الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

سلاح العشيرة العراقية .. من مقاومة المستعمر والمحتل إلى “الدكَة” والفصل العشائري

الجمعة 12 أغسطس, 2022 12:14
السلاح غير الشرعي متوفر بكل أنواعه
السلاح غير الشرعي متوفر بكل أنواعه
 لقي المحامي الشاب حيدر ميثم حسين مصرعه الشهر الماضي في محافظة النجف، أثناء حضوره جلسة عشائرية بمنطقة المزارع بمركز المحافظة، عندما حدثت مشاجرة مع أحد الحاضرين، فقام الأخير بسحب سلاحه ورماه بثلاث إطلاقات ليرديه قتيلاً. وعلى الفور قامت عشيرة المجني عليه بهجوم مسلح على عشيرة القاتل، استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة. ونسب حديث لوالد الضحية قال فيه، إن عشيرته قادرة على أخذ الثأر بهذه الطريقة دون اللجوء للقضاء.

وسبب الحادث فوضى أمنية بغياب تام للأجهزة المعنية. وقال مصدر أمني أن الضحية محام شاب في العشرينات من عمره، وأن الأجهزة المختصة ألقت القبض على القاتل. وقتل شخص آخر بعد ساعات من حادثة المحامي الشاب، أثناء مشاركته بفض نزاع عشائري ثان.

وقال المصدر الأمني، إن “رجلاً قُتل في شارع المدينة، وسط مدينة النجف، أثناء فض اشتباك بين مجموعة أشخاص استخدم فيه السلاح الناري”، وأن “الجناة لاذوا بالفرار بعد مقتل الشخص”.

ورغم إعفاء عدد من الضباط الأمنيين في المحافظة على خلفية الأحداث، وحجز مدير استخبارات ومدير مكافحة الجريمة الاقتصادية للتحقيق معهم، وترأس وزير الداخلية “عثمان الغانمي” اجتماعاً في مقر شرطة المحافظة، ورغم حضور قوة أمنية إلى النجف للوقوف على ما يجري، نفت شرطة النجف حدوث انهيار أمني في المحافظة، مؤكدة في بيان لها، أن “هذه الأكاذيب والإشاعات لن تؤثر في الواقع الأمني”.

الفصل و”الدكَة” والإرهاب

وشهد العديد من المحافظات حوادث مشابهة، حاولت فيها العشيرة أن تحل محل القانون، بعد أن فقد الأهالي الثقة بقدرة الدولة على فرض هيبتها وتطبيق القانون بشكل عادل بين الجميع.

ولا تستطيع الإجراءات الرسمية وضع حد لهذه الممارسات، فالأسلحة المتوسطة التي تستخدم عادة على جبهات القتال، كانت حاضرة في شوارع النجف خلال الأحداث الأخيرة، مثلما كانت حاضرة في العديد من المحافظات  في أحداث مشابهة. ومنذ العام 2018 ، اعتبر القضاء  ما يسمى ب”الدكَة العشائرية”، فعلاً إرهابياً يحاسب مرتكبوها بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

وتتلخص الدكَة العشائرية بقيام مسلحين من إحدى العشائر بتهديد أسرة في منزلها تنتمي إلى عشيرة ثانية، وذلك بإطلاق النار باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، أو إلقاء القنابل اليدوية على منزل الجهة المستهدَفة، لإجبارها على القبول بالتفاوض حول خلاف بينهما، وقد يتطور الأمر لإراقة الدماء إذا ما رفضت الأسرة القبول بالتفاوض ودفع المال لإنهاء الخلاف، متجاهلين القوانين النافذة ورافضين اللجوء إلى القضاء لحل مشاكلهم.

ورغم الحاجة الفعلية لتشديد العقوبة بمثل هذه الممارسات، إلا أن ناشطين حذروا من استغلال هذا القرار بشكل سلبي، لإلصاق جريمة الإرهاب، عند وجود تهم كيدية في ظل الأوضاع الراهنة.

إحصاءات رسمية

ولم ينقض شهر تموز/يوليو 2022 إلا بنزاع مسلح في محافظة البصرة، فقد سقط يوم 29 منه 6 جرحى في نزاع عشائري، بعضهم في حالة الخطر.

وجاءت هذه المحافظة في المرتبة الأولى بحسب إحصاء رسمي، بعدد النزاعات العشائرية، ثم ذي قار وميسان وبغداد وواسط.

وأشار الإحصاء إلى أن “عدد الذين قتلوا في الصراع العشائري خلال عام 2021، بلغ 21 شخصاً”، فضلاً عن عدد غير معروف من ضحايا الأحداث التي لم يبلغ عنها.

واعترف النائب “علي مانع” في حديث صحفي، بأن “ملف ضبط سلاح العشائر معقد ومن غير الممكن أن تقوم الدولة او الجهات الأمنية بضبطه”، وعزا سبب ذلك إلى أن “غالبية افراد العشائر هم في وزارتي الدفاع والداخلية وبالتالي يملكون أسلحة مرخصة، ولا استبعد استخدامه في هذه الصراعات”.

وبحسب قاضي محكمة تحقيق الرصافة “جاسم محمد كاظم”، فقد أدت النزاعات العشائرية، إلى “حدوث موجة نزوح جماعية من بعض المناطق التي شهدت ظاهرة النزاعات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة إلى مناطق أخرى”.

وعلى مر التاريخ كان للعشيرة دور إيجابي في حل النزاعات بالطرق السلمية، وكان مضيف شيخ العشيرة مكاناً لتعزيز الروابط بين الأسر، ولم يكن استخدام العشائر للسلاح بهذه الطريقة المفرطة إلا في مقاومة المستعمر كما حدث في ثورة العشرين ضد الإستعمار البريطاني، الذي حاول استمالة بعض العشائر لحماية مصالحه، لكن العراقيين استطاعوا أن “يعملوا بتنسيق مشترك بين علمائهم ومثقفيهم وشيوخ عشائرهم، فقدموا الغالي والنفيس من المال والولد، فكان نتاج ذلك ثورة مشتركة على قوى أجنبية احتلت بلدهم وسلبت خيراته، وصادرت حقهم في قيادة بلدهم، وضيقت حرياتهم، وسعت إلى زرع الفتنة والاحتراب بينهم،” وفق ما جاء في رسالة مفتوحة وجهتها هيئة علماء المسلمين في العراق، في الذكرى الثانية بعد المائة للثورة، التي مرت أواخر حزيران الماضي.

العشيرة والإحتلال

وبحسب الكاتب ” هادي عزيز علي”، فإن البريطانيين حاولوا “خلق تشكيل اجتماعي داعم لنظام الاحتلال والحكومة التي سيكلفها بإدارة البلاد، وتفويض شيوخ العشائر صلاحية حماية الأمن في الرقعة الجفرافية حيث يتواجدون، بدلاً من تكليف جيش الاحتلال البريطاني بمهام حفظ الأمن الذي قد يعرض افراده للمخاطر”، كما حاولوا “أخضاع شيوخ العشائر لسلطتهم لما يتمتعون به من صفات تخدم مشروعهم الإستعماري،” لكن العشائر العراقية الأصيلة كان لها رأي آخر.

ويورد الكاتب مقارنة الأنثربولوجي الفرنسي “موريس غودلييه” بين سلوك المستعمر البريطاني في بدايات القرن الماضي، وبين سلوك الاحتلال 2003 بقوله، إن الأول حاول استمالة العشيرة ودعمها في مواجهة تشكيل السلطة المدنية، فيما أدى التفكير الإستراتيجي والسسيولوجي للأميركان إلى إلغاء الدولة ومؤسساتها في العراق، وأن كلا الاحتلالين ساهما في ترسيخ الوضع الحالي للعشيرة.

ويرى الكاتب “مهند فارس” أن الفوضى التي تلت الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 سمحت للعشائر ببسط نفوذها بسهولة، ساهم غياب سلطة القانون من سرعة وتيرتها. أما الباحث في التاريخ السياسي “سلام العزاوي”، فيرى أن “الأزمة العشائرية الحالية هي نتيجة حتمية لسنوات من ضعف تطبيق القانون على العشائر النافذة، والتي مكنتها من توظيف هذا الضعف بشكل سياسي، من خلال دعم المرشحين وإيصالهم إلى قمة الهرم السياسي والأمني، لتسهيل تحقيق مصالحهم الشخصية”.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram