

وغطى التقرير الواقع الذي عاشه العراقيون خلال عام 2022 الذي يشرف على الانتهاء.
وجاء التقرير في أربعة محاور أساسية غطّت مجمل الأحوال السياسية والأمنية والحقوقية والاجتماعية في العراق.
حيث غطّى المحور الأول مختلف جوانب المشهد السياسي في البلاد، فيما تحدث المحور الثاني عن تطورات الملف الأمني، وجاء المحور الثالث ليشمل ملف حقوق الإنسان والانتهاكات المتعمدة المستمرة فيه، أما المحور الرابع فقد غطّى ملف قضايا الفساد التي تنخر كل أركان المجتمع.
وفي ما يأتي نص التقرير:
التقرير الدوري للقسم السياسي
26/ 12/ 2022م
المحور الأول: المشهد السياسي
- من المعالم الرئيسة للتحرك السياسي للحكومة الحالية هو زيارة رئيسها (محمد شياع السوداني) لعدد من الدول المجاورة وغير المجاورة، التي توصف بأنها شكلية بالنظر لعدم ترتب شيء عليها، بمقابل زيارته لإيران التي نتج عنها أمور عديدة منها قيام وزارة النفط الإيرانية بافتتاح مكتب تمثيل لها في بغداد في سابقة غير موجودة ضمن سياقات العلاقات بين الدول، وما جرى من عدم مراعاة للسياقات الدبلوماسية والتصريحات الاستفزازية من قبل خامنئي فيما يخص العراق وشعبه.
ولم تأتِ هذه الزيارة بجديد في كلا الاتجاهين، فالدول الأخرى غير إيران ملزمة باستقبال رؤساء حكومة بغداد بناءًا على ضغوط ومصالح أمريكية، والهدف الرئيس منها انتزاع اعتراف محلي ودولي بالعملية السياسية والبحث عن وسائل إبقائها حيّة معبرة عن (الديمقراطية) التي رسمتها الولايات المتحدة وفق ما تشتهي دون اعتبار لنظام معتد به أو محددات منطقية منزهة عن الإطار المصلحي، لذلك لا تعدو هذه الزيارات أكثر من مجاملة وشكليات؛ ولكنها في الوقت نفسه –مع الأسف- تضر بالعراق شعبًا وتاريخًا ومستقبلًا؛ لأن الدول التي تستقبل مثل رؤوس هذه الحكومات الناتجة عن نظام سياسي غير شرعي تأسس في ظل احتلال؛ تعطي ذريعة للمتحكمين بالمشهد العراقي للتبجح بمصطلحات السيادة والشرعية وهم أبعد ما يكونون عنها، واستغلال ذلك في فرض سطوتهم على العراقيين والتحكم بمصائرهم.
وأمّا الاتجاه الآخر المتعلق بزيارة إيران وما نتج عنها من مخرجات؛ فهي تأتي في إطار الحصة الإيرانية المتوافق عليها بين الولايات المتحدة وطهران في إدارة العملية السياسية مرحليًا، في سياق السياسات الجزئية المتبعة بينهما منذ الاحتلال، القائمة على: (التخادم، وإعطاء الفرص، وغض النظر، والتنفيس عن المشاكل)؛ بحكم كونهما يمثلان احتلالًا مزدوجًا تتفاوت مساحات نفوذ كل منهما بين حين وآخر بحسب مقتضيات الحال أو تطورات الصراع على مستوى المنطقة والعالم. وغير خفي على المتابعين فإن المرحلة الحالية – من بعد قمع ثورة تشرين ومرورًا بتسلم حزب الدعوة رئاسة الوزراء- هي مرحلة إيرانية خالصة، سمحت واشنطن لشريكتها طهران بملء الفراغ في مساحة أكثر سعة بسبب انشغال الأولى في قضايا ذات أولوية لها على المستويين الإقليمي والدولي؛ ولذلك فمن المتوقع حصول ما هو أكثر من مجرد فتح مكتب لوزارة إيرانية أو فرع لجامعة أو ما إلى ذلك، بعد ما بات العراق في نظر نظام طهران محافظة تابعة له.
- بدء مرحلة الاستبعاد الحقيقي السياسي؛ لإرساء دعائم دولة (المنظمة العلنية) بقيادة (حزب الدعوة-جناح المالكي)، ولتحميل كل ما جرى من جرائم وانتهاكات وسرقات للحكومة السابقة. وبطبيعة الحال فإن الشعب العراقي هو الخاسر الوحيد من هذا الصراع، ولأنه صراع مكاسب ونفوذ؛ فإن المتنافسين لا يخسرون شيئًا بمقابل النظر إلى فداحة ما قد يصيب العراقيين جميعًا، لأن كل ما حصل في الصِّدام بين (تيار الصدر) و(الإطار التنسيقي) وما تبعه من تداعيات؛ إنما جاء بسبب تباين واختلاف حجم المكاسب المتحققة أو التي يُراد لها أن تتحصل بعد الانتخابات، ولذلك رضخ الصدر في سبيل الحفاظ على مكاسب تياره، وانطلق (الإطار التنسيقي) وميليشياته لتدشين مرحلة فوضى جديدة امتازت هذ المرة بانتقال المشهد السياسي العراقي من وضوح وقوة البصمة الإيرانية، إلى الحضور الإيراني الفعلي في التحكم والسيطرة.
وقد سبق لهيئة علماء المسلمين في العراق التأكيد في أكثر من مناسبة على أن هذا النوع من الصراعات محدد بسقف مفروض على القوى المتخاصمة التي لا يمكنها تجاوزه، وقد أطلقت الإرادات المتحكمة بالعملية السياسية العنان لهذه القوى لتتخاصم على النحو الذي ظهرت عليه؛ فقط من أجل التمهيد للانتقال إلى الخطوة الأخرى التي تقتضي تصعيد جهة وإنزال أخرى في سُلّم أولوياتها، وهذا ما حصل بالضبط.
وأمّا ما يجريه السوداني من تصفية أتباع الكاظمي ومزاعم الركض وراء الفاسدين والمتورطين بالسرقات، فهي في الحقيقة إجراءات تغطية على فضائح أكثر شرًا وأكبر ضررًا على العراقيين لكنها أكثر نفعًا وأوسع تحصيلًا لأحزاب السلطة، والدليل على ذلك ما حدث فيما سمي (سرقة القرن) وترك المتورطين فيها دون عقاب، أو في الحد الأدنى الإطاحة بصغار المتورطين ممن احترقت أوراقهم أو انتهت مهماتهم، في مقابل منح كبارهم حصانة وإفلاتًا من العقاب بناءًا على تسويات سياسية واتفاقات حزبية.
والحقيقة فإن حكومة السوداني ليست سوى وسيلة -ربما تكون مرحلية- مُتحكم بها لتُسيّر بعض الأمور بوصفها واجهة أرادت قوى (الإطار التنسيقي) تقديمها أمام الأنظار، وضرب بعض الخصوم المنافسين، وتوريطها في صراعات وعداوات سياسية مع أحزاب معينة، ليتسنى للإطار العبث والتصرف وراء الكواليس، والحفاظ في الوقت نفسه على ما نسمّيه خط رجعة مع أولئك المنافسين المستهدفين حينما تقتضي المصلحة إعادة التحالفات مرة أخرى، ولذلك فإن من المتوقع أن تتوقف حكومة الاحتلال التاسعة عن (ادعاءاتها) بشأن ملاحقة الفساد مقابل ضمان بقائها قائمة، ولعل ما جرى تداوله في بعض الأوساط الصحفية مؤخرًا دليل على ذلك؛ حيث تشير هذه الأوساط إلى ملامح الاختلاف في وجهات النظر بين أحزاب الإطار بسبب موضوع الحصول على امتيازات.
وهذا التخبط السياسي الناجم عن الصراعات المستمرة والتنافسات المصلحية أثر بشكل كبير على واقع النظام من الناحيتين السياسية والأمنية، بحيث بات الوضع داخل العراق من هاتين الناحيتين غير محظي بالثقة لدى عامة الأنظمة والدول التي تصر على الاعتراف بحكومات العملية السياسية رغم فشلها وعدم أهليتها لتكون في مصاف الأنظمة المعتبرة؛ ومن أبرز الشواهد على ذلك انعقاد ما يعرف بـ (مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة) في نسخته الثانية في البحر الميت بالأردن، بدلًا من إقامته في بغداد، لعدم ثقة المشاركين فيه باضطراب الأوضاع داخل العراق، وعدم قدرة الحكومة الحالية على حماية المشاركين فيه.
المحور الثاني: الملف الأمني
- في ظل الحديث عن معادلة السيادة من قبل حكومة بغداد؛ شهد العراق في الأسابيع القليلة الماضية قصفًا إيرانيًا استهدف مناطق عدة في (كردستان)، تبعه تهديد صريح من طهران باجتياح عسكري، فضلًا عن عودة ظهور ملف الوجود التركي في شمال العراق.
وهو أمر يدل على أن الحديث عن السيادة في العراق وعلى امتداد جميع الحكومات التسع المتعاقبة بعد 2003م؛ هو من الأمور التي تدعو إلى السخرية؛ إذ إنه من المعلوم بالضرورة للعراقيين وغيرهم عدم وجود سيادة في العراق مطلقًا؛ فقد بات البلد في ظل العملية السياسية مستباحًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولعل إحجام السلطات الحكومية سواء في بغداد أو أربيل عن التحرك الجاد لإدانة إيران على هذا الفعل، على خلاف ما قاموا به في إدانة القصف التركي شمالي العراق؛ دليل واضح وصريح على رضوخ هذه السلطات للسطوة الإيرانية.
ثم إن تهديد إيران بالاجتياح العسكري أمر آخر يجمع بين الطرفة والعجب؛ لأن إيران التي كانت موغلة في كل المفاصل العراقية بتدخلها ونفوذها، صارت اليوم مستحوذة على العراق كلّه عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، ولا يعد التهديد بالاجتياح شيئًا مقارنة مع الوجود الميليشياوي والمخابراتي والعسكري أيضًا على الأراضي العراقية والذي بلغ ذروته بعد منتصف سنة (2014م) بحجة الحرب على الإرهاب ثم أخذ هذا النفوذ يتمادى حتى باتت إيران في حالة احتلال تام للعراق، فلا معنى إذن للتهديد بالاجتياح إلا بما يحقق ضغوطًا تبديه أحزاب السلطة -وهي أدوات إيرانية بطبيعة الحال- على نظرائها في أربيل الذين يتفاقم الخلاف بينهم ماليًا ونفطيًا.
والحقيقة فإن القصف الإيراني على المناطق الحدودية داخل الأراضي العراقية في أربيل وغيرها ما هو إلا خطوة متطورة للقصف المتتابع الذي تنفذه الميليشيات منذ وقت طويل بواسطة الصواريخ أو الطائرات المسيرة الملغمة، وكأن الميليشيات كانت تمارس تهديدًا بعملياتها هناك ثم تحول هذا التهديد إلى مرحلة أكثر تطورًا بالقصف الذي يشنه الحرس الثوري وبقية تشكيلات القوات الإيرانية، وما ذلك إلا بسبب تصاعد حدة الخلافات بين أحزاب العملية السياسية بشأن ملفات سياسية وأخرى تتعلق بالموازنة الاتحادية وما تسمى (حصة الإقليم المالية)، وبمبيعات النفط التي تستأثر بها أربيل والتي تشكل العمود الفقري لهذه الخلافات.
المحور الثالث: ملف حقوق الإنسان
مازال ملف حقوق الإنسان في العراق يشهد انتهاكات جسمية، وقضاياهم تتعقد يومًا بعد آخر ولا تبدو في الآفاق سبل لحلها، أو إيقاف مسلسلها على الأقل؛ فالمشكلات المتعلقة بحقوق الإنسان في العراق أكبر وأوسع من أن تُحاط بتصريح عابر أو تقرير محدود؛ وقسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين قد يكون الأكثر سبقًا في صناعة التصورات المعنية بهذا الشأن من خلال تقاريره المطردة المعززة بالإحصاءات والشهادات والتوثيقات، في مجالات مختلفة ذات صلة بملفات انتهاك حقوق العراقيين.
وباختصار فإن هناك خمس قضايا أساسية من متعلقات حقوق الإنسان في العراق تحتاج إلى معالجات عاجلة، لأن عامل الزمن يعمل على تفاقمها، بموازاة إهمال حكومي مقصود مبني على مقاصد سياسية، وهجوم ميليشياوي ممنهج ينطلق من دوافع عدة، وهذه القضايا الخمس هي:
القضية الأولى: تتعلق بالنازحين الذين يعانون بين مطرقة الضغوط الحكومية لترحيلهم القسري من مخيماتهم وسندان افتقار مناطقهم -التي تستولي عليها الميليشيات- للأمن والعمران، وتزداد معاناتهم أكثر مع دخول فصل الشتاء وبرده القارص، وربما يكون لموسم المطر دور أكثر إيلامًا لنحو مليون نازح لا يحتمون بسوى خيام مهترئة ولا تتوفر فيها وسائل التدفئة، وإن توفرت فإن لشحة الوقود ورداءة الطاقة الكهربائية أثرًا في تفاقم المعاناة، وهذا كلّهأدلة على بطلان مزاعم نصرة القضية الفلسطينية وادعاءات العداء للكيان الصهيوني التي تتبجح بها حكومات بغداد ومن خلفها طهران، وتمررها على جهات وحركات من المفترض ألا تقع في هذا الفخ من الوهم والخداع.
القضية الخامسة: عودة ظاهرة استهداف المساجد بالحرق والاعتداء في بعض مناطق العراق ولا سيما محافظة ديالى، على أيدي ميليشيات ما انفكت تعبث بأمن المحافظة وتستهدف قراها بالقتل والتهجير، وفق منهجية طائفية محمومة، وقد راج في وقت ليس ببعيد تسريب صوتي لأحد أفراد ميليشيات (الحشد الشعبي) يؤكد تورّطها بجرائم متعددة في المحافظة؛ من ضمنها تفجير أشخاص يعانون من اختلالات عقلية وتصويرهم على أنهم (إرهابيون) بهدف صنع مشهد يبرر القيام بجرائم طائفية، وهذه الانتهاكات في الحقيقة ليست بجديدة، ولكنها بعيدة عن اهتمام وأضواء وسائل الإعلام مع الأسف الشديد؛ لأسباب كثيرة من أبرزها: السعي الإيراني المستمر لإفراغ المحافظة من أهلها، والحيلولة دون السماح لمرتادي المساجد بحرية التعبد في خطوة تتطور إلى التصفية الجسدية، وكل ذلك بهدف فسح المجال أمام الميليشيات والتشكيلات الإيرانية في تثبيت دعائم التغير الديموغرافي هناك، وقد سبق للقسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في أحد مؤتمراته الصحفية بيانه بأن ما يجري في محافظة ديالى من انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم متسلسلة وممنهجة؛ هو مخطط قديم يُنفذ لتحقيق أهداف طائفية وسياسية، وهو من الأمور المهمة التي يغفل عنها الإعلام وتحاول أحزاب السلطة المغالطة فيه.
المحور الرابع: الفساد
القضية الأولى: سارعت حكومة بغداد للإفراج عن أبرز المتهمين بتنفيذ ما توصف بأنها (سرقة القرن)؛ عن طريق تسوية أو صفقة جرت بين رئيس الحكومة والسُراق، ورضوخ القضاء والقانون للسلطة السياسية والميليشياوية.
وتوصف هذه الجريمة الكبيرة بسرقة القرن؛ لبيان عظم حجمها وكونها واحدة من الشواهد الخطيرة على مستوى الفساد المالي والإداري الذي بات السمة الأساسية والرئيسة للنظام القائم في العراق اليوم تحت مسمى العملية السياسية؛ وإلا فإن هذه السرقة ليست سوى نتيجة من النتائج المتوقعة لمخرجات جريمة القرن المتمثلة باحتلال العراق وتدميره وسرقة ثرواته وخيراته، وما نتج عنها من كبائر الجرائم والانتهاكات على جميع المستويات ولا سيما السياسي والاقتصادي.
إن الإفراج عن المتورطين بهذه الجريمة بعد المسرحية التي عرض فيها رئيس حكومة الاحتلال التاسعة كمية من الأموال يدعي أنها جزءٌ من الأموال المسروقة، في مشهد يدعو إلى السخرية ويعكس سذاجة حكومية في محاولة الضحك على العراقيين وخداعهم؛ فهو يأتي في سياقين متّبعين في النظام السياسي القائم، أحدهما: تبادل المنفعة بين الكتل والأحزاب السياسية عن طريق التفاهمات والتسويات تحت مسمى (التوافق) الذي يحصل كل طرف بموجبه على مكاسب سياسية ومالية بمقابل منح الطرف الآخر مكاسب مماثلة في ظروف وأوقات لاحقة أو سابقة، والآخر: ظاهرة الإفلات من العقاب ليس على مستوى جرائم انتهاك حقوق الإنسان وقمع الحريات فقط، بل في الأمور والقضايا كافة وفي مقدمتها الفساد الذي حدا تفاقم ملفاته الكثيرة بالمنظمات ذات العلاقة برصد وتحليل هذه الأمور وفي مقدمتها منظمة (الشفافية) التي وضعت العراق -منذ بضع سنين- في مقدمة الدول الفاسدة بسبب حكوماته المتعاقبة، وسلطته القضائية التي لا تقل فسادًا عن سلطتيه الأخريين التشريعية والتنفيذية، ولكن للأسف ما تزال هذه المنظمات تكتفي بالتوصيف المجرد عن الفعل، ولا تضغط على الرأي العام في سبيل تحقيق العدالة ومحاسبة المجرمين.
القضية الثانية: صدر قبل أقل من شهر تصريح صحفي عن المجلس العلمي لاختصاص الطب النفسي في المجلس العراقي للاختصاصات الطبية التابع لوازرة الصحة في حكومة بغداد؛ يفيد بأن العراق بات ميدانًا لترويج واستهلاك المخدرات. وهذا التصريح ليس بجديد، فقد سبقته تقارير عديدة تتحدث عن أرقام مفزعة وعن أحجام خطيرة لمساحات ترويج وتعاطي المخدرات في العراق، وحتى وزارة الداخلية في حكومة الاحتلال الثامنة -حكومة الكاظمي- سبق لها الاعتراف بذلك وشخصت الفئة العمرية للشباب المتورطين بالتعاطي والترويج؛ ولكنها كالعادة لم تسعَ لوضع حدّ لهذه الآفة الخطيرة، واكتفت بالتصريحات الإعلامية وكأنها مجرد صفحة في وسائل التواصل الاجتماعي تشرح ظاهرة متفشية في المجتمع وليست وزارة معنية بتحقيق الأمن وعليها واجبات ومسؤوليات في ذلك.
وجدير بالذكر أنه لن تستطيع أي حكومة في بغداد في ظل العملية السياسية التصدي لهذا اللون من الاحتلال -المخدرات- الذي يمس الدين والمجتمع والأخلاق، علاوة على الاقتصاد والأمن وبقية نواحي الحياة؛ لأن الأمر بيسر وسهولة يأتي في سياق توافقات الهيمنة الإيرانية على الاقتصاد العراقي واستخدامها الساحة العراقية كمكب لبضائع إيران الحسية والمعنوية وآفاتها المجتمعية الخطيرة. ولعلها مناسبة جيدة لإعادة مدار الحديث إلى المحور السياسي آنف الذكر، لنوجه دعوة إلى دول المنطقة وأنظمتها التي تتعاطى مع حكومات بغداد الإيرانية الصنعة والولاء وتتعامل معها على أنها نظام سياسي معتبر؛ إلى الحذر مما يهدد أمنها ومجتمعاتها في حال استطاعت طهران الإجهاز على العراق في ملف المخدرات والانتقال به إلى الجوار -لا سمح الله-.
وفي الوقت الذي تحرص فيه إيران على استئصال المزيد من أموال العراق من خلال تجارة المخدرات، وإفقار العراقيين وصرفهم بسلب عقلوهم عن الانتباه إلى مشاريعها ذات المد الخطير والتغيير الديموغرافي؛ تأتي الاعترافات التي تصدر تباعًا من جهات ذات صلة بالأمن أو الصحة وغيرهما فيما يتعلق بالمخدرات وتعاطيها في العراق؛ بما يعطي تصورًا عن المرحلة الثالثة لعلاقة العراق مع هذه الآفة، فقد كانت البلاد أولًا نقية منها قبل الاحتلال ومع ذلك فإن قانونًا صارمًا شرع بحق من يروج لها بحيث تصل عقوبته إلى الإعدام، ولكن الحال تغير مع أول سنة بعد الاحتلال حيث بدأت عصابات وميليشيات إيران تنشط في نقل المخدرات إلى مناطق أخرى عبر العراق مستغلة غياب الرقابة وانفلات الأمن، إلى أن انتهى الأمر إلى ما هو عليه اليوم حيث صار العراق بؤرة للمخدرات ترويجًا وتعاطيًا بعدما كان نقيًا حتى من ذكر اسمها.
القضية الثالثة: كما هو متوقع في كل عام؛ غرقت أغلب شوارع وأحياء المدن في عموم محافظات العراق مع بدء موسم الشتاء؛ بسبب انهيار البنية التحتية؛ التي يعود استمرار انهيارها لأسباب معلومة وغير خفية، تأتي في مقدمتها عملية التآكل المستمر لقطاع البنى التحتية والخدمات في العراق على مدى سنوات الاحتلال، بمصاحبة السرقات الهائلة للمال العام التي تورطت بها حكومات بغداد المتعاقبة وأحزابها السياسية؛ وهما السبب الأبرز في معاناة العراقيين على مستوى الخدمات خاصة، وعلى كل واقعهم بشكل عام.
وفي كل موسم شتاء تظهر فضائح النظام السياسي في العراق على هذا النحو، بالرغم من الميزانيات الهائلة التي تظهر لاحقًا ضمن القوائم والكشوفات المالية المخصصة لمجالس المحافظات والبلديات وغيرها من المؤسسات المعنية بالخدمات، ثم تمر مرور الكرام ولا يُحاسب أحد على صرفها أو يُسأل عن تبديدها، ولو كان الأمر يقتصر على تداعيات الأمطار التي تكشف عن انعدام تام للبنى التحتية لكان الحديث عنه سهلًا، ولكن بالنظر إلى ما تشهده مدن العراق من خراب بكل معنى الكلمة في فصول السنة كافة يعقد المسألة ويبعث على التأكيد على تساؤلات لا يمل العراقيون من طرحها؛ رغم أنهم يعرفون إجاباتها سابقًا: أين تذهب أموال النفط ومبيعات البنك المركزي وواردات المنافذ الحدودية إذا لم يكن لها أثر على الواقع الخدمي؟.
الــقـسم الـسـياســي
2/جمادى الآخرة/1444هـ
26/ 12/ 2022م