الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

كامب ديفيد، نظام حكم وليست معاهدة

محمد سيف الدولة
الإثنين 29 مارس, 2021 11:40
"كامب ديفيد" أشمل وأخطر بكثير من مجرد معاهدة.
 يخطئ من يتصور أن معاهدة (السلام) المصرية مع الكيان الصهيوني الموقعة في 26 آذار/ مارس 1979، والتي تحل هذا الشهر ذكراها الثانية والاربعون والمشهورة باسم "اتفاقيات كامب ديفيد"، هي مجرد اتفاقية ثنائية استطاعت مصر من خلالها استرداد ارضها المحتلة، مقابل اقامة علاقة طبيعية مع (اسرائيل) وبعض الترتيبات والتنازلات الامنية والعسكرية المصرية في سيناء.

فـ "كامب ديفيد" هي أشمل وأخطر من ذلك بكثير؛ هي نظام حكم كامل متكامل، وضعه الأميركان و(اسرائيل) وحلفاؤهم لتفكيك مصر التي حاربت وانتصرت في حرب 1973، وبناء مصر اخرى تابعة للأميركان لا ترغب في قتال (اسرائيل) أو في تحديها، وإن رغبت لا تستطيع. "كامب ديفيد" هي عصر كامل قائم بذاته ونظام حكم يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا منذ سبعينات القرن العشرين حتى يومنا هذا.

"كامب ديفيد" تعني الانخراط في كل أحلاف أميركا العسكرية، والالتزام بما تقيمه من ترتيبات أمنية في الاقليم، وتنفيذ الأدوار والمهام التي تطلبها من مصر في حروبها واعتداءاتها العسكرية في المنطقة بدءاً بما يسمى "حرب تحرير الكويت" مروراً بغزو أفغانستان والعراق وحتى يومنا هذا.

انه ذلك النظام الذى كتبت عنه كثيرا تحت عنوان "الكتالوغ الأميركى لحكم مصر"، والذى يمكن تلخيصه فيما يلي:

  1. تجريد ثلثي سيناء من القوات والسلاح الا بإذن (اسرائيل) وفقا للملحق الامني من المعاهدة، حتى تظل رهينة التهديدات الاسرائيلية المستمرة، بما يمثل اقوى اداة ضغط واخضاع فعالة لأي ارادة مصرية، خاصة في ظل عقدة 1967 التي لا تزال تسيطر على العقل الجمعي لمؤسسات الدولة المصرية.
  2. مع اعطاء الأميركان موطئ قدم في سيناء، وقبول دخول قواتهم الى هناك لمراقبة القوات المصرية، ضمن ما يسمى بالقوات "متعددة الجنسية والمراقبين" التي يرأسها سفير في وزارة الخارجية الأميركية ولا تخضع للامم المتحدة.
  3. مع اعطائهم تسهيلات لوجستية في قناة السويس والمجال الجوي المصري، قال عنها الأميركان، انها كان لها دورا كبيرا في نجاح قواتهم في غزو العراق.
  4. مع الانخراط في كل أحلافها العسكرية، والالتزام بما تقيمه من ترتيبات أمنية في الاقليم، وتنفيذ الأدوار والمهام التي تطلبها منا في حروبها واعتداءاتها العسكرية في المنطقة بدءاً بما يسمى "حرب تحرير الكويت" مروراً بغزو أفغانستان والعراق .. وحتى يومنا هذا.
  5. تصفية الاقتصاد الوطني الذى كان يدعم المجهود الحربي اثناء الحرب، واستبداله بمعونة عسكرية أميركية مقدارها 1.3 مليار دولار تستهدف ترسيخ النفوذ الأميركي في مصر واحتكار غالبية التسليح المصري والتحكم في موازين القوى لصالح (اسرائيل) مع تسليم الاقتصاد المصري الجديد لصندوق النقد والبنك الدوليين لإدارته وتوجيهه والسيطرة عليه.
  6. تاسيس نظام حكم سياسي جديد تكون على راس أولوياته حماية امن (اسرائيل) والحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الأميركية، التي يجب ان توافق على شخصية رئيس الجمهورية وفقا للتصريح الشهير للدكتور مصطفي الفقي عام 2010، مع فرض حصار سياسي وامني على كل من يرفض الاعتراف بـ (اسرائيل) ويناهض اتفاقيات كامب ديفيد.
  7. استئثار وسيطرة راس المال الاجنبى والمحلى على مقدّرات البلاد وثرواتها. وصناعة طبقة من رجال الاعمال المصريين تكون لها السيادة على باقى طبقات الشعب، وتقوم بدور التابع والوكيل المدافع عن مصالح وسياسات الأميركان والصهاينة في مصر.
  8. تصفية أي تيارات وطنية ايا كانت مرجعيتها الايديولوجية، تناهض الولايات المتحدة و (اسرائيل)، مع كسر شوكة الشعب المصري والقضاء على روح الانتماء الوطنى لديه.

وتفاصيل أخرى كثيرة لا نزال نعيش تحت وطأتها حتى اليوم.

لكل الواهمين والمطبّعين نقول:

فصل النهاية لم يكتب بعد، والأمور يستحيل أن تستقيم وتستقر في مصر أو المنطقة كلها، إلا بعد تحرير مصر من براثن التبعية ومن قيود المعاهدة، بالإضافة الى تحرير كامل الأرض المحتلة وتطهير المنطقة كلها من هذا الكيان المسمى بـ (اسرائيل).

ان الذين يدَّعون ان (السلام المصري الاسرائيلي) أصبح أمراً واقعاً وراسخاً اليوم، وواحداً من أهم الركائز والمسلمات والثوابت التي تقوم عليها الدولة المصرية ومؤسساتها وسياساتها، ويدَّعون ان التطبيع الجاري اليوم على قدم وساق بين عديد من الدول العربية وبين (اسرائيل)، يثبت صحة وحكمة الطريق الذى انتهجته مصر مبكراً منذ 40 عاما، ويتهمون قوى المعارضة الوطنية بأنهم ما زالوا يعيشون في العصور الوسطى، ويسفّهون مواقفهم التي تناهض (اسرائيل) وترفض الاعتراف بشرعيتها والتطبيع معها وتطالب باسقاط المعاهدة والتحرر من قيودها وآثارها المدمرة...

الى هؤلاء، نقول ونؤكد أن فصل النهاية لم يكتب بعد، وأن الامور يستحيل أن تستقيم وتستقر في مصر أو المنطقة كلها، بعد عام أو عقد أو بضعة عقود إلا بعد تحرير مصر من براثن التبعية ومن قيود المعاهدة، لكل الأسباب التي ذكرناها عاليه، بالإضافة إلى تحرير كامل الأرض المحتلة وتطهير المنطقة كلها من هذا الكيان المسمى بـ (اسرائيل).

وتأملوا حالة الرفض الشعبي المصري القاطع للتطبيع مع العدو رغم مرور 42 عاما على المعاهدة، فهذا الشعب الكريم الذي قد يظهر للبعض أحياناً أنه قد خضع واستسلم للامر الواقع، ما إن نال حريته الحقيقية لبضعة شهور قليلة إبان ثورة يناير، إلا وانطلقت جموعه الغاضبة لحصار سفارة الكيان الصهيوني واغلاقها في أيلول/ سبتمبر 2011، لتعيد وتؤكد حقائق ثابتة على مر التاريخ من ان الشعوب لا تستسلم ابدا لأعدائها. فلعلها تكون عبرة لمن يعتبر.

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram