

وفي المقابل يستذكرون مواقف وطنية مشرّفة، لا تُنسى، رافقت هذه الفصول، حيث واجه أصحابها العدوان الآثم بكل شجاعة وثبات، فرغم حالات الأذى والخطورة واحتمالاتها كلها التي جابهتهم، إلا أن روح العزم والمطاولة لديهم لم تنضب، بل كانت تتجدد، حيناً بعد حين، فكانوا يواصلون عملهم بجد مسخرين إمكانياتهم الذاتية إلى أقصاها.
قبل بدء العدوان ومع تطورات الأحداث وسيل التهديدات الموجهة إلى العراق، كان على إدارة هيئة الكهرباء وضع الخطط اللازمة وما يتبعها من تحضيرات لمواجهة تداعيات العدوان المحتمل، وتقليل ما أمكن من خسائر بشرية أو مادية، فتم تشكيل غرفة عمليات مركزية برئاستي (كنت وزيراً لهيئة الكهرباء، حينها) ضمَّت في عضويتها المديرين العامين العاملين في بغداد كافة والعديد من مديري الأقسام الفنية والادارية في مقر الهيئة.
انطلق عمل هذه الغرفة مع بدء إطلاق صافرة الإنذار الأولى، فكان عملها ساخناً على مدار الساعة في استدراج مواقف الحوادث من التشكيلات التابعة للهيئة المنتشرة على مساحات العراق كافة وتوحيدها بتقارير يومية شاملة، وكذلك إصدار الأوامر الخاصة لتنفيذ المناورة في عمل فرق الطوارئٔ الموزعة على مقرات الدوائر في بغداد والمحافظات لتأمين الإسناد اللازم الذي يضمن سلامة العاملين ومعدات المنظومة الكهربائية العاملة.
كان هذا جانب من عمل هذه الغرفة، أما الجانب الأهم الذي احتل الأولوية في مهماتها فكان الإشراف الفني على عمليات التشغيل الاستثنائية والبعيدة عن سياقات العمل التقليدية والتي نفذت بوساطة مراكز التشغيل والسيطرة الرئيسة والفرعية منها، حيث كان الهدف الأول هو استمرار عمل الشبكة الكهربائية ومنع حصول الإطفاء الشامل لها والذي سوف يؤدي الى انقطاع التيار الكهربائي عن عموم المواطنين في أنحاء العراق كافة، وكذلك المرافق الحيوية (مستشفيات، محطات ضخ المياه، مضخات المجاري، عقد اتصالات، إنارة عامة.... الخ) والتي لها صلة مباشرة بتوفير شيءٍ من شروط مواجهة تداعيات العدوان المختلفة الحاصلة جراء القصف الصاروخي والجوي المستمر بالإضافة الى العمليات القتالية الأخرى.
نفذت غرفة العمليات هذه مهماتها بمهارة عالية حيث كتب لها النجاح في المحافظة على استمرار عمل المنظومة الكهربائية (ولو بنحو جزئي) الى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية بفعل تضحيات وجهود كبيرة بذلها العاملون في قطاع الكهرباء (رجالاً ونساءً) فكانت إحدى عناوين الشجاعة والتصدي فرضت حضورها في لوحة المواجهة الوطنية الكبرى .
تحية عراقية خالصة لهؤلاء الأبطال، أمدَّ الله الأحياء منهم بالصحة والعافية والرحمة على أرواح المتوفين.


أنشر هنا صورتين من استمارة المواقف للحوادث الحاصلة جراء العدوان والتي كانت توحد وتنظم بجداول يجري عرضها على أعضاء غرفة العمليات لاتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها.