأخبرنا أحد نُدمائه أن أمجد لم يجرؤ يوماً على التدخين في حضور والده.
حقَّقَ أمجد نجاحاً مهنياً لافتاً مع مطلع الألفية الجديدة، واستطاع دائماً أن يضمن لنفسه الترقية، ليكون في العام 2011 ضابط صف «مُحقِّق» يعمل بساعات دوام مكتبية ثابتة في فرع المنطقة أو الفرع 227. يعتبر هذا الفرع الكئيب الواقع في منطقة كفر سوسة مسؤولاً عن اعتقال وتعذيب وقتل الكثير من معارضي النظام السياسيين.
غير أن اندلاع انتفاضة عام 2011 غير حياة أمجد يوسف، إذ تم تعيينه في قسم العمليات ليكون مسؤولاً عن قيادة العمليات العسكرية على خطوط الجبهات في ضواحي دمشق الجنوبية، وتحديداً بين العامين 2011 و2021 كان المسؤول عن أمن خطوط الجبهة في منطقتي التضامن واليرموك. وخلال بحثنا تمكنّا من العثور على بعض المواد المصورة الدعائية المنشورة لهذه العمليات، حيث يظهر أمجد في أحد مقاطع الفيديو بعيون عابسة متجهمة، وسيجارة بين أصابعه أثناء حديثه مع مجموعة من المقاتلين المتحمسين لاقتحام حي التضامن.
وبخنَا أمجد خلال المقابلات لأننا نستخدم كلمة «مخابرات»، وطلب منا استخدام مصطلح «الجيش» أو «القوات المسلحة» عوضاً عنها:
«لم يكن هناك أثناء الأزمة أي شيء اسمه مخابرات، كان كلّه جيش. أنا كنت عنصر مخابرات، ولكن عملي كان كما يفعل الجيش، كانت مهمتي كما مهمات الجيش. مهنتي ليست قتال الشوارع والاقتحام والقصف …إلخ. هذه كانت مهنتي أثناء الأزمة. لم يكن هناك أي شيء خلال هذه الأزمة اسمه مخابرات، كنا كلنا جيش، مهماتنا كانت نفسها» مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2021.
تُخبرنا حساسية أمجد المفرطة لاستخدام كلمة «مخابرات» تحديداً ما يمكن أن يكتب عنه مجلداتٌ عدة، فهذه الحساسية لا تدل على إنكار وجود المخابرات فحسب، ولكنها تعبّر أيضاً عن الطبيعة الحساسة والمحرمة لأجهزة المخابرات في سوريا، فالحديث العلني عنها بالتأكيد ليس مسموحاً، لكنه تحدَّثَ عنها كما تحدَّثَ في أمور أخرى ذات طبيعة مُحرّمة كالطائفية. ربما كان هذا عائداً إلى تصور أمجد عن ذاته، فهو قبل كل شيء أوضحَ بشدة أنه لا يرى نفسه إلا «ابن المؤسسة». وهذا من ناحية يعني أنه منخرطٌ تماماً في ثقافة وتقاليد المخابرات العسكرية، وأن ولاءه لذلك الجهاز يأتي أولاً وقبل كل شيء ويعلو على أي ولاءٍ آخر طائفي أو مناطقي. ومن ناحية أخرى، فقد كان حرفياً ابناً للمؤسسة حيث خدم والده كضابط صف لعقود.
ألقت المجزرة بظلّها على المقابلات كموضوع آخر تجنّبنا الحديث عنه، وبدورنا لم نلمّح في أي وقت أننا رأينا مقاطع الفيديو وأننا على درايةٍ بجرائمه. ومن خلال شرحه كيف يرى أسباب وسياقات النزاع في سوريا، بدأ يتضح أنه ازداد تشدّداً بعد مقتل شقيقه الأصغر الذي قضى أثناء أدائه خدمته العسكرية في الجيش بتاريخ 1 كانون الثاني/ يناير 2013، الأمر الذي كان شديد التأثير على أمجد.
أصبح أمجد عاطفياً عندما ذكر هذه النقطة في المقابلة، وبدأ يعبث بولاعة سجائره بتشنج، وتمتم:
« لقد انتقمت، أنا لا أكذب عليكِ. لقد انتقمت، لقد قتلت. لقد قتلت كثيراً، قتلت كثيراً ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم» مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 10 حزيران 2021.
وعندما واجهناه بجزءٍ من الفيديو بعد بضعة شهور وعلم أننا على اطلاعٍ عليه، أنكر بدايةً أن يكون هو الشخص نفسه الذي يظهر في مقطع الفيديو، ثم قال إنه كان يقوم باعتقال شخصٍ ما فقط. ولكن في نهاية المطاف استقرّ على تبرير أنها مقتضيات وظيفته، وعبر عن مكنوناته «أنا فخور باللي عملتو».

نجيب الحلبي
لماذا وافق أمجد على التحدث إلينا مطولاً؟
ربما كانت الأسباب مزيجاً من الفضول والعزلة والغضب. فمع انتهاء الحرب بانتصارٍ باهت واقتصادٍ وطني متهالك، مضى مجرمو نظام الأسد في حياتهم بصمتٍ مع ذكرياتهم، يشربون العرق ويدخنون السجائر. أما بالنسبة لأمجد، فكان قد اختبر أيضاً تغييراتٍ في عمله أثارت امتعاضه، حيث أُنهيَ تكليفه بقيادة العمليات في التضامن واليرموك، ونُقل لممارسة وظيفةٍ مكتبية مملّة في الفرع. قد تكون الأسباب السابقة مجتمعةً هي ما دفعت أمجد للاعتراف بارتكابه مجزرة التضامن؛ ربما لا تعرف زوجته وأولاده عن هذا الماضي الأسود أي شيء، أو ربما لم يسأله عنه أحدٌ غيرنا قط.
المخابرات والشبيحة: شبكة القتل المتداخلة
تشير كلمة «مخابرات» في العالم العربي عموماً إلى وكالات الاستخبارات أو الشرطة السرية. يكمن تحت مظلة هذه الكلمة الاصطلاحية مجموعةٌ من الممارسات التي تعبّر عن سلطات ومناطق سيطرة متداخلة جزئياً ومتنافسة غالباً، تقوم أحياناً بالتجسس على بعضها والعمل ضد بعضها بينما تحافظ على الاستقرار الراهن للنظام. أسّس حافظ الأسد امبراطوريته المخابراتية منذ السبعينات اعتماداً على أربع وكالاتٍ استخباراتية: المخابرات العامة أو أمن الدولة والأمن السياسي والأمن العسكري والمخابرات الجوية، يتبع لهذه الأجهزة فروعٌ ازدادت قوتها بشكل ملحوظ بحيث بدأت تشكل في حد ذاتها فاعلاً مهماً مستقلاً نسبياً.
ما يميز الاستخبارات السورية عن مثيلاتها حول العالم بشكل أساسي هو صلاحياتها الواسعة لاستخدام العنف ضد المواطنين السوريين. فالأجهزة السورية تستطيع التنصت والتجسس على المواطنين، كما بمقدورها تهديدهم وابتزازهم، وأيضا اعتقالهم وسجنهم غالباً دون مذكرة أو أي اعتبار لسلطة القانون. تتسم سجون المخابرات السورية بالتعذيب الوحشي الممنهج واسع النطاق الذي ينفّذُه جلادون محترفون، ويمكن للمرء الادعاء أن السجن والتعذيب يُعرِّفان النظام السوري.
لا تقل قدرة المخابرات السورية على المراوغة عن سلطتها، فهي الفاعل الأكثر قوةً في النزاع السوري. مع هذا فهي متعذرةٌ على البحث والدراسة، وسيكون السير في دمشق وطرح أسئلة عن هيكلية المخابرات وأفعالها وتأثيرها مهمةً انتحارية (إلا إذا كان النظام يثق بالباحث).
يعمل موظفو المخابرات مستخدمين أسماء حركية أو ألقاب عامة مثل «أبو حيدر» أو «أبو علي» أو «أبو جعفر»، ويمنع منعاً باتاً التدلال عليهم.
تهدف هذه الممارسة المتعمّدة للمخابرات السورية إلى الحفاظ على السرية وإثارة الخوف في المجتمع، وهذا كفيلٌ بخلق أساطير مبالغ فيها عن رجال المخابرات وعن شخصياتهم وقُدراتهم.
المختلف في الفيديو الذي لدينا أن الجناة يظهرون بشكلٍ صارخٍ بينما يبقى الضحايا مجهولين. يختلف ذلك جذرياً عن معظم فيديوهات الإعدام التي كانت تنشرها داعش، حيث يخفي القتلة فيها وجوههم خلف أقنعة، بينما يحرصون على إظهار وجوه ضحاياهم بوضوح.
يُعتبر فرع المنطقة من أقوى أفرع الاستخبارات العسكرية في سوريا، وهو الفرع المسؤول عن محافظة دمشق وريفها. ترأسه في الثمانينات نزار الحلو (1942-2016)، ولكنه أُقيل بعد هروب مجموعةٍ من المعتقلين الإسلاميين، ليستلم رئاسة الفرع نائبه هشام الاختيار (1941-2012) الذي بقي في منصبه حتى العام 2001. أدار الفرع بين العامين 2005 و2012 رئيس قسم التجسس المخضرم رستم غزالة (1953-2015)، من بعده تسلّم عماد عيسى، ثم شفيق مصّة الذي كان رئيس الفرع المسؤول وقت ارتكاب المجزرة عام 2013.
يرأس العميد كمال الحسن الفرع 227 أثناء كتابة هذه الكلمات، ومقرّه الرئيسي عبارة عن مبنى شاحب على شكل حرف W في مجمع المخابرات الواقع بين جامعة دمشق وساحة الأمويين مقابل وزارة التعليم العالي.
كانت قائمة أصدقاء أمجد يوسف على فيسبوك أشبه بمعرض للقتلة، ومن بين أصدقائه وجدنا أحد زملاء أمجد في المخابرات «جمال خ.»، وهو من الطائفة السنية من حي القدم، يخفي بعناية شخصيةً لا ترحم خلف قناع أبوي صاخب ومرح وابتسامة مريضة، ويعلو وجهه شعرٌ رمادي. لهذه الشخصية قدرة كبيرة على خداع أي شخص. فعلى سبيل المثال، ظهر في تقرير لشبكة سي إن إن بتاريخ 3 كانون الأول/ ديسمبر 2013 على أنه القائد العسكري «أبو أكثم» الذي يُري المراسل فريدريك بليتغن حي السبينة الواقع جنوب حي التضامن مباشرةً بوصفه القائد الميداني المسؤول عن المنطقة.
قَبِلَ «جمال خ.» طلب الصداقة الذي أرسلناه، وفي واحدةٍ من المقابلتين اللتين أجريناهما معه بعد أن وثِق بـ«آنّا» قال «سأخبرك شيئاً لا يجدر بي أخبارك إياه: أنا رئيس أمجد يوسف»، وقد أصرّ جمال على معرفة من وصل آنّا بـ أمجد يوسف، واصفاً الأخير بأنه «بطل، أخ الشهيد، وبالتأكيد ليس رأساً صغيراً». وأخذت المحادثة انعطافة حادة عندما سألته آنّا عن الانتهاكات المزعومة:
آنّا «حدثتني منذ فترة عن إصلاح المعتقلين في السجون، ولكنّ وسائل الاعلام تقول إن النظام السوري قتل المعتقلين في سجونه وارتكب مجازر بحقهم؟»
جمال خ «جوابي بسيطٌ جداً. لماذا آخذهُ إلى السجن وأقتله ثم أُتّهم بقتله؟ أنا أفضّل قتله على خط الجبهة وينتهي الأمر، فقد مات في معركة. إذا لم تكوني في مرمى نيراني ولكنك عدوتي وتدمرين بلدي، لماذا آخذك إلى السجن وأقتلك فيه ثم أتهم بقتلك؟ يطرح هذا السؤال كثيراً، ولكنه سؤال غبي. إن كان بمقدوري قتل شخصٍ ما في الشارع دون أن يراني أحد فلماذا أجلبه إلى سجني وأعطيه رقماً وغذاءً وماءً وهو عبءٌ على الدولة؟ هل تعلمين أنهم يأكلون ما نأكل؟ إنهم يأكلون من أكلنا. لماذا أجلبه ليأكل ويشرب من أكلي وشربي ويكلّف الدولة؟ وبعدها يتهموني به. هل هناك أغبى من هذا؟… عندما أقوم باعتقال عشرة أو خمس عشرة رجلاً مسلحاً فسيحتاجون إلى ثلاثين أو أربعين جندياً لمرافقتهم. لماذا المشاكل في حين إني قادرٌ على قتلهم في الشارع والراحة؟ لماذا أقتلهم في السجن؟ أنا أفضّل قتلهم في أماكنهم والانتهاء من الأمر» مقابلة مع جمال خ. عبر فيسبوك بتاريخ 23 آذار 2021.
والآن وبعد أن كشفنا دائرة المخابرات، ماذا عن القاتل الثاني الذي كان يرتدي بزّةً عسكريةً رمادية؟
كانت ذراع أمجد اليمنى في فيديو المجزرة هو نجيب الحلبي، والمعروف أيضاً بلقب «أبو وليم». عرفناه إذ وجدناه وقد تمت الإشارة إليه في منشورٍ على فيسبوك في صفحة «شهداء التضامن».
نجيب ابنُ عائلةٍ درزية نازحة من الجولان، ولكنه ولد وترعرع في حي التضامن. وعلى عكس باقي سكان الحي الفقراء، كانت حالة نجيب المادية معقولةً وكان يدير ملهىً في منطقة باب شرقي قبل اندلاع النزاع. أنشأ في عام 2011 أول مجموعةٍ من الشبيحة في التضامن، متخذاً لها مركزاً على خط الجبهة بجوار جامع عثمان، الأمر الذي جعل منه بطلاً في نظر الموالين لنظام الأسد. خِبرتُه في حفر الأنفاق والخنادق كانت سبباً لاستدعائه للإشراف وتقديم المشورة أثناء القيام بهذه الأعمال على الجبهة أو عند ارتكاب المجازر.
كان نجيب في فيديوهات المجزرة يقف على حافّة القبر الجماعي، يدخن سيجارةً ويبتسم للكاميرا صانعاً علامة النصر بيده. لم يكن يُظهِر أي ضيقٍ على الإطلاق بينما يتم إعدام جيرانه الذين أمضى حياته بينهم، ويرمون في الحفرة. ما عرفناه عن نجيب أنه كان متواضعاً وذكياً، مستمعاً جيداً ومحبوباً من الجميع. وكأنه لم يُظهِر أبداً كراهيته وجانبه المظلم لأحد.

نجيب اثناء المجزرة
لا يمكنك توقّع أنه سيفعل ذلك. لقد صُدِمتُ عندما رأيت الفيديو» يقول أحد الأشخاص الذي كان يعرفه. مع هذا فقد كان لنجيب أعداء. مات نجيب أثناء حفر نفق على الجبهة في العام 2015. ولا يزال سبب موته مثارَ جدلٍ حتى هذه اللحظة، فهناك من يعتقد أنه كان اغتيالاً دبّره له خصومه، وهناك من يلقي اللوم في موته على المعارضة.
صُمّمتْ مجموعات الشبيحة منذ إطلاقها لتكون قوةً ميليشياويةً فضفاضة، وبِنيّةٍ مُسبقة أن يستحيل تقفّي أثرها بحيث يتم ربطها مع قوات النظام الرسمية، وبهذه الطريقة يستطيع النظام (وقد قام بذلك في مناسباتٍ عدة) المحاججة أن مرتكبي العنف كانوا مجموعةً من المتطوعين المدنيين الذين يعملون خارج سيطرته. أدار فادي صقر (اسمه الحقيقي: فادي أحمد) المقرب من القصر الجمهوري هذه الميليشيات في دمشق. فادي كان بلا ذقن، يدخن بشراهة، أنهى دراسته الثانوية فقط، تفضح الهالات السوداء تحت عيونه قلة نومٍ مزمنة. ومع أنه ينحدر من أسرة تملك بعض الحظوة لدى النظام (كان والده ضابط مخابراتٍ سابق) إلا أنه سُجن بتهم فساد قبل اندلاع الاحتجاجات، وعلاقات الوالد مع النظام لم تفلح في إنقاذ ابنه. ويقال إن فادي قتلَ أحد زملائه في السجن قبل أن يحصل على عفوٍ رئاسي خاص بسبب الحاجة لخبراته القمعية مع تزايد زخم انتفاضة 2011. لم يكتفِ فادي بتأسيس مجموعات الشبيحة، بل شوهد بذاته يهاجم المتظاهرين بواسطة سكين. وسرعان ما أصبح وسيطاً مرموقاً للنظام ظهر علناً في أكثر من مرة برفقة بشار الأسد شخصياً. استفرد فادي صقر بالسلطة وأثرى نفسه لدرجة بات يحتقره موالو الأسد أنفسهم. فأمجد على سبيل المثال لم يعبّر إلا عن ازدراءٍ عميقٍ تجاهه.
يأتي بين نجيب الحلبي والعقل المدبر فادي صقر في الترتيب الهرمي للمجموعة قائد الشبيحة في التضامن، وهو رجل خمسيني، متهم بالكثير من جرائم الاغتصاب، بناءً على مقابلات مع ضحايا مباشرين لـ«أبو منتجب» وشهادة زملاء له.ذو شاربين رفيعين، نحيف ومفزع يعرف بلقب أبو منتجب واسمه «صالح ر.». قاد أبو منتجب مرحلةً من الرعب في التضامن، أطلق عليه زملاؤه أثناءه لقب «هتلر سوريا ».
قد يستخدم نجيب كلمة «معلم» لمخاطبة رئيسه المباشر أبو منتجب، ولكن يُحتمل أيضاً أن يستخدم الكلمة نفسها عندما يخاطب -أثناء اجتماعٍ ما- رئيس أركان قوات الدفاع الوطني في القصر اللواء بسام مرهج الحسن. يصعب تمييز بسام الحسن فائق السلطة، والملقب بـ«الخال»، عن أي شخص عادي، لكن لا يجب السماح للمظاهر أن تخدعنا، إذ إن «الخال» قادرٌ على تجاوز أي قرار بناءً على علاقة مقربة جداً تجمعه مع بشار الأسد.
يشرح بحثنا ومقاطع فيديو المجزرة بشكلٍ مكثف وقاطع علاقة التعاون والتواطؤ بين الشبيحة وأعلى مستويات الأجهزة المخابراتية.

فادي صقر وأبو منتجب وأبو علي حكمت
تطهير الريف الجنوبي
تركّزَ النقاش العام خلال سنوات الحرب حول الاشتباكات والقصف النظام الجوي العنيف على مناطق سيطرة المعارضة.
لكن بالمقابل بقيت مناطق سيطرة النظام على الجهة الأخرى من خط الاشتباك منسية. في حين أظهر فيديو التضامن، ومقابلاتنا مع جناة الحرب، وشهادات الناجين، أن ما حدث في التضامن قد ارتقى لعملية تطهير وحشية. فعندما تعمّقنا في البحث، أدركنا أن المجزرة كانت جزءاً من عملية موسعة ارتكبها النظام للتدمير والتطهير في أحياء دمشق الجنوبية. ولم تقتصر عملية الإبادة على المستوى المحلي في هذه المنطقة على نمط المجازر هذا، بل توسعت لتشمل على الأقل أربعة أنماط من العنف: القتل الجماعي الممنهج، والسجون، والاعتداءات الجنسية، والاستغلال الاقتصادي.
الفيديوهات التي بين أيدينا هي نموذج مصغّر عن عمليات القتل المُمنهجة والصامتة في المنطقة الواقعة تحت سيطرة النظام. عندما تسلّحت المعارضة وسيطرت على جزءٍ من التضامن في الثاني عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، بدأ النظام عمليةً متكاملةً من العزل والسيطرة. وأعطى الفرع 227 لمن سَمحَ لهم بالبقاء في الحي أذوناتٍ أمنية عن طريق قادة الدفاع الوطني المسيطرين على الأحياء. وكانت هذه الأذونات مطلوبةً لأجل أي نوع من النشاط، سواء كان عناية طبية مستعجلة أو زيارة صديق. كما نشر الفرع 277 بطاقاتٍ خاصة للمقيمين في الحي، وكانت على نوعين: الصفراء للمقيمين في حي دفّ الشوك، وأما الزرقاء للمقيمين في حي التضامن. واحتوت هذه البطاقات على معلومات عن حاملها: اسمه وعنوانه وأعضاء عائلته ومكان الولادة، وغيرها. وبذلك يكون الفرع قد أسس لنظام مراقبة وسيطرة موسع، وجمعَ معلوماتٍ مفصلة ودقيقة حول المقيمين في الحي.
لقد تم أخذ الضحايا الأوائل في المجزرة من منازلهم أو الشوارع في التضامن سيراً على الأقدام، إلى أماكن قريبة من مقار إقامتهم، حيث قتلوا وبقيت جثثهم في مكان تنفيذ المجزرة بحيث يمكن التعرف عليهم. وقد أظهرت فيديوهات ما بعد القتل أنه قد تم إطلاق النار على الضحايا عن قرب. هؤلاء الضحايا لجرائم النظام قد تم تجاهلهم، واستُخدمت هذه الفيديوهات في حرب السرديات بين المعارضة والنظام.
بعد تشرين الثاني 2012، كان الضحايا يُؤخذون إلى مواقع محددة للإعدام، إما مشياً على الأقدام أو بالحافلات (السرفيس). ثم يُطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر من الخلف، وتُحرق جثثهم حتى تصبح رماداً. وقد ظهرت هذه الطرق في القتل نتيجة حاجة جناة الحرب إلى طمس جرائمهم، والتخلّص من جثث الضحايا المكدسة في الشوارع. وعلى إثر ذلك، أسس كل أمير حرب موقعه الخاص للقتل. أدار أمجد واحداً، ولكن تفيد العديد من الشهادات التي أُخذت من الحي بأنّ شخصاً مثل «إبراهيم ح.» المعروف باسم «أبو علي حكمت»، وهو قائد في الدفاع الوطني وعضو سابق في سرايا الدفاع، كان يمتلك مقبرته البدائية لحرق جثث الضحايا الذين اعتقلهم من على الحواجز أو من مستشفى المجتهد. حتى إن جنوده يتفاخرون حول قدراته المضبوطة في قتل الناس وتدمير الدلائل، مدعين أن مجموعته قتلت أكثر من ثلاثين ألف مدني بين العامين 2012 و2015. هناك مبالغة على الأغلب في هذا الادعاء، ولكنه يعكس حجم العنف الممنهج في التضامن كما تصفه شهادة أحد المقيمين في الحي: «كنا نشم رائحة حديد واخزة نتيجة حرق الجثث كل يوم».
أما النمط الثاني للعنف في التضامن فهو السجون. تحوّلَ التضامن مع نهاية العام 2012 إلى سجن كبير بحجم الحي، مع تواجد ما يزيد على ستين حاجز وموقع أمني. حيث ازدادت حواجز الأمن العسكري – الفرع 227 والدفاع الوطني، وتمركزت حول مداخل الحارات في الجزء من الحي الممتد بين شارع الجلاء وخط المواجهات، والذي لا تزيد مساحته عن كيلومترٍ مربع واحد. وبنى قادة الدفاع الوطني جدران قسّمت الحي إلى خمس عشرة منطقة أمنية، ووثّقوا وسجلوا المدنيين المقيمين هناك. ما جعل من هذه المناطق غيتوهات خاصة تخضع لسيطرة وقواعد إدارة كل منهم. بما في ذلك السيطرة على أملاك المدنيين من منازل ومحال وتحويلها إلى سجون سرّية، تُستخدم لاحتجاز المدنيين وتعذيبهم. حتى إن نائب مدير مكتب المعلومات للدفاع الوطني، وصف التضامن بـ«مثلث برمودا» لأن كل من يدخل إليه يختفي. وقد أضاءت الفيديوهات والمقابلات التي أجريناها على حملة اعتقال واسعة في التضامن: أظهرت ثلاث من الفيديوهات تعذيباً شديداً لضحايا مدنيين في منازل خاصة، من ضرب وجلد وحرق وصعق كهربائي وتعذيب نفسي. كما مارس جناة الحرب، بمن فيهم أمجد يوسف ونجيب الحلبي، تعذيباً قاسياً وتجريبياً بغرض الاستمتاع بمعاناة الضحايا. وتشير جميع المعطيات بأن اللواء بسام الحسن كان على علم بهذه السجون، كما أشرف عليها وشجّعَ الجناة.
النمط الثالث للعنف في التضامن هو العنف الجنسي الذي كان سياسةً ممنهجة. حيث أخبرتنا إحدى الناجيات التي أجرينا معها مقابلةً شخصيةً أنها ذهبت إلى مقر الفرع 227 في شارع دعبول لتسأل عن مصير أحد أقربائها، وكان أمجد يوسف يجلس على كرسيه خلف المكتب في ضوء الغرفة الخافت ويدخن السجائر بينما كانت تسمع أصوات التعذيب من الغرفة المجاورة. أصغى أمجد يوسف لها بتمعّن، ووعدها بأن يطلق سراح قريبها بشرط: «إما أن تمارسي معي الجنس أو عليك نسيانه». ومنذ ذلك اليوم اغتصب أمجد هذه المرأة. ولم تكن هي الضحية الوحيدة، كان هناك أيضاً ضحايا كثيرات من أقربائها وجيرانها، وحتى أزواجهنّ كانوا عرضةً للاغتصاب والعنف الجنسي من قبل المخابرات والشبيحة. كما تسبّب خطف الشبيحة الممنهج للرجال في الحي بانتشار جوٍّ من الخوف، وعزّزَ من ذلك الوضعُ الهشُ الذي تخضع له هؤلاء النسوة، مما أجبرهنَّ على مفاوضة الجناة لأجل النجاة، والموافقة بدون رغبة على علاقات جنسية معهم، أو بمعنىً آخر على عبودية جنسية. أما الرجال في الحي فقد اختبروا نوعاً مماثلاً من العنف الجنسي خلال فترات السجن والتعذيب. كان الرجال يُعتَقلون بسبب الاشتباه في علاقتهم بالمعارضة، ولكن ذلك كان في أحيان كثيرة بغرض ابتزاز نساء العائلة.
النمط الرابع والأخير هو السخرة والاستغلال الاقتصادي. مع تصاعد الاشتباكات على خط النار في عام 2013، اعتقل المخابرات والشبيحة الرجالَ من الطائفة السنية من التضامن ودف الشوك ومناطق أخرى، واستخدموهم للسخرة في حفر الأنفاق وبناء الحواجز والجدران على خط الجبهة، مُعرَّضين لنيران فصائل المعارضة. وأما الذين نجوا من المعاناة والمناوشات، فقد أُطلقت عليهم النار وأُحرقت جثثهم. وكان للسخرة هدف عسكري واقتصادي أيضاً، فقد شكلت استثماراً مثمراً لتجار الحرب وقادة المخابرات. إذ كان على المدنيين دفع مبلغ مليوني ليرة سورية للحواجز العسكرية للهرب من السخرة.
من الأشكال الأخرى للعنف والقمع الاقتصادي في "التضامن" هو المصادرة غير المشروعة لأملاك المدنيين. ازدهر سوق العقارات بعد أن نزح المدنيون من مناطق سيطرة فصائل المعارضة إلى التضامن، فصادر قادة الشبيحة والمخابرات ملكيات القتلى والمُرحلين قسراً من الضحايا، وتم تأجير ملكياتهم في سوقٍ العقارات، تحت حجج كمساعدة أسر الشهداء من الجيش والنازحين أو للضرورات العسكرية. على سبيل المثال: صادر أمجد ورئيسه أكثر من ثلاثين عقاراً في التضامن، وما زالوا يستثمرونها حتى يومنا هذا.

لماذا؟
شكَّلَ الضحايا عبئاً أخلاقياً وعاطفياً كبيراً علينا، لأننا كنا نعلم بمصيرهم في وقت كانت عائلاتهم تجهله. لقد كنا في مأزقٍ صعبٍ ومضاعف: أن نعرف، ولكن علينا الصمت وألا نخبر أي أحد.
أردنا تحديد هوية الضحايا، لكن كان علينا أن نشارك الناس صورهم. كلما شاهدنا الفيديو أكثر، كنا نتساءل: هل نريد أن نرى لحظات أحبّائنا الأخيرة؟ كان معظم هؤلاء الضحايا منسيين ومُهمشين.
ركَّزَ الإعلام العالمي على المعاناة في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، بينما كان الأسد يعمل على التغطية على جرائمه وتعميم الصمت المميت على المجتمع السوري. أحدث ذلك خللاً حتى بالنسبة للضحايا، نتيجة قلة المعرفة عن آلامهم ومعاناتهم بسبب الخشية من «العار» والخوف والعجز والقمع المستمر. حتى أن إحدى الضحايا تساءلت بتعجّب: «هل كان ذلك اغتصاباً؟». وفي هذا السياق، أعطت مقابلات التاريخ الشفوي التي أجريناها الفرصة للناجين، ليس فقط لزيارة ذاكرتهم حول العنف، وإنما أيضاً للتأكيد على هوية الضحايا.
في النهاية نستطيع القول إن هذه الفيديوهات مميزةٌ بالمقارنة مع الفائض من فيديوهات العنف التي انتشرت من سوريا خلال النزاع، فقادة المخابرات الذي يكتبون التقارير لبشار الأسد ظهروا بوجوههم الواضحة يتعاونون مع الشبيحة في توثيق جرائمهم ضد مدنيين عزل. لكن لماذا فعلوا ذلك؟
من جهة، لا يمكن تحليل هذه الفيديوهات والنظر إلى مطلقي النار بمعزل عن السياق الموسَّع لحصانة أجهزة المخابرات السورية والميليشيات الخاضعة لسلطة بشار الأسد المباشرة. وإذا ما أخذنا مجرمي الحرب على محمل الجد، فقد اعتبروا هذه المجازر جزءاً من التضحية المنبثقة من الانتقام لرفاق السلاح، مثل هشام عيسى وعمار عباس، زميلَيّ أمجد اللذين قتلا في وقت سابق. قال أمجد في أحد الفيديوهات، وفي المقابلة، إنه انتقم لأخيه الأصغر نعيم، الذي مات في داريا. وفي تصوير الجناة لهذه الفيديوهات نوعٌ من التذكار، وأيضاً دليلٌ على أنهم قد أتمّوا عملهم، وكان لأفعالهم هذه تأثيرٌ عميقٌ ومدمّرٌ على "التضامن".