

إلا ان موقفي هذا بدأ يتبلور عندما بدأت انضج. كانت الصدمة الاولى عندما قام الفاتيكان بتبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام بسبب ضغوط أميركية و (اسرائيلية) وخلافاً لكل الاعراف الدينية، والسبب الثاني هو الزيارات التي قام بها البابا السابق والحالي لفلسطين المحتلة واظهار حزنهما على ما عاناه (الشعب اليهودي) دون الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني، والسبب الثالث عدم معارضتهم للحروب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق مع علم الكنيسة الكاثوليكية بما سببته هذه الحروب من مآسي.
ولم يعترض الفاتيكان على جورج بوش الاصغر عندما ادعى ان غزو العراق واحتلاله هو تنفيذ لأمر إلهي مسيحي.
اضف الى ذلك ان الفاتيكان لم يفعل اي شيء حقيقي لرفع المعاناة عن الشعب العراقي بكل مكوناته اثناء الحصار اللاانساني الذي استمر لمدة 13 عاما، (وسأورد حدثٌ دالٌ بعد قليل)، ولم يستنكر العدوان والاحتلال بالطريقة التي تحتمها عليه مبادي الدين المسيحي الكريم.
لقد حظيت زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية الى العراق باهتمام كبير وتغطية اعلامية واسعة، وتسابق الكتاب ومراكز البحوث، وخاصة من العراق في الإطراء عليها، واعتبارها (حدثا تاريخيا مهما) بالنسبة للعراق وللمنطقة بل وللانسانية جمعاء.
الفاتيكان لم يفعل اي شيء حقيقي لرفع المعاناة عن الشعب العراقي بكل مكوناته اثناء الحصار اللاانساني الذي استمر لمدة 13 عاما، ولم يستنكر العدوان والاحتلال بالطريقة التي تحتمها عليه مبادي الدين المسيحي الكريم.
البعض اعتبر ان زيارته للعراق في هذا الوقت العصيب بالذات وتنقله فيه من جنوبه الى شماله سابقة تاريخية كبيرة، والبعض الاخر اعتبر لقاءه بالمرجع الشيعي الكبير علي السيستاني رائدا في العلاقة بين الاسلام والمسيحية، واخرون اعتبروا حديثه المتكرر عن التآخي والمحبة بين الاديان رسالة عظيمة يجب ان تتمسك بها البشرية وتقتدي بها.
في حين اخرين نظروا الى حديثه عن الفساد السياسي والمالي في العراق كمن يدق ناقوس الخطر والتنبيه لعواقب هذه الممارسات التي لن تحمد عقباها، (وكأنهم نسوا ان المرجعية الشيعية في العراق تتحدث عن هذا الامر ليلا ونهارا دون ان يرعوي الفاسدين والمسلحين المنفلتين عن اعمالهم). وكل هذه الاحاديث والكتابات اغفلت امورا اعمق كان يجب الحديث عنها.
ربما او بالتأكيد فإن ما سأقوله يختلف كثيرا عن ما جاء في الغالبية العظمى من الكتابات. وارجو ان لا يفهم كلامي بأنني ضد الزيارة او ضد التآخي والتلاقي بين الاديان او ضد الدعوة الى ان يسود السلام بين الاديان السماوية الثلاث. ولكن هناك امور اغفلتها تلك الكتابات.
اولا وقبل كل شيء ان الزيارة من وجهة نظري المتواضعة لم تكن بريئة وحبا بالتقارب بين الاديان.
ان تأكيد الحبر الاعظم على زيارة اور مسقط رأس ابو الانبياء ابراهيم عليه السلام يجب ان ينظر له على انه يحمل معاني اخرى غير المعنى الديني البريء.
الحديث عن الابراهيمية لابد وان يعيد الى الاذهان ما روجت له (صفعة القرن) التي تبناها سيء الذكر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، ونجح من خلالها في جعل بعض الحكومات العربية تعترف بـ (اسرائيل) بصورة مجانية وبدون التفكير بالحقوق العربية المغتصبة.
وكانت عبارة (الابراهيمية) هي الاساس الذي استندت عليه فكرة (الحل) من خلال الاعتراف بالكيان الغاصب لارض فلسطين الحبيبة. ولقد كتب الكثير عن القصد السيء من استحداث فكرة (الدين الابراهيمي) لطمس الحقوق العربية والاسلامية في فلسطين، ولتبرير التمدد الصهيوني- الاسرائيلي من النيل الى الفرات.
تأكيد الحبر الاعظم على زيارة اور مسقط رأس ابو الانبياء ابراهيم عليه السلام يجب ان ينظر له على انه يحمل معاني اخرى غير المعنى الديني البريء.
وهنا لابد من التذكير ان الفاتيكان طلب الموافقة على زيارة العراق ومدينة اور الاثرية بالذات في بداية عام 2000، ولكن ذلك الطلب رُدَ بأدبٍ من قبل العراق على اساس ان الوقت غير مناسب بسبب ما كانت تعانيه البلاد من حصار لا انساني وقاتل. اما السبب الحقيقي للرفض فلقد ذكره الشيخ الدكتور عبدالرزاق السعدي في مقالة توضيحية قال فيها (عندما وصل طلب الفاتيكان لزيارة بابا الفاتيكان للعراق عام 1999 شُكِلت لجنة من الخبراء، علماء دين واكاديميين مرموقين، للنظر في الطلب [وكان هو احدهم]. وكان الاتجاه العام هو تلبية ذلك الطلب، الا ان عضو اللجنة، عالم الاثار الكبير (المسيحي الديانة) الدكتور بهنام ابو الصوف اعترض وشرح سبب اعتراضه حيث قال: إن هذه الزيارة ستنعكس على العراق بالخطر الكبير بسبب أن البابا أراد من هذه الزيارة إعطاء اليهود حقهم في أرض (اور) كما هي الرواية التي يدعيها اليهود، وبيّن أبو الصوف أن الهدف من زيارة (أور) إعلانها مقراً دينيا ومزارا حقيقيا تشترك فيه كل الأديان لأن نبي الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام ولد فيها، واضاف أبو الصوف أن العراق لم يسمع استنكارا على تصريح بوش الصغير الذي أعلنها حربا صليبية ولم يستنكر الفاتيكان اعتصام بوش بإحدى الكنائس ليلة ضرب العراق في 17/3/2003 حتى يعطي نفسه شرعية دينية من خلال هذا الاعتصام. وبالنتيجة اقتنعت اللجة بتحليله واوصت بالاعتذار، وهذا ما حصل).
وللتذكير فإن الولايات المتحدة في ذلك الوقت كانت قد اعترضت بشدة على فكرة قيام بابا الفاتيكان بزيارة العراق لأن ذلك يمثل نوعاً من الدعم للنظام وتحدياً للحصار المفروض على شعبه. وما دام الشيء بالشيء يذكر فإن العراق آنذاك كانت لديه ملاحظات على موقف الفاتيكان اللامبالي من الحصار، وتأكد العراق من هذا الموقف عندما ارسل الفاتيكان مبعوثاً كبيراً للعراق في تلك الفترة العصيبة، وتم استقباله من قبل الرئيس العراقي آنذاك، واعتقدت الحكومة ان تلك الخطوة ستكون بداية حملة دولية سيتبناها الفاتيكان لرفع الحصار عن العراق. وبعد ان أبدى المبعوث البابوي قلقه وأسفه لمعاناة العراقيين، قام الرئيس بذكر ما يمكن ان يقوم به الفاتيكان من جهود لكسر الحصار، وكان رد المبعوث بما معناه ان هناك طريقة اسرع واضمن لرفع الحصار الفوري مبنية على اساس انهاء حالة العداء مع (اسرائيل) والتصالح معها بشكل من الاشكال، عند ذاك أُنهيت المقابلة.
واذا ما عدنا للزيارة فإن المتتبع للاحاديث التي أدلى بها البابا نجد انها كانت منتقاة بعناية ومقصودة في التركيز على امور معينة وتعميم لأمور مهمة اخرى. فمثلا الحديث عن الاخوة والتسامح بين الاديان كان التركيز فيه واضح على التلميح الى صفة التطرف في الدين الاسلامي دوناً عن الاديان الاخرى. في هذا الصدد أثار الاستاذ الدكتور وليد عبدالحي في مقالة له بهذا الخصوص مسالة في غاية الاهمية وجدها عند تتبعه لأحاديث البابا في العراق حيث ذكر ان البابا تحدث عن "انتشار السلاح في كل مكان (ولاحظ كل مكان) ثم يقول "اسم الله لا يجوز أن يستخدم للقتل"، لماذا لم يقل اسم الرب وليس اسم الله، فالتنظيمات المسلحة المسيحية تستخدم لفظ الرب في تسمياتها – مثل تنظيم جيش الرب المسيحي في اوغندا".
كما ان التركيز على استخدام مصطلح "الله" في هذه المنطقة وتفسيره على انه ذريعة للقتل له مدلولات يجب ان لا تخفى على أي لبيب.
وحتى عند حديثه عن مآسي التهجير، فإن البابا تطرّق لها بصورة عامة، وكأنما أراد ان يحصرها في مأساة تهجير الاخوة المسيحيين في العراق فقط والمطالبة بحقوقهم. والاهم انه لم يتطرق لا هو ولا اي من (المسؤولين) العراقيين الذي تحدثوا امامه عن معاناة شعب هُجر بكامله منذ 75 عاما ولا يزال يكابد من هذه الكارثة لحد الان، وهو امر عانى منه الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه.
تركيز البابا على استخدام مصطلح "الله" في هذه المنطقة وتفسيره على انه ذريعة للقتل له مدلولات يجب ان لا تخفى على أي لبيب.
اما اللقاء الذي جمع البابا برأس المرجعية الشيعية في النجف الاشرف، السيستاني، فلقد نتج عنه روايتان، الاولى ذكرها الكاردينال لويس ساكو الذي حضر اللقاء. والثانية وردت في البيان الذي صدر عن المرجعية في النجف.
السيد ساكو قال ان التطابق في وجهات النظر والاحترام المتبادل كان واضحا في اللقاء، من ناحية عدم الرضا عن الفساد في العراق ورفض المرجعية استقبال اي من السياسيين العراقيين (حتى اثناء زيارة البابا رفضت المرجعية مصاحبة أي من المسؤولين العراقيين المرافقين للبابا من الدخول معه الى دارهِ)، وعن ضرورة ان يكون هناك حد للفساد في العراق. وتشاركا في انتقاد الساسيين حول العالم.
اما البيان الذي صدر عن المرجعية فلقد ذكر ان السيد السيستاني تحدث عن ما (يعانيه الكثيرون في مختلف البلدان من الظلم والقهر والفقر والاضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات الأساسية وغياب العدالة الاجتماعية، وحروب وأعمال عنف وحصار اقتصادي وعمليات تهجير وغيرها، ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة). وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي سمع فيها بابا الفاتيكان بكلمة فلسطين ومعاناة الشعب الفلسطيني على اساس انها لُب المشكلة في المنطقة. وكدليل على عدم اهتمام البابا بهذه المسألة فإن البيان الذي صدر عن الفاتيكان حول هذا اللقاء لم يتطرق لا من قريب ولا من بعيد الى القضية الفلسطينية او الى ما اشار له بيان المرجعية.
لكل هذه الأسباب، ومع كل احترامي لشخص البابا ولأتباعه، ولمبادرته لزيارة العراق في هذا الوقت العصيب وبعد 18 عاما من التدمير الممنهج والقتل اليومي لابنائه، الا انني لا ازال اعتقد ان الزيارة لم تكن موفقة واهم ملاحظة عليها غير الملاحظات التي ذكرت اعلاه انها أضفت شرعية جديدة على الطبقة السياسية التي تسببت ولا تزال تتسبب في معاناة العراقيين الكبيرة التي تحدث عنها البابا.
نشر المقال هنا