الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

البرنامج النووي الإيراني، والموقف الأميركي الراهن في الإقليم

إدارة بايدن تواجه لحظة حاسمة تتعلق بالموضوع النووي وبمكانة الولايات المتحدة إقليمياً ودولياً

فائز السعدون
الثلاثاء 2 مارس, 2021 10:55
بحوزة إيران أكثر من 14 ضعفاً لما هو مسموح به لها من اليورانيوم المخصّب.
بحوزة إيران أكثر من 14 ضعفاً لما هو مسموح به لها من اليورانيوم المخصّب.
 
ملاحظة تمهيدية من رئيس التحرير:
هذا ليس مقالاً صحفياً اعتيادياً، بل استراتيجية متكاملة للتعامل مع الموضوع مدار الحديث.
وإذ أهنئ الكاتب، وهو الدبلوماسي المحترف الخبير بشؤون إيران عن معايشة دامت سنوات، إذ أهنئه على هذه الرؤية الواضحة والدقيقة، أتمنى عليه أن تكون محور بحث موسع،  فهي تستحق وهو قادر.
مصطفى كامل
....

عرض الاتحاد الأوروبي اقتراحاً لعقد اجتماع لمجموعة 5+1 حول الملف النووي الإيراني تحضره الولايات المتحدة وإيران من أجل فتح باب المفاوضات حول الملف بعد اعلان إيران توقفها عن الالتزام بأحكام البروتوكول الاضافي المتعلق بعمليات التفتيش المفاجئ.

رفضت إيران مشاركة الولايات المتحدة قبل قيامها برفع العقوبات التي فرضتها ادارة دونالد ترمب في اطار سياسة الضغوط القصوى ضد إيران، وذهبت إلى أبعد من ذلك بالتلويح بأنه يتعيّن على الولايات المتحدة دفع تعويضات لإيران عن الأضرار التي نجمت عن تلك العقوبات.

ستزداد إيران عدوانية تجاه جيرانها، وخاصة دول الخليج العربي، التي كرّست قدراً كبيراً من قوتها الصلبة والناعمة من أجل زيادة نفوذها وتأثيرها على سياساتها.

مالذي يدفع إيران إلى اتخاذ هذا الموقف المتصلب في الوقت الذي تواجه فيه أوضاعاً اقتصادية متردية نجمت عن العقوبات الأميركية التي تصرّ إدارة جو بايدن على بقائها حتى الانتهاء من جولة جديدة من المفاوضات بهدف توسيع نطاق الاتفاق ليشمل الملف الصاروخي وملف السياسات الإقليمية، اضافة إلى إطالة المُهل الزمنية الخاصة ببعض جوانب الأنشطة النووية الإيرانية التي وردت في اتفاق عام 2015 الذي تكرّس بقرار أممي بموجب قرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 2231.

اياً كانت دوافع الموقف الإيراني فإن الادارة الأميركية الحالية تواجه لحظة حاسمة فيما يتعلق بالموضوع، اضافة إلى كونها لحظة حاسمة بالنسبة لمكانة الولايات المتحدة إقليمياً ودولياً.

هذا الموقف هو جزء من تداعيات القرار غير المسؤول وغير المدروس الذي اتخذته ادارة ترمب بالانسحاب من اتفاق عام 2015 رغم معارضة البنتاغون ووزارة الخارجية المستندة إلى إقرارٍ بأن إيران كانت، حتى صدور القرار، ملتزمة من الناحية الفنية البحتة بأحكام الاتفاق.

مواصلة إيران مساعيها الهادفة لامتلاك قدرات نووية عسكرية سيمثل انتكاسة كبرى لسياسات منع الانتشار النووي، ويزيد من شكوك أصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها في مدى قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على تطور الأحداث في المنطقة.

لقد كان التزام إيران بتلك الاحكام يؤمّن بقاء نشاطها النووي مجمداً عند نقاط محددة ومعروفة، وقابلة للتحقق منها بموجب نظام صارم للرقابة والتفتيش وفق ما ينص عليه البروتوكول الاضافي الملحق باتفاقية حظر الانتشار النووي، وهنالك مدد زمنية محددة لهذا التجميد تتراوح بين خمس إلى 25 سنة بحسب نوع كل جانب من جوانب البرنامج النووي، وكان من الأولى، بدلاً من الانسحاب، الشروع في جهد دبلوماسي دولي جماعي ومنسّق من أجل فتح باب المفاوضات مجدداً لتأمين توسيع نطاق الاتفاق، وإضافة مدد زمنية أطول مما هي عليه في الاتفاق القائم.

لقد كان الانسحاب، دون خطة بديلة تحظى بإجماع دولي، فرصة انتهزتها إيران للتحلل من قيود الاتفاق والعودة إلى إحياء العمل بمنشآت نووية تم إغلاقها أو تحويلها إلى أغراض أخرى أكثر أمناً.

يقدّر خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن بحوزة إيران حالياً ما يزيد عن 14 ضعفاً لما هو مسموح به لها من اليورانيوم المخصّب، وبدرجات تتراوح بين 3.5 % إلى 20 %، وهي نسب تزيد في بعضها أيضاً عما هو مقرر في اتفاق عام 2015، وتلوّح بعض أطراف السلطة الإيرانية إلى احتمال رفع درجة التخصيب حتى نسبة 60 %؛ كل ذلك يعني عملياً تقليص الفترة اللازمة لاجتياز العتبة النووية إلى أسابيع، أو أشهر قليلة في أحسن الاحوال، بدلًا من سنة، على الأقل، ضَمَنَها اتفاق عام 2015؛ وازاء عدم واقعية الخيار العسكري حينها لإيقاف عمليات التخصيب النووي، لعدم توفر القدرة أو الارادة، فإنَّ تجميد برنامج التخصيب عند حدود 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بدرجة 3.7 % كحد أعلى كان يمثل حلاً مثالياً لعدة سنوات يتم خلالها العمل على تحسين وتوسيع الاتفاق.

ما يبدو عليه قادة إيران من استعداد لعقد الصفقات والتسويات السياسية مع الخصوم الغربيين لا ينبع من استعداد ذهني في ادارة ملفاتهم السياسية، أو معايرة القرار السياسي وفق مقتضيات المصالح والواقعية، بل ينبع من تصنيفٍ لدرجة العداء مع الآخرين، ومن اعتقاد مذهبي بجواز الاستعانة "بكافر على من هو أشد كفراً".

تعني حيازة إيران حالياً على أطنان من اليورانيوم منخفض ومتوسط التخصيب، والشروع في عمليات انتاج فلز اليورانيوم في أربعة مرافق للتخصيب، وبعضها لم يعلن عنها من قبل، واكتشفها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل عدة أيام عن طريق الصدفة، تعني عملياً أن فترة الاقتراب من عبور العتبة النووية من قبل إيران باتت أقصر بكثير، وبحساب بسيط يمكن الافتراض أن بوسع إيران حيازة عدة شحنات من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 90 % الصالح لانتاج أكثر من سلاح نووي خلال فترة لا تزيد عن بضعة أشهر، يقدرها الخبراء (الاسرائيليون) بستة اشهر كحد أقصى، أخذاً بالاعتبار أن وحدات التخصيب المتيسرة لدى إيران لا تعمل حالياً بكامل طاقتها، لأن إيران قامت بالتوسّع المتدرّج في إعادة وحدات التخصيب للعمل رداً على العقوبات التي فرضتها بالتدريج ادارة ترمب بعد اعلان انسحابها من الاتفاق النووي.

ويعني ذلك عملياً أن إيران تقترب حثيثاً من امتلاك القدرة الكاملة على انتاج سلاح نووي، وإن تم ذلك فإنه يرتّب تداعيات خطيرة على الولايات المتحدة وعلى دول الإقليم ونظامه الأمني، ولعل أهمها:

  1. ان إيران ستزداد عدوانية تجاه جيرانها وخاصة دول الخليج العربي التي كرّست طهران قدراً كبيراً من قوتها الصلبة والناعمة من أجل زيادة نفوذها وتأثيرها على سياساتها.
  2. ستعزز إيران من نشاطاتها الداعمة للفصائل المسلحة التي نشرتها في طول المنطقة وعرضها، وقد تلجأ هذه التنظيمات إلى تكثيف نشاطاتها المسلحة ضد شركاء الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين، وذلك من شأنه زيادة مخاطر نشوب نزاعات مسلحة في المنطقة، مع تجنب إعلان الولايات المتحدة أية التزامات محددة ازاء عمليات إيران أو عمليات وكلائها العدوانية، باستثناء سلامة القوات الأميركية والمواطنين الأميركيين باعتبارها خطوطاً حمراء.
  3. من المرجّح، إزاء حالة العجز الأميركي، أو عدم توفر الإرادة، إزاء النشاطات المزعزعة للاستقرار التي تمارسها إيران ذات القدرات النووية ووكلائها، إلى نشوء حالة سباق لامتلاك قدرات نووية مكافئة من جانب دول رئيسية في المنطقة مثل مصر والسعودية وتركيا.
  4. إن مضي إيران قُدُماً في تصعيد نشاطاتها النووية وحيازة قدرات نووية عسكرية، كامنة أو متحققة، سيقود حتماً إلى زرع بذور عدم الاستقرار في النظام الإقليمي، وقد يؤدي ذلك إلى بذل مختلف الأطراف جهوداً من أجل إعادة صياغة هذا النظام، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر جمة تعرض أمن الإقليم الذي يعاني أصلاً من حالة عدم استقرار.
  5. إن مواصلة إيران مساعيها الهادفة لامتلاك قدرات نووية عسكرية، كامنة أو متحققة، سيمثل انتكاسة كبرى لسياسات منع الانتشار النووي، ومن شأن ذلك أن يزيد من شكوك أصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها، على حد سواء، في مدى قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على تطور الأحداث في المنطقة؛ وسيدفع ذلك أصدقاء الولايات المتحدة إلى الابتعاد عنها بحثاً عن حلفاء أكثر موثوقية، كما سيدفع اعداءها إلى مواقف أكثر عدوانية تجاه مصالحها ومحطات تواجدها العسكرية وغير العسكرية.

إن الحديث عن عزلة قد تجد إيران نفسها فيها إذا واصلت تصعيد نشاطاتها النووية، أو أن مساعيها النووية لن تؤمّن لها حلًا لمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، هو حديث لن يغيّر حقيقة أن دولة آيديولوجية كإيران ستجد في القدرات النووية ضمانة لعدم تعرضها لغزو عسكري وضمانة لأمن نظامها السياسي القائم، وحافزاً لأذرعها المخرّبة في الإقليم.

لقد اكتسب قادة إيران ما يكفي من الخبرة في كيفية التعامل مع العالم وفق حسابات الربح والخسارة، ولكن ذلك لن يمنعهم من السعي الحثيث لحيازة ما يعتبرونه ضمانة في وجه عالم يخاصمونه في الجملة، وهم يعزّزون، بشكل يومي، العقيدة الشعبية السائدة في أوساط اتباعهم المذهبيين بأنهم وحدهم أصحاب الحق والموعودون بالنصر النهائي!

ولعل الأكثر خطورة من بين ما يحملون من معتقدات هي عقيدة الثأر من الخصوم المذهبيين في محيطهم المباشر الذين تُنسب لهم مظلومية تأريخية يتعيّن عليهم دفع ثمنها دماءً.

إن ما يبدو عليه قادة إيران من استعداد لعقد الصفقات والتسويات السياسية مع الخصوم الغربيين ليس مردّه استعداد ذهني لمثل هذا التوجه في ادارة ملفاتهم السياسية، أو معايرة القرار السياسي وفق مقتضيات المصالح والواقعية، بل إنه نابع من تصنيف لدرجة العداء مع الآخرين، واعتقاد مذهبي بجواز الاستعانة "بكافر على من هو أشد كفراً"، ووفق هذه الرؤية قاموا بالاستعانة بالسلاح الصهيوني في حربهم على العراق، لأن اليهود أهل كتاب تمت الاستعانة بهم لمقاتلة من اعتبروه "ملحداً كافراً وهو صدام حسين"، وعلى ذات المنوال قاموا بالتنسيق مع الأميركان بشأن احتلال العراق، ثم إدارة هذا العراق المحتل.

على أميركا أن تكفّ عن العبث غير المفهوم في ملفات الأوضاع في العراق وسوريا ولبنان التي أصبحت ساحة تتفرد فيها إيران وتنشر فيها منظماتها الارهابية المسلحة تحت سمع وبصر واشنطن.

ويبقى وفاؤهم للمعتقد المذهبي هو الأكثر رسوخاً وتأثيراً في سلوكهم السياسي، ومن هنا تحديداً تنبع خطورة امتلاكهم لسلاح نووي أو غيره من أسلحة الدمار الشامل.

وخلافاً للبروباغندا الغربية فإن أول استخدام للسلاح الكيمياوي خلال الحرب العراقية الإيرانية كان من الجانب الإيراني، كما أن الإيرانيين هم من قاموا بقصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي.

تضع ميوعة الموقف الأميركي من مساعي إيران النووية وسياساتها الهادفة لبسط الهيمنة والنفوذ في الإقليم؛ تضع الولايات المتحدة في موقف اختبار دقيق من وجهة نظر ما نفهم انه مصالح أميركية حيوية استناداً لاعلانات أميركية، ولذلك فإنه يتعيّن عليها إعادة النظر في سياساتها في منطقة الشرق الأوسط إن أرادت المحافظة على شبكة علاقاتها ومصالحها من خلال إعلان نوايا واضح وذي مصداقية؛ إعلان يرسم خطوطاً حمراء واضحة حول مساعي إيران النووية ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار، وفي ذات الوقت فإنه يتعيّن عليها العمل على سحب أهم الأوراق التي تناور بها إيران مثل استحواذها في الآونة الأخيرة على ملف قضية الشعب الفلسطيني.

دولة آيديولوجية كإيران ستجد في القدرات النووية ضمانة لعدم تعرضها لغزو عسكري وضمانة لأمن نظامها السياسي القائم، وحافزاً لأذرعها المخرّبة في الإقليم.

وبدلاً من سعي واشنطن لاصطناع مصالحات باهتة بين بعض العروش العربية منتهية الصلاحية والكيان الصهيوني، فإنه يتعيّن عليها اتخاذ مواقف حاسمة وواضحة من سياسات التوسع الاستيطاني الصهيوني في أراضٍ فلسطينية محتلة تلغي أمل الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، كما يتعيّن عليها، كي تحافظ على شبكة علاقاتها ومصالحها، أن تكفّ عن العبث غير المفهوم في ملفات الأوضاع في العراق وسوريا ولبنان التي أصبحت ساحة تتفرد فيها إيران وتنشر فيها منظماتها الارهابية المسلحة تحت سمع وبصر الولايات المتحدة.

الخلاصة أن الموقف برمّته يبعث على الريبة في حقيقة النوايا الأميركية إزاء مساعي إيران النووية، وما لم تبادر الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف حاسم وواضح فإنه يحقّ لنا الشك في نواياها الحقيقية، ومن ذلك افتراض التواطؤ مع إيران لإحداث تغيير ستراتيجي في هوية المنطقة.

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram