السبت 26 / سبتمبر / 2026

الاتفاق السعودي الإيراني، ملفات الأمن والسياسة 1

إعادة العلاقات الدبلوماسية حق سيادي لكن حالة الرياض وطهران ليست اعتيادية

مصطفى كامل
الإثنين 13 مارس, 2023 14:48
 

بينما تتوالى أنباء التدهور في الاقتصاد الإيراني والهبوط غير المسبوق للعملة الإيرانية، ومع تزايد الضغوط الدولية، ولو شكلياً، على النظام الإيراني، ومع الغليان المتجدّد لثورة شعوب إيران، التي تخترع أية فرصة للاحتجاج على نظام الولي الفقيه، ورفض أبناء تلك الشعوب المتزايد لإجراءاته وممارساته، وبينما كانت دول الشرق الأوسط توشك على الاستيقاظ من نومها صباح الجمعة 10 آذار/ مارس 2023 أعلن من بكين في أقصى شرق العالم عن توقيع اتفاق بين الرياض وطهران برعاية صينية يقضي باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة دامت سبع سنوات.

وبعيداً عن التشاؤم الذي قد يبديه بعض المحللين، ومعهم في ذلك حقٌ لن نختلف على مقداره كثيراً كان أم قليلاً، وبعيداً كذلك عن التفاؤل المصحوب بموجتي دعاية سياسية (بروباغندا) وأوهام، أؤكد أن لأية دولة حقٌ سيادي لا يُناقش، من حيث المبدأ، في إقامة علاقات دبلوماسية مع أية دولة أخرى، فهذه من بديهيات العمل السياسي بين الدول، ومن الطبيعي جداً أن تقوم تلك العلاقات الدبلوماسية على أساس التكافؤ في الحقوق وفي السيادة وعلى قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إلا أن الحالة التي نتحدث عنها اليوم ليست حالة اعتيادية، مما يصحّ عليه الكلام العام، فالسعودية ليست أية دولة، إنها دولة قائدة في محيطها محورية في العالم، وإيران ليست أية دولة، إنها رمز الإرهاب وراعيته ومصدّرته إلى العالم، وبالتالي فالعلاقات بين السعودية وإيران لا يمكن أن تكون عادية لاعتبارات أكثر من أن تُحصر، وهي بالتأكيد ليست شأناً سعودياً حصرياً، لأهمية ومكانة المملكة وتأثير تلك المكانة في مساحات أوسع من جغرافيتها السياسية، كما أن النظام الإيراني يعاني الكثير، مما يدفع بعض المحللين ليروا في هذا الاتفاق وكأنه حبل إنقاذ للنظام وفرصة له لالتقاط الأنفاس. والذي يتابع القنوات الإعلامية للنظام الإيراني وكيف تعاملت مع الاتفاق وكيف عبّرت عن سرورها بتوقيعه يُدرك جيداً هذا الأمر.

صحيحٌ أن غالب هذا السرور نابع عن دعاية سياسية يُعرف عن نظام طهران إجادته لأساليبها وبراعته في استخدامها، لكن خلف هذه الدعاية عوامل حقيقية لا تُخطئها عين اللبيب.

وقد يقول قائل، وهو رأي مطروح بالفعل، إن هذا الاتفاق ما يزال في أول أيامه وأنه مرهون بمدة زمنية قوامها ستون يوما ليصبح نافذاً، وبالتالي فإن الحكمة، بحسب أصحاب هذا الرأي، تقتضي أن ننتظر ولا نسرف في التشاؤم، خصوصاً أن مدة الانتظار ليست طويلة.

وللجواب على هذا الرأي الذي يردّده عربٌ كثيرون، كما سعوديون، نقول" صحيح أن هذا الاتفاق وقًع قبل يومين وأن ملامحه لم تتضح بعد لكننا لسنا حديثو عهدٍ بإيران وبتاريخ الاشتباك الدائم معها، فنحن في العراق لدينا تاريخٌ من الاشتباك المباشر والتفصيلي مع هذا المشروع العنصري التوسعي يمتدّ لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، وبالتالي فإنّ خبرتنا ليست بنت يومين كما يتوهّم بعضهم، بل خبرة ثلاثة آلاف سنة ويومين.

عندما يعيد بلدٌ ما علاقاته الدبلوماسية مع بلدٍ آخر، بعد قطيعة، فقد ألزم نفسه، ابتداءً، بأعباءٍ إضافية وبمحددات إضافية بعد أن كان في حلٍّ من تلك الالتزامات خلال مرحلة القطيعة، فلماذا تُلزِم الرياض نفسها بأعباءٍ إضافية ومحدّدات حركةٍ إضافية في هذا الوقت بالذات؟

من الناحية السياسية عندما يعيد بلدٌ ما علاقاته الدبلوماسية مع بلدٍ آخر، بعد قطيعة، فقد ألزم ذلك البلد نفسه، ابتداءً، بأعباءٍ إضافية وبمحددات إضافية بعد أن كان في حلٍّ من تلك الالتزامات خلال مرحلة القطيعة، فلماذا تُلزِم الرياض نفسها بأعباءٍ إضافية ومحدّدات حركةٍ إضافية في هذا الوقت بالذات الذي يتهاوى فيه اقتصاد طهران وتفقد فيه قدرتها على إدارة بعض شؤونها الداخلية، فضلاً عن الضغط الدولي المتنامي حولها؟

وهذا السؤال لا يجوز القفز عليه إطلاقاً تحت أية ذريعة.

ولكن، طالما أن الاتفاق قد وقّع فربما يكون من المناسب التركيز على المخاطر التي قد نواجهها من جانب إيران في قادم الأيام، وعلى كيفية استخدام الاتفاق أداة للتصدي لها، دون التركيز على "لماذا وقعت السعودية الاتفاق؟" فحسب.

ولابد كذلك من الإشارة إلى أن توقيع اتفاق بين طرفين شيء والتزام الطرفين بكل بنوده أو معظمها شيء آخر، وفي حالتنا هذه فإن الطرف الذي لن يلتزم هو إيران بالتأكيد، وأجزم أن العمر الحقيقي لهذا الاتفاق قصير وإن طال شكليا.

 

البعد الأمني تفاوضاً واتفاقا

مما يلفت النظر في موضوع إعلان الاتفاق دلالات شخصيات الموقّعين عليه، إذ وقّعه عن الرياض مستشار الأمن الوطني السعودي مساعد بن محمد العيبان ووقعه عن طهران أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، وهما شخصيتان أمنيتان، وحتى جولات التفاوض، الخمس في العراق وتلك التي لا يُعرف عددها بالضبط في سلطنة عمان، كانت أمنية بالكامل وليست دبلوماسية.

وإذا كان معتاداً أن تتولى جهات أمنية، مخابراتية تحديداً، إنجاز ملفات التفاوض، كما في حالات مماثلة، فإن المعتاد أيضاً أن يكون الإعلان عبر الطرق الدبلوماسية المعروفة، إلا إننا وجدنا هنا أن التفاوض والإعلان كلاهما كان أمنياً، بمعنى أن الملفات بين الطرفين ليست سياسية وإنما أمنية بالدرجة الأولى والأخيرة، وهذه دلالة مهمة للغاية.

في الشقّ الأمني اتفق البلدان على تفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة بينهما في نيسان/ أبريل 2001، لكن الوقائع على الأرض اليوم ليست كما هي قبل 22 سنة، فالعراق الذي كان حائط صدٍّ لا يُغفل أمام المطامع الإيرانية أزيل من الوجود تماماً وحلّت بدلاً عنه مجاميع ميليشياوية إرهابية إيرانية الهوى والهوية تتحكم ببلدٍ هائل الموارد الاقتصادية والبشرية، ودولة اليمن العربية أزيلت لصالح ميليشيات الحوثي التي تهدّد السعودية وتوجّه صواريخها وطائراتها المسيّرة ضدّها يمنة ويسرة، بما يجعل إيران في تماسٍّ جغرافي مباشرٍ مع السعودية من جهتي الشمال والجنوب، كما أن الولايات المتحدة لم تعد معنية كما في السابق بأمن خطوط الطاقة القادمة من الخليج العربي فهناك بدائل، حيث أمن الخليج العربي لا يعنيها إلا في إطار مصالحها المباشرة.

وفي هذا الشأن، أعتقد أن من بين الأهداف الأمنية للسعودية في توقيع الاتفاق احتمال حصول ضربة (إسرائيلية) أو (إسرائيلية)- أميركية لمواقع عسكرية ونووية إيرانية، وهذا قد يدفع إيران إلى استهداف مصالح ومنشآت سعودية، وهو أمر قامت بهلم تتورّع عنه إيران في السابق، ولذا فإن إعلان إعادة العلاقات قد يمثل رادعاً يمنع إيران من استهداف السعودية، وإذا لم يردع ذلك إيران، كونها دولة لا يمكن التنبؤ بردود أفعالها، فسوف تظهر بمظهر المعتدي وتجعل شعب السعودية والعرب والعالم يقفون خلف المملكة في أيِّ ردٍّ عسكري تتخذه. وهذا ما يطلق عليه في العلوم السياسية "بناء قضية "(Building a case).

وحتى لو لم تقُم (إسرائيل) بعملٍ عسكريٍ ضد إيران، فإن تفاقم مشاكل إيران الداخلية وأزمتها الاقتصادية قد يدفعانها لافتعال أزمة عسكرية في الخليج العربي تدفع من خلالها الشعوب الإيرانية لدعم النظام وفق نظرية "تحويل الانتباه" (wag the dog) المعروفة سياسياً ومبدأ "الخطر الخارجي يوحّد الجميع" الذي سبق لنظام إيران استخدامه مراراً، لذا فإن من الأفضل نزع ذرائع طهران في استهداف السعودية.

ويقيناً فإن المستجدات التي نجمت عن غزو العراق أو حدثت في أعقابه تجعل الملفات الأمنية بين البلدين كثيرة جداً كمّاً، ومتشعبة جداً نوعاً، ومفروشة على رقعة واسعة جغرافيا.

فهناك ملف دعم الجماعات السعودية المعارضة سواء تلك المقيمة خارج المملكة أو تلك التي تدسّ رؤوسها هنا أو هناك في أنحائها، وليس جماعات التشيع السياسي وحدها المقصودة بكلامي، بل هناك علاوة على بؤر التشيع السياسي التخريبية تنظيما "القاعدة" و" داعش" وهما تنظيمان مدعومان من إيران بشكل وبآخر وينشطان في السعودية ويستهدفان نظام الحكم فيها، شاء من شاء وأبى من أبى.

وهناك ملف الحوثي وما يفتحه من أبواب تهديدٍ على المملكة مفتوحة المصاريع بسبب التماسّ الجغرافي وبسبب التداخل العشائري وبسبب الجالية اليمنية الكبيرة في المملكة.

صحيح أن الحوثيين عصابات متخلفة تملأ أفواهها بالقات كل ظهيرة، لكن الأصحَّ أن هذه العصابات مزوّدة بتقنيات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وليس أخطر من سلاحٍ فتّاك بيد همجيٍ متخلف.

وهناك ميليشيات الإرهاب في العراق، وهذه الميليشيات التي أسّستها إيران ودرّبتها وجعلتها غولاً يلتهم العراق كله، لا تخفي عداءها للسعودية بل تعلنه، ولا ننسى أن مؤسسها، وأعني جمال جعفر الإبراهيم، أبو مهدي المهندس، كان أعلن بكل وضوح أن أمنيته القصوى أن تدكّ الصواريخُ الرياضَ وليس تل أيبب، و "أبناء المهندس" الذين يتحكّمون بالعراق وبموارده البشرية والمالية والتسليحية، اليوم وإلى مدى غير منظور، على نهج أبيهم سائرون، مستفيدين مما تتيحه الجغرافيا التي تجعل من قصف الأراضي السعودية بالصواريخ عملاً ميسوراً، وقد حصل هذا من قبل فعلاً كما نعرف في قصف منشآت شركة أرامكو النفطية في منطقتي خريص وبقيق وغيرهما أيضا.

والخطر القادم من ميليشيات إيران في العراق ليس خطر الصواريخ فحسب، فهناك خطر تدريب عناصر الإرهاب الذي يستهدف السعودية وغيرها من أقطار الخليج العربي، البحرين مثلاً، فضلاً عن تدريب عناصر الحوثي طبعاً.

كما أن الوفرة المالية الهائلة المتحققة في العراق تسمح بتوفير الدعم المالي غير المحدود لكل عناصر الإيذاء والتخريب والتشويه والتضليل، وهذا ليس افتراضاً خيالياً من الكاتب كما قد يظن بعض الجَهَلة، بل هو عمل قائم متحققٌ بالفعل.

وهناك البحرين وما تقوم به إيران في هذا البلد العربي العزيز الذي شاءت له الأقدار أن يكون في مواجهة أنياب وحش المشروع الفارسي الطائفي التوسعي، والذي لولا نجدة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة له لما تمكّن من الصمود دقائق معدودة.

لذا على إيران أن تنهي وإلى الأبد الدعاوى الفارغة التي تصدر عنها بين حينٍ وآخر بشأن عائدية البحرين.

كذلك، نذكّر برفض إيران التفاوض الثنائي حول جزر دولة الإمارات العربية المتحدة الثلاث المحتلة أو إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، وبالتأكيد فإن الوقت قد حان، وخصوصاً بعد إبرام الاتفاق، لحلَّ هذه القضية المستعصية في العلاقات العربية الإيرانية.

باعتقادي أن ملفي اليمن والداخل السعودي هما الأهم في المفاوضات ولا مجال لقضايا أخرى، وهذا مفهوم بالتأكيد وإن كنا نرفضه.

وملف سوريا مؤثّرٌ على العلاقات بين السعودية وإيران هو الآخر، فسوريا محور صراعٍ لابد أن يُحسم، إما بانتصار مشروع تفريسها وتشييعها أو بانتصار الحفاظ على عروبتها وإسلامها، والمؤشرات تتجه نحو انتصار مشروع التفريس والتشييع فهو الفاعل على الأرض وهو المتحقق بالفعل فوقها، فهل يمكن أن تقبل الرياض بذلك الانتصار؟!

وهناك ملف لبنان الذي كان على مدى عقود ميداناً لنفوذ سعودي (محدود) بحكم الاستقطاب الطائفي الشديد الذي يعيشه هذا البلد، في مواجهة نفوذ إيراني تمثله حركتا حزب الله وأمل وقوى مسيحية وأخرى سنية ورابعة درزية، والنفوذ السعودي فيه بالتأكيد لا يوازي التوغل الإيراني ولا يدانيه حتى، فليس للمملكة ميليشيات ولا سلاح وهي لا تسيطر على حقائب الجيش والأمن والاتصالات والقضاء والبرلمان والإعلام، فهذه كلها تحت مظلة هيمنة إيران المطلقة، فلك أن تقول إن للرياض "مَونة" على جهات بعينها وهي "مَونة" تاريخية متوارثة في الحقيقة أكثر من كونها نفوذاً وسيطرة.

والأردن ليس بعيداً عن طاولة المفاوضات الأمنية، فملف الأمن فيه يعني المملكة، لكثيرٍ من الاعتبارات، والرياض، كما أفترض، لن تسمح بانكشاف ظهر عمّان أمام طهران بأي شكلٍ من الأشكال، وإيران لا تُخفي سعيها المحموم للولوج إلى المجتمع الأردني مستغلةً أزماته ومعاناته، وهو سعي يخفت حيناً ويستعر أحياناً، سواء من خلال الرغبة بـ "السياحة الدينية" لمزار جعفر الطيار، رضي الله عنه، أو من خلال مزاعم الدعم الاقتصادي، النفطي تحديداً، مباشرة أو عبر العراق، أو من خلال التأثير المحتمل على التركيبة السكانية شرق أردنية/ فلسطينية أو غير ذلك من المنافذ.

وملف الحركات الفلسطينية هو الآخر لا يغيب عن تلك الطاولة التي تتناثر عليها الملفات الأمنية، فإيران اشترت حركات فلسطينية بالكامل واستأجرت أخرى، وهي تسعى للتأثير على مجموعة ثالثة، ومخاطر هذا التغلغل الإيراني لا تغيب عن بال المفاوض الأمني السعودي بالتأكيد.

ملف المخدرات الذي تريد إيران إغراق المجتمع السعودي بجحيمه هو الآخر مطروح، سواء تلك التي ترد عن طريق لبنان، عبر الأردن، أو عن طريق العراق البري أو عبر المنافذ البحرية المتعددة للمملكة.

مضيقا باب المندب وباب العرب (مضيق هرمز) ملف جدّي كذلك، والأمن في هذين الممرين البحريين، اللذين يمثلان شريانين عالميين مهمين لحركة الطاقة والبضائع، ضرورة سعودية ومسؤولية سعودية أيضاً، فكيف وهما يقعان تحت تأثير الخطر المباشر لإيران وغير المباشر عبر عصاباتها؟

لقد نظّمت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 الملاحة في جميع المضائق، وهذان المضيقان يُعتبران وفق المادة 38 من هذه الاتفاقية جزءاً من أعالي البحار ويحقّ لكل السفن، تجارية أو حربية، المرور فيهما ما دام ذلك لا يضرُّ بسلامة الدول الساحلية أو يمسّ نظامها، وإيران لم تصادق على الاتفاقية ولم تعترف بالمرور العابر في أي جزء من مياهها الإقليمية أو في مضيق باب العرب (هرمز) بل إنها تمادت وفرضت قيوداً على المرور البريء أيضاً، ومطلوب من إيران، كإجراء بناء ثقة، أن تنضمَّ إلى هذه الاتفاقية لحسم ملف المضائق وممرات التجارة في الخليج العربي.

وهناك ملف الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب في العالم، وهو مع كونه ملفاً سعودياً في جانبٍ منه، إلا أنه في جوانب أخرى مسؤولية سعودية أمام العالم أيضاً، فالمملكة دولة مسؤولة لها التزاماتها أمام المجتمع الدولي، أما نظام الحكم في إيران فعصابة مارقة تقوم على التهديد والابتزاز والعبث بل وممارسة الإرهاب بالفعل، وشتّان بين الحالتين.

وهناك العديد من الملفات الأمنية الاستراتيجية المفتوحة بين البلدين، ويقيناً فإن السعودية هي من يتحمل الثقل الأكبر من الأذى الإيراني، إذا لم يكن كل الأذى، فليس هناك تأثير سعودي على ما يجري في الداخل الإيراني، وليس هناك دعم حقيقي لأي من جماعات المعارضة الإيرانية لا المسلحة منها ولا السياسية، وأقصى ما فعلته الرياض خلال السنوات الماضية كان تقديم دعم مالي بسيط جداً وخفيّ للغاية وغير مباشرٍ دائماً لبعض الأنشطة الإعلامية المُقامة هنا أو هناك، وهي أنشطة لم تكن مؤثرة لأسباب عديدة في مقدمتها أنه غير ظاهر، والدعم الخفيّ يصون الجهة التي تقدّمه عن أية مساءلة ويجعل الجهة التي تتلقاه في مهبّ أية ريحٍ قد تواجهها، وبالفعل فقد عبثت عواصف عديدة بتلك الجماعات والقوى حتى انزوى بعضها وتلاشت أخريات.

فهل سمحت جولات التفاوض في بكين ببحث كل هذه الملفات بكل تفاصيلها؟ أم أن المرور عليها كان أم عابراً، أم أنها لم تحظ بأي اهتمامٍ أصلا، حيث التركيز على قضية اليمن وعلى ملف صيانة الأراضي السعودية من أي اعتداء، حتى في حال حصول هجوم صهيوني على إيران؟

باعتقادي أن ملفي اليمن والداخل السعودي هما الأهم، وهذا مفهوم بالتأكيد وإن كنا نرفضه.

 

فخ الصياغات

تضمن الاتفاق عبارة لم تكن تكراراً لما هو شائع في حالات مماثلة، حيث نصَّ على تأكيد الرياض وطهران "على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية" إلا أن هذه العبارة وإن تكن صيغت بعناية إلا أنها في ذات الوقت حمّالة أوجه ويمكن استغلالها بشكل سيء من جانب إيران، كما حصل عند صياغة قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 242 لسنة 1967 بشأن "انسحاب (إسرائيل) من أراضٍ محتلةٍ بعد حزيران/ يونيو 1967" وليس "من الأراضي المحتلة".

نجاح السعوديين في جعل إيران تقبل صياغة ما كانت تقبل بها في أي اتفاق ثنائي أو إقليمي سابقاً، يفرض التذكير الدائم بما يترتب على تلك الصياغة من إجراءات مطلوبة من جانب نظام طهران.

وإمكانية الاستغلال السيء هذه دفعت الإيرانيين إلى التلاعب بهذه الفقرة الجوهرية قبل أن يجفّ حبر التوقيع على الاتفاق، وفيما جاء النص الذي أعلنته السعودية بالصيغة الواردة في أعلاه جاء في البيان الرسمي الإيراني عبارة "أكد البلدان على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض" والاختلاف بين الصياغتين جوهريٌ وخطيرٌ، ولا يعود سببه بالطبع إلى عامل الترجمة، فقد جاء البيان المشترك بثلاث لغات، هي العربية والإنجليزية والفارسية، وحتى النص المعتمد باللغة الإنجليزية يطابق النص المعتمد باللغة العربية الذي أعلنته السعودية، فيما النص الذي أعلنته إيران هو وحده المختلف، وهذا الاختلاف عائدٌ لخبث الولي الفقيه المعتاد بالتأكيد.

والحقيقة أن السعودية لن تتدخل طبعاً، وهي لم تتدخل من قبل أصلاً لأسبابٍ عديدة، لا في الشؤون الإيرانية الداخلية ولا في شؤون الدول التي تراها طهران شأناً إيرانياً داخلياً، مثل العراق، بل وحتى اليمن فإن السعودية لم تتدخل في شؤونه الداخلية إلا بمقدار درء تأثير الأوضاع هناك على شؤون المملكة الداخلية، ومن هنا فالمشكلة تكمن في إيران التي تعتبر شؤون جيران السعودية في الشمال والجنوب شأناً إيرانياً داخلياً بما يسمح لها بالعبث حيث شاءت وكيف شاءت ما دام ذلك في متناول يدها، والعراق واليمن واقعان في اليد فعلاً وليس في المتناول فقط.

وهنا علينا ألا نغفل حقيقة أن الدستور الإيراني فيه فقرات عديدة تتناقض مع مبدأ "سيادة الدول" ومع مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" وعلى إيران أن تأخذ ذلك بالاعتبار إذا أرادت فعلاً احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

كما أن "احترام سيادة الدول" يستوجب أن تحلّ إيران فيلق القدس بجميع تشكيلاته، وهو فيلق مهمته التدخل العسكري في الدول الأخرى وصنّفه الاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية.

ولكن، بما أن السعوديين نجحوا في جعل إيران تقبل هذه الصياغة التي ما كانوا يقبلون بها في أي اتفاق ثنائي أو إقليمي في السابق، فإن المطلوب الآن التذكير الدائم بما يترتب عليها من إجراءات مطلوبة من جانب نظام طهران، وهذا ما رتّب علينا ذكر الملفات الأمنية بين البلدين، كما يتطلب تحفيز المملكة الدائم على الاهتمام بتلك الملفات إعلامياً حتى وإن كانت حاضرة في عقل المفاوض الأمني والدبلوماسي.

يتبع بعد غد في ملفات أخرى

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram