

ومع ذلك، فإن محنة مئات ملايين الصينيين الذين يعيشون على دخل منخفض في المناطق الريفية بالبلاد والذين لا يمتلكون سوى فرص قليلة للتقدم، لم يلقوا اهتماماً يذكر. لا يعيش سكان الريف في الصين في فقر فحسب إنما قانون الإجراءات المدنية لا يوفر لهم أي وسيلة تقريباً لتحسين مستواهم الاجتماعي أو أي تقدم على الإطلاق، بسبب نظام التصاريح السكني التقييدي "هوكو".
تشكل هذه المجموعة الفرعية الكبيرة من السكان عقبة كبيرة طويلة الأجل أمام النمو الاقتصادي المستمر في الصين، تماماً مثل العوامل المعروفة أكثر مثل سياسة "صفر كوفيد"، والحملات التنظيمية والديون المتضخمة. كان العمال ذوو المهارات المنخفضة يدعمون في السابق طفرات التصنيع والبناء التي أدت إلى صعود الصين الهائل. لكن عقوداً من السياسات التمييزية حاصرت مئات الملايين في المناطق الريفية وحرموا من فرص التعليم والعمل.
وهذا يمثل معضلة سياسية للحزب الشيوعي الصيني. حتى لو كان بإمكان العمال الريفيين ذوي المهارات المتدنية الانتقال بسهولة أكبر إلى المدن الكبيرة، فإنهم سيواجهون صعوبة في المنافسة في أسواق العمل هناك، بسبب مستوى تعليمهم المتدني. وسيستغرق بناء مجموعة موثوقة من العمال المهرة في المناطق الريفية وقتاً طويلاً من خلال إنفاق مزيد على التعليم، لا سيما أن القيام بذلك يتطلب أشكالاً من إعادة التوزيع الاقتصادي التي قد تكون محفوفة بالأخطار بالنسبة إلى الحزب الشيوعي الصيني. لا توجد إجابات سهلة لمشكلة رأس المال البشري الريفي في الصين التي من المحتمل أن تؤثر في آفاق النمو في البلاد لعقود مقبلة.
مقيدون منذ الولادة
فارضة سياسة لم يسمع بها أحد تقريباً في دول العالم، تقسم الصين شعبها منذ الولادة إلى فئتين: الريفيون والحضريون [سكان الريف وسكان المناطق الحضرية]. هذا التصنيف، المدون في تصريح الإقامة، أو ما يسمى "هوكو"، يرافق الأفراد عادة مدى الحياة ويحدد نوع التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى التي يمكنهم الحصول عليها. في زمان غابر يعود إلى القرن الـ21 قبل الميلاد، استخدم القادة الصينيون القدماء أنظمة تسجيل الأسر من أجل المساعدة في فرض الضرائب والتجنيد الإجباري. لكن النظام في شكله المعاصر ظهر إلى حيز الوجود عام 1958، بعد عقد من الزمن أدى فيه تطور الصناعة إلى توسع حضري سريع جداً جعل الحزب الشيوعي الصيني يشعر بالقلق إزاء استقرار الإمدادات الغذائية في البلاد. وعلى رغم أن النظام الجديد صمم بهدف منع تحويل اليد العاملة والموارد الأخرى بعيداً من القطاع الزراعي في الصين، إلا أن الحكومة سرعان ما قيدت الوصول إلى أنواع معينة من التعليم وخدمات الرعاية الحكومية للأشخاص الذين يحملون "هوكو" الحضريين، فتفاقمت أوجه عدم المساواة بين سكان المناطق الحضرية وسكان الريف. وحاضراً، يحمل ما يقرب من 800 مليون شخص في الصين تصريح إقامة بتصنيف ريفي.
في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأ الاقتصاد الصيني ينطلق ويتنشط للمرة الأولى، كان التوافر غير المحدود للعمال الريفيين الذين لا يتمتعون بمهارات كبيرة في البلاد يمثل ميزة تفاضلية. وتطلبت جهود القادة الصينيين الرامية إلى تحويل بلدهم الشاسع والفقير إلى دولة ذات دخل متوسط قوة عاملة ملمة بالحساب والقراءة والكتابة وتتسم بالقدرة على الانضباط. وبطريقة موازية، ضمنت التوسعات الهائلة للمدارس الابتدائية والإعدادية في الثمانينيات أن يمتلك معظم الشباب المنضمين إلى القوى العاملة الصينية مهارات الحساب والقراءة الأساسية وأن يكونوا معتادين على الانضباط الصارم. هذا التعليم، على رغم كونه بدائياً، مكن مئات ملايين العمال من تأمين وظائف منخفضة الأجر تتطلب مهارات متدنية في قطاعي التصنيع والبناء المزدهرين خلال تلك الحقبة، مما حول الصين إلى "مصنع العالم".
في الأعوام الأولى من هذا القرن، بدأت أعداد العمالة الرخيصة الوافدة من الريف بالتضاؤل، وشهدت الأجور ارتفاعاً مطرداً. فنقل المصنعون الوظائف التي لا تتطلب سوى مهارات متدنية إلى الخارج، وكذلك بالاستثمار في الأتمتة. وفي الوقت ذاته، بحلول أوائل عام 2010، كانت الصين بنت معظم الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ وغيرها من مشاريع البنية التحتية الكبرى التي تحتاج إليها. ومنذ عام 2013، تظهر بيانات الحكومة الصينية أن التوظيف في التصنيع والبناء بقي على حاله.
إلى أين يتجه العمال الصينيون ذوو المهارات المتدنية؟ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القطاع الأسرع نمواً في الاقتصاد الصيني خلال العقد الماضي كان قطاع الخدمات غير الرسمي. اليوم، يمكن العثور على ما يقرب من 60 في المئة من القوى العاملة غير الزراعية في الصين في القطاع غير الرسمي، مقارنة بـ40 في المئة فحسب عام 2005. هؤلاء هم عمال التوصيل والمربيات والباعة المتجولون في الشوارع وعمال أكشاك الطعام وعمال صيانة الدراجات الهوائية الذين كان رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ يشير إليهم في خطاب ألقاه عام 2020 عندما أكد بصراحة أن حوالى 600 مليون شخص في الصين يكسبون أقل من 1000 يوان شهرياً (حوالى 5 دولارات في اليوم)، مما يضعهم تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي للبلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع مثل الصين. وحتى قبل أن تفتك جائحة كورونا بقطاع الخدمات غير الرسمي، أظهرت الإحصاءات الرسمية أن نمو أجور أولئك العمال غير الرسميين تباطأ إلى حد كبير. وخلال الوباء، انخفضت الأجور الحقيقية التي يتقاضونها بصورة مطلقة.
وفي سعيهم إلى الحفاظ على النمو على المدى الطويل، يؤكد قادة الصين بحق الحاجة إلى التحول نحو نمو قائم على الاستهلاك بدلاً من ذلك القائم على الاستثمارات الذي يشهد تراجعاً، بيد أن وجود قوة عاملة كبيرة غير رسمية بأجور راكدة يتعارض مع هذه الرؤية. ويعزى ذلك إلى سببين. الأول، والأكثر وضوحاً، هو أن النمو البطيء للأجور يؤدي إلى محدودية الدخل المتاح للأشخاص. من دون المزايا والحماية الاجتماعية المرتبطة بالعمل الرسمي مقابل راتب، يجب على العمال غير الرسميين ادخار أموالهم من أجل التعويض عن أخطار صدمات الدخل الناجمة عن فقدان الوظائف أو حالات الطوارئ الصحية. ثانياً، كان معدل الادخار في الصين مرتفعاً بالفعل بحسب المعايير الدولية بسبب ضعف شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد. ومع وجود ما يصل إلى نصف القوى العاملة في الصين في وظائف غير رسمية محفوفة بالأخطار، فإن خيارات الحكومة لتحفيز الطلب محدودة.
عندما بدأ الاقتصاد الصيني بالانطلاق للمرة الأولى، كان التوافر غير المحدود للعمال الريفيين الذين لا يتمتعون بمهارات كبيرة في البلاد يمثل ميزة تفاضلية
إذا تمكن العمال ذوو المهارات المتدنية في الصين من العثور على وظائف تتطلب مهارات أفضل، فذلك سيساعد البلاد على التقدم نحو تحقيق أهدافها الإنمائية الاقتصادية. لسوء الحظ، تركت عقود من نقص الاستثمار في رأس المال البشري الريفي عدداً كبيراً من العمال الريفيين في الصين من دون المهارات التي يحتاجون إليها بغية المنافسة في سوق العمل الحديثة. واستطراداً، يعتبر متوسط التحصيل التعليمي في الصين منخفضاً بحسب المعايير الدولية، وذلك حصل على وجه الحصر تقريباً نتيجة للأداء المتأخر لدى الفئات الريفية. وهناك غالبية كبيرة من العمال الريفيين، توازي 89 في المئة وفقاً لدراسة مهمة أجريت عام 2014، لم تحصّل شهادة الدراسة الثانوية.
على رغم أن الحكومة وسعت نطاق الوصول إلى التعليم الثانوي في المناطق الريفية في الأعوام الأخيرة، إلا أن الإنفاق على كل طالب على حدة لا يزال متخلفاً كثيراً عن المدارس الحضرية، مع ما يترتب على ذلك من آثار على جودة التعليم الذي يتلقاه الطلاب في المناطق الريفية. على سبيل المثال، عام 2015، وجدت الدراسة الدولية لقياس مدى تقدم القراءة في العالم التي تدير اختباراً لمهارات الفهم القرائي التي يتمتع بها التلامذة في عشرات البلدان، أن الطلاب الريفيين في الصين حصلوا على معدل العلامات الأدنى في جميع أنحاء العالم.
ويعتبر التعليم في المناطق الريفية مهماً لأن أكثر من 70 في المئة من أطفال الصين يعيشون اليوم في المناطق الريفية، وذلك بفضل عقود من انخفاض معدلات الخصوبة في المدن الصينية. في الواقع، انتقل كثير من أهلهم إلى المدن للعمل، بيد أنهم من دون إيجاد عمل رسمي، من غير المرجح أن يحصلوا على "هوكو" الحضريين الذي يحتاجون إليه من أجل تسجيل أطفالهم في مدارس حضرية عالية الجودة. والجدير بالذكر أن الزيادة في العمالة غير الرسمية في الصين لها تداعيات ليس فقط على العمال غير الرسميين أنفسهم الذين يتمتعون بقدرة وصول محدودة إلى خدمات الرعاية الاجتماعية الحكومية، بل أيضاً على الأطفال الذين أجبروا على تركهم والمسجلين في مدارس ريفية حيث سيكون من الصعب الحصول على المهارات الأكاديمية المطلوبة للنجاح في الوظائف ذات المهارات العالية.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن تلاميذ المدارس الريفية هم أكثر عرضة بكثير من نظرائهم في المناطق الحضرية للتأخر في النمو والحالات الصحية الأخرى، بما في ذلك فقر الدم والمشكلات البصرية والديدان المعوية التي إذا تركت من دون علاج، يمكن أن تؤثر في قدرتهم على التعلم. وتشير البيانات الحديثة حول المستقبل الاقتصادي في المناطق الريفية الصينية إلى أن العائلات التي تعيش هناك ربما تواجه تحديات اقتصادية متزايدة بسبب كورونا.