

يقدّم المطعم الموجود في حي المزّة وجبات روسية، يشرف على إعدادها "شيفان روسيان"، وبدأت القصة حوله عندما تم الإعلان عن افتتاحه قبل أيام، ومن جانب الحضور، خبيرة التجميل والأزياء السورية، لمى الرهونجي.
وضمن سلسلة من التسجيلات المصورة التي نشرتها عبر حساباتها، وجهت خبيرة التجميل تحية لـ"المدام لونا الشبل على الدعوة الكريمة"، بينما نُشرت تسجيلات أخرى عبر صفحة المطعم الرسمية، أظهرت حضور الشبل إلى جانب، محمد، ابن زوجها عضو القيادة القطرية لحزب "البعث"، عمار ساعاتي، وشخصيات أخرى تحسب على "الطبقة المخملية في سوريا".
"سيدة الصمود" لونا الشبل تفتتح مطعمها الخيالي الذي تبلغ قيمته ملايين الدولارات في قلب دمشق
أما أنت أخي المواطن السوري الفقير فما عليك سوى "الصمود".
المصدر "بلدي نيوز ميديا" فيسبوك.#سورية pic.twitter.com/BFtlWZ6CMT— IBRA (@1SYR_IBRA1) June 5, 2022
و"الشبل" مستشارة خاصة لرأس النظام السوري، بشار الأسد، منذ سنوات، ودفعت الصور التي نشرت لها في افتتاح المطعم وما رافقها من عبارات "التحية لها" اعتقاد سوريين أن ملكية "كاي كراش تعود لها".
وزادت تلك التصورات بسبب القصة المصورة التي نشرها ابن زوجها ساعاتي، معتذرا فيها للزبائن، وموضحا أن "جميع الطاولات ضمن المطعم محجوزة، حتى الثلاثاء 7 من يونيو الحالي"، ونشر القصة ذاتها الحساب التابع للمطعم عبر إنستغرام.
ومنذ سنوات تشغل الشبل منصب المستشارة الخاصة لبشار الأسد، وهي مدرجة على قوائم العقوبات الأميركية، إلى جانب زوجها، عمار ساعاتي، الذي يعتبر "أحد كبار مسؤولي حزب البعث، الذي قاد منظمة سهلت دخول طلاب الجامعات إلى الميليشيات التي يدعمها الأسد"، بحسب بيان الخارجية الأميركية، في آب/ أغسطس 2020.
وطالت العقوبات، في ذلك الوقت أيضا مساعد الأسد، يسار إبراهيم، "لجهوده في منع أو عرقلة الحل السياسي للصراع السوري"، ووفق الخارجية فإنه "قام باستخدام شبكاته في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، لإبرام صفقات فاسدة تثري الأسد، بينما يموت السوريون من نقص الغذاء والدواء".

لونا الشبل في حفل افتتاح المطعم مع محمد عمار ساعاتي
وحتى الآن لم تعرف ملكية المطعم الذي اكتملت تجهيزات افتتاحه قبل شهرين بالتحديد، بحسب يقول مصدر صحفي من العاصمة دمشق لموقع "الحرة".
لكن، وفي أعقاب حالة الجدل الكبيرة نشرت الصفحة الرسمية له منشورا، الاثنين، جاء فيه: "نشكر كل من أشاد بعد زيارة المطعم وكل من انتقد حتى قبل التجربة، لأن الحالتين ساهمتا بانتشار فكرة مطعم كراي الروسي الأول في سوريا".
وأضافت: "بانتظار زيارتكم لنعيش معا تجربة غنية".
بدوره أوضح الدكتور في الاقتصاد، كرم شعار، وهو مدير الأبحاث بمركز السياسات والعمليات، ومدير برنامج سوريا في مرصد الشبكات الاقتصادية والسياسية، أن المطعم من "إحدى ملكيات علي نجيب إبراهيم"، الذي ورد اسمه في تحقيق نشرته "الغارديان"، قبل أشهر، بعنوان: "سوريا تستخدم متاهة الشركات الوهمية لتجنب العقوبات على نخبة نظام الأسد".
وكان شعار قد أورد نسخة عن ملكية المطعم في منشور عبر فيسبوك، قال فيه: "نشر العديد من السوريين أن لونا الشبل افتتحت مطعما روسيا بسوريا منذ بضعة أيام. في الواقع الخبر خطأ والمطعم من أحد ملكيات علي نجيب ابراهيم الذي غطينا أنا والصحفية تيسا فوكس نشاطاته في مقالنا في الغارديان مؤخرًا".

ويقول شعار : "ما حصل بخصوص قصة المطعم أمر يستحق المتابعة والتحقق. من الواضح تماما أن هناك حلقة من الأشخاص الموجودين من القصر الجمهوري النشطين اقتصاديا بشكل كبير جدا".
ويتابع: "هنا نتحدث عن يسار إبراهيم وأخته نسرين وعلي نجيب إبراهيم، شريك يسار ولونا الشبل وزوجها عمار ساعاتي".
"هؤلاء الأشخاص جميعا علاقتهم مع القصر مباشرة ويومية مع بشار الأسد وأسماء الأسد. يتعاونون مع بعضهم البعض اقتصاديا. ويبدو أن الأقوى من بينهم يسار المتنفذ اقتصاديا، والذي يدير عمليا عملية ابتزاز الصناعيين والتجار في سوريا".
وكان اسم "علي نجيب إبراهيم" ورد في قرار وزير التجارة الداخلية في حكومة النظام السوري، رقم "2871"، وحينها صدقت الأخيرة على شركته المسماة بـ"ناش كراي". التي تتطابق مع اسم المطعم المذكور.
وسمح القرار لهذه الشركة باستيراد وتصدير جميع المواد المسموح بها قانونا، ودخول المناقصات والمزايدات والتعاقد مع القطاع العام والخاص والمشترك، وتمثيل الشركات العربية والمحلية لتحقيق غاية الشركة.
ويرى شعار أن تطابق اسم الشركة مع اسم المطعم "ليس صدفة"، وبذلك هو "مُلك على الورق على الأقل لعلي نجيب إبراهيم".
منذ عام 2018، خرجت الكثير من الأسماء إلى الواجهة الاقتصادية في سوريا، وكان أبرزها يسار إبراهيم المعاقب أميركيا.
ويملك إبراهيم وشقيقته نسرين عشرات الشركات باسمه الشخصي، مثل "شركة البرج للاستثمار"، وشركة "زيارة للسياحة"، والشركة "المركزية لصناعة الأسمنت"، و"كاسل انفستمنت" القابضة، وشركة "وفا للاتصالات".
ومع خلافات عائلة الأسد مع رامي مخلوف وعائلته، عُيّن إبراهيم مديرا للمكتب المالي والاقتصادي في رئاسة الجمهورية.
أما "علي نجيب إبراهيم" فهو شريك في ملكية شركة "Tele Space"، وهي شركة مملوكة جزئيا لـ"وفا للاتصالات"، التي تم ترخيصها في أوائل عام 2021 لتصبح ثالث مشغل اتصالات في البلاد.
ويتقاطع اسم الشخصيتين في العديد من الشركات، بينها شركة "يو تل"، "شركة البرج"، وشركات أخرى، في مقدمتها "وفا للاتصالات".
وكان التحقيق الذي نشرته "الغارديان"، في مارس 2021 كشف عن توجه جديد لرجال الأعمال المقربين من النظام السوري، إذ أصبحوا يتبعونه للتهرب من العقوبات الغربية.
وهذا التهرب جاء عبر إنشاء شركات وهمية لتجنب العقوبات المفروضة عليه، وفقا لوثائق رسمية.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن "علي نجيب إبراهيم" يعتبر أحد المالكين الثلاثة للشركات الوهمية الجديدة، وهو شريك في ملكية شركة "Tele Space"، وهي شركة مملوكة جزئيا لـ"وفا"، التي أصبحت ثالث مشغلات الاقتصاد في البلاد.
وهناك شخصيتان أيضا هما: رنا أحمد خليل (20 عاما)، وريتا أحمد خليل (21 عاما)، وهما ابنتا أحمد خليل، الذي يمتلك نصف شركة "Tele Space"، بالشراكة مع علي نجيب إبراهيم.
وتواصل موقع "الحرة" مع رقم الهاتف الذي تتيحه الصفحة الرسمية لمطعم "ناش كراش"، للحصول على تعليق بخصوص الجدل الدائر، إلا أنه لم يتلق ردا حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
في المقابل، يشير الدكتور في الاقتصاد، كرم شعار، إلى أن "حلقة محيطة بالقصر تدير الوضع الاقتصادي بشكل مباشر. برأيي هي تعكس تغيراً في عقلية بشار الأسد في إدارة الاقتصاد السوري".
وفي السابق كان الأسد على قناعة أنه "يمكن أن يبقى بعلاقة غير مباشرة مع متنفذين اقتصاديين في سوريا أو حتى بعلاقات مركبة ومعقدة كرامي مخلوف ابن خالته".
لكن في الوقت الحالي "توجه إلى شكل أبسط ومباشر بشكل أكبر".
ويتابع شعار: "لديه أربعة أو خمسة أشخاص على علاقة مباشرة معه، ويعلمون بطريقة مبسطة ومسطّحة".
وبوجهة الباحث السوري فإن "النظام السوري وصل إلى مرحلة من الاحترافية في تجنب العقوبات".
وذلك ما أشار إليه في وقت سابق وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة النظام، محمد سامر الخليل، ناصحا الأجانب بعدم الظهور بأسمائهم الحقيقة في السوق المحلية.
وفي أكتوبر 2021، قال الخليل خلال مؤتمر صحفي، إن الالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام السوري أصبح "حرفة سورية"، مشيرا إلى أن الشركة التي تخشى من العقوبات يُمكنها أن تظهر بغير اسمها الحقيقي، وأن هناك شركات لا تخشى موضوع العقوبات كونها لا تتعامل مع الغرب.
في غضون ذلك كان لافتا خلال السنوات الماضية التقارير الإعلامية الروسية التي سلّطت الضوء على المقاهي والمطاعم الروسية التي باتت تنتشر في المحافظات السورية، وبالأخص مدينة اللاذقية.
في عام 2015 افتتح مطعم ومقهى روسي في مدينة اللاذقية بهدف الاستفادة من العمال الروس الموجودين في القاعدة الجوية حميميم ودعم الاقتصاد، حسبما نشر موقع قناة "روسيا اليوم"، حينذاك.
وبعد هذا التقرير نشرت وكالة "فرانس برس" تقريرا مصورا أشارت فيه إلى أن الأعلام والمأكولات الروسية باتت تغزو مطاعم ومحال اللاذقية السورية، وأن التواجد العسكري الروسي ينشط الاقتصاد والمبيعات في اللاذقية، بينما تسعى المؤسسات التجارية إلى "استقطاب الجنود الروس".
لكن في العاصمة دمشق قد يختلف الواقع، عند النظر إلى طبيعة التواجد الروسي فيها.
وبينما يؤكد مدير تحرير موقع "صوت العاصمة"، أحمد عبيد، أن مطعم "ناش كراش" هو الأول من نوعه في دمشق، يشير في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه لا يبعد كثيرا عن "مقر تجمّع القوات الروسية بدمشق".
وتحدث الصحفي السوري عن الكثير من "المطاعم الفارهة" التي باتت ملاحظة في العاصمة، موضحا أن مرتاديها "ضباط ومسؤولون كبار وأيضا من الروس المتواجدين في دمشق".
وهذا المشهد يقابله مشهدٌ يوصف بـ"الأسوأ" بالنسبة للسوريين، حيث أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، في يناير الماضي، أن 90% من السوريين تحت خط الفقر، بينما يعاني 60% من "انعدام الأمن الغذائي".
ومنذ عقود لطالما بقيت البنية الاقتصادية للنظام السوري وطبيعة إدارته لها "طي الكتمان" من جانبه، فيما لا يعرفها القسم الأعظم من السوريين.
لكن، وخلال السنوات الماضية اتجه صحفيون وباحثون للتركيز على هذا المسار، عبر إنجاز أبحاث وتحقيقات تتعلق بشكل أساسي بـ"شركات النظام السوري الوهمية"، وطرق التهرب من العقوبات الغربية المفروضة عليه.
ومن أحدث المشاريع المرتبطة بذلك "مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية"، والذي يعرّف عن نفسه بأنه "أداة تمكن السوريين من وصل النقاط ببعضها ونسج المعرفة لاستکشاف ما یربط المرکبات السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة والأمنیة والعسکریة لجميع الأطراف في سوریا، کخطوة إضافیة نحو بناء مجتمع ودولة أکثر عدلا وعافية".
وبين الفترة والأخرى ينشر المرصد إنفوغرافات وصورة توضح هرمية البنية الاقتصادية للنظام السوري في سوريا، والشخصيات التي تتهم بالتهرب من العقوبات.
ويقول الباحث شعار: "كثير من جوانب العلاقات السياسية والاقتصادية مظلمة بالنسبة كسوريين".
ويضيف: "من الضروري للوصول إلى التغيير أن تكون الخطوة الأولى هي أن نبدأ. وأن يعرف السوريين ما يحصل. على الأقل أن نكشف كل شيء على العام".
"تخيّل أننا في بلد (28 مليون نسمة) في داخل وخارج سوريا لا أحد يعرف من يملك سيرتيلّ. نعرف أنه لرامي مخلوف. لكن من له الحصّة الأكبر؟".
ويوضح شعار: "بالنسبة لنا نحاول أن نعمل عملا بحثيا مرتبطا بالاقتصاد السياسي لسوريا. بالدرجة الأولى هدفنا رفع الوعي المجتمعي في سوريا، ومساعدة السوريين في فهم بنية النظام".
في المقابل، يتابع الباحث: "نحاول أن نضغط على صانعي السياسة بالدول الغربية أو ببعض الدول العربية، لمساعدتهم في فهم جوانب العقوبات والتهرب منها، والقصص المرتبطة بالمخدرات وغير ذلك".
في غضون ذلك يصف مؤسّس الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية "سراج"، محمد بسيكي، دائرة الشخصيات الاقتصادية المرتبطة بالنظام بـ"المقاولين" على حد أكبر من "رجال الأعمال".
ويوضح بسيكي لموقع "الحرة": "كون أن هدفهم تنفيذ خطط النظام في الجانب المالي بشكل أساسي من أجل خلق سلطة على الأموال أينما وجدت في الإقليم والعالم والمنطقة العربية، وغير ذلك".
وهذه الطبقة من "المقاولين" والشركات التي أسسوها لها هدفان أساسيان، الأول بأن "النظام بحاجة إلى دماء جديدة في الدائرة الضيقة حوله، من أجل مساعدته على تجاوز آثار تجاوز العقوبات".
ويأتي هذا التجاوز "من خلال فتح قنوات باتجاهين (إرسال أموال للخارج واستقبال)".
ويوضح بسيكي أن إرسال الأموال يعني "فتح شركات كواجهة حول العالم، من شأنها أن تسهل حصوله على البضائع والمنتجات والأمور المالية".
إضافة إلى ذلك تكمن "أهمية الدماء الجديدة"، من أجل تبديل الوجوه الاقتصادية التي تم الاستغناء عنها بعد 2011، وزاد الصحفي: "في هذا العام أصبحت لدينا طبقة رجال أعمال جديدة".
"الطبقة الجديدة التي وجدت هي واجهات أساسية لشخصيات نافذة موجودة في الدائرة الضيقة للنظام، وهدفها تسهيل الحصول على الأموال، وبالتالي البقاء على قيد الحياة بالأمور المالية"، يقول بسيكي.
ويشير مؤسس الوحدة الاستقصائية إلى أن "الشركات الوهمية معظم نفوذها وسطوتها في داخل سوريا والسوق السورية"، وأن "نخبة رجال الأعمال وسيدات الأعمال الذين ظهروا قد يتبدلون بعد فترة".
"هؤلاء هم واجهات بطربوشين"، بحسب تعبيره، وزاد: "الأول لتحقيق منفعة داخلية والثانية لتحقيق مآرب أخرى للنظام".