

ملاحظات تمهيدية
أولا: هذا المقال حاصل استقراء ميداني ونقاشات عميقة ومستفيضة امتدت سنوات مع أشقاء عرب، كتاب وصحفيين وناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، من كل الجنسيات ومن توجهات سياسية وفكرية شتى.
ثانياً: العرب المقصودون بكلامنا هنا هم المخدوعون بخطاب النظام الرسمي العربي، وهو نظام بعضه بائس متخاذل جبان، وبعضه مغلوبٌ على أمره غارق في مصائبه، وبعضه ضالع في المؤامرة ضد العراق بل هو جزء أساسيٌ منها وفي صميمها. والشقيق الذي لا يجد نفسه ضمن هذا التصنيف غير مقصود حتما.
ثالثاً: لا ينطلق كاتب المقال من رؤية قطرية منعزلة، فهو عروبي التوجه، يؤمن أن أي قطر في الأمة العربية هو وطنه، وأن العراق، الذي له ينتمي، هو عراق أمته كلها، وهو إذ يناقش قضية العراق فإنما يفعل لأهمية هذه القضية وتأثيرها على الأمة كلها، كياناً وهوية، حاضراً ومستقبلا.
رابعاً: أتحدث عن أشقاء في الخليج العربي ومصر ولبنان بتخصيصٍ لا حصر، فالكلام يعمُّ في مراميه وإن خصّ في بعض فقراته، أتحدث عنهم لأن الأشقاء من هذه الأقطار يسيطرون على الفضاء الإعلامي العربي، فالمواطن العربي في مشرق الوطن العربي ومغربه، وفي المهاجر، يشاهد القنوات التي تبثّ من هذه الأقطار العربية، أو يسيطر عليها حملة جنسياتها، ويقرأ وسائل الاعلام الصادرة من هذه الأقطار العربية أو يهيمن عليها حملة جنسياتها، وبالتالي فإن توجهات الخطاب الرسمي في أقطار الخليج العربي وفي مصر، والتجاذبات التي تجري في لبنان، تؤثر علينا كعرب أياً كانت جنسيتنا القُطرية، وأياً كان محل إقامتنا، شئنا أم أبينا.
فمن منا لا ينفق ساعات يومه في مشاهدة قنوات "الجزيرة" و "العربية" وسكاي نيوز" و "MBC" ومثيلاتها؟ ومن منا لا يقرأ "الشرق الأوسط" و "النهار" و "القبس" و "العربي الجديد" و القدس العربي" و "العرب" وصحفاً أخرى على شاكلتهـن، بعد أن اختفت طيبة الذكر "الحياة" التي تقع ضمن هذا التصنيف أيضاً؟
والآن إلى التفاصيل التي فيها يكمن الشيطان وعلينا الانتباه إليه في ثناياها..
بعض أشقائنا يعرفون أن من يتحكّم بالعراق اليوم لا ينتمي له وليس له فرصة للبقاء فيه، ولكن بعضهم لا يجد أمامه وسيلة للتعبير عن (محبته) للعراق إلا من خلال إطالة أمد بقاء هذه الطبقة الفاسدة القاتلة المزوّرة!
في الغالب، ما إن تصادف عربياً، من أحد أقطار الخليج العربي أو لبنان أو مصر مثلاً، إلا عبّر لك، وأنت الذي تحمل جنسية عراقية، عن حبه للعراق، وتغنّى لك بأمجاده وتاريخه، وأشار إلى ثرواته. ولعل بعضهم يسترسل فيتكلم بأسى عن واقع العراق، ويتأسف لما يجري فيه ويعبّر عن حزنه لما يصيب أبناءه.
لكن ما إن يمتد بكما الحديث المشترك لبضع دقائق حتى تجد هذا العربي يكشف عن جهلٍ مطبقٍ بحقائق الأشياء في العراق، جهلٍ بحقائق حاضره، وتسطيحٍ مخلٍ لواقع ما يجري فيه، وغيابٍ تام لإدراك ما يستلزم لمستقبله ولإنقاذ أهله، مع أن في إنقاذه مصلحة للأمة كلها بعد أن كان احتلاله انهياراً للأمة كلها.
ومع أن هذه المشاعر التي يعبّر عنها غالب أشقائنا طيبةٌ، مشكورٌ من يُبديها إلا إنني أسأل:
أيّ عراقٍ يحبه هؤلاء الأشقاء؟
وعلى أيِّ عراقٍ يتأسفون؟
وسأجيب..
بعض أشقائنا العرب هؤلاء يحبون عراق سومر وبابل وآشور وأكد، وهذا عراق طُويت صفحاته قبل آلاف السنين، ومن يريد أن يراه ما عليه سوى أن يقطع تذكرة سفر إلى باريس، حيث "اللوفر" وتذكرة الدخول إليه نحو 20 يورو فقط، أو إلى لندن، حيث المتحف البريطاني والدخول إليه مجاني، أو إلى برلين، حيث متحف "الهرم" ولا يتعدى ثمن تذكرة الدخول إليه مبلغ 12 يورو، وهناك في تلك المتاحف المبهرة سيجد كل معالم حضارة وادي الرافدين العظيمة محفوظة بشكل جيد ومعروضة على نحو رائع ويمكن له أن يستمتع بالنظر إليها والتعرف على تفاصيلها.
سيجد أشقاؤنا هؤلاء (العراق) الذي يحبون هناك في دول القارة الأوروبية التي يحبون قضاء معظم أيامهم فيها، ذلك لأن متاحف العراق خاوية الآن بعد أن أفرغ الغزاة الذين انطلقوا من بعض بلدان أشقائنا، وبعض التجار من أشقائنا، خزائنها واستولوا على كل ما كانت تحتويه من روائع وعجائب.
يحب أشقاؤنا العرب أيضاً عراق المنصور والرشيد والمأمون، وهذا عراق يقرأون عنه في الكتب، وبإمكان أي منهم أن يستعيد هذا (العراق) الذي في مخيِّلتهِ بقراءة كتبٍ عن تاريخ الدولة العباسية، وإذا كان الشقيق المعني يحبُّ المغامرات الخيالية فله أن يقرأ في "ألف ليلة وليلة" ففيها سيجد ضالته وسيسرح بخياله إلى حيث الجواري والقيان والمجون الذي تبرأ منه حاضرة بني العباس في عهدها الزاهر، وإن تلوّثت به بعد ذلك.
بعض أشقائنا العرب يحبون عراقاً آخراً، إنه عراق الملوك الراحلين، فيصل الأول وغازي وفيصل الثاني، وهذا عراق انتهى قبل 63 عاماً، وتشير بعض الوثائق التاريخية إلى أن لبعض (أشقائنا) دور في إنهائه، ولو بشكلٍ غير مباشر.
آخرون يحبون عراقاً أكثر قرباً من الناحية الزمنية، هم يحبون عراق صدام حسين، يحبون فيه جرأته وشجاعته في التصدي للمشروع الفارسي، الذي يجهل كثيرٌ من أشقائنا حقيقته حتى الآن، لكن حتى هؤلاء يفاجئونك بالقول وهم يلوون رؤوسهم وعيونهم تداري خجلها: إن صدام أخطأ والعراق الآن يتحمّل أخطاءه.
أي أنهم يحمّلون العراق وحده مسؤولية ما حصل ويحصل، ذاك لأن حكامهم أبرياء منزّهون بلا أخطاء، ملائكة معصومون حتى عن نية السوء، لذا فإن الأشقاء الناطقين بلسان حكامهم أو المتأثرين بخطابهم يمارسون مهمة رجم صدام حسين بالحجارة، فهو، عندهم، وحده المخطئ، وهو، لديهم، وحده من يتحمّل مسؤولية ما جرى، وكأن الرجل كان يعيش بلا محيط خارجي قريب، فاعلٍ ومؤثر، وبلا مؤثرات من مصادر أبعد، أي أنه هكذا كان، ومعه العراق، معزولاً في الفضاء البعيد، لا يتأثر بشيء ولا يؤثر بشيء، وهذا، لعمري، غاية في الغرابة وقسمة ضيزى تماما!
أشقاء آخرون يحبون العراق الذي يستثمرون فيه، زراعة وتجارة وعقارات وبنى تحتية وغيرها، فهذا العراق المذبوح من الوريد إلى الوريد يحتاج إلى كل شيء، وهو، بسكانه الأربعين مليوناً، سوق كبيرة جداً في المنطقة، بل هو أكبر أسواقها، والتاجر الفطِن لا يضيّع فرصة ثمينة كهذه، خاصة أن الأشقاء يتاجرون بكل شيء، وموانئهم مستعدة لاستقبال كل شيء وشحنه إلى العراق الذي يحتاج إلى كل شيء.
أشقاء آخرون (يستثمرون) في تقسيم العراق، فهم تحت وطأة (حبِّهم) المفرط لهذا البلد لا يرون حلاً لمشاكله إلا بتقسيمه، إقليم سني معزول في جزيرة، ويجب أن يبقى معزولاً لأن فيه عوامل يرونها مبعث خطورة عليهم (لا يخجل بعض أشقائنا من تسميتها فكراً قومياً، بعثياً، أو يتحايلون على الحقيقة بأي اسم آخر) وهذا غير مسموحٍ به عندهم قبل غيرهم، وإقليم آخر شيعي، سيلتحق، بالضرورة، بإيران التي تهيمن على كل شيء فيه، وإقليم ثالث كردي يستنزف الحكم في بغداد ويبقيه ضعيفاً بإصرار وترصّد.
ودعم انفصال شمال العراق عن باقي أجزائه وضلوع بعض (أشقائنا) في هذه الجريمة ليس سراً، بل هو مخطط معلنٌ يتفاخر به أصحابه ويدعو إليه على الملأ مُروّجيه، وبحثٌ سريعٌ على شبكة الإنترنت يُسعِف الحال.
من يحب العراق عليه أن يتعامل معه بأمانة وأن يعرف تفاصيله من أهله وأن يحترم خيارات شعبه الثائر ضد هذه العصابة، الرافض لكل إجراءاتها وقوانينها وشخوصها.
بعض أشقائنا يحبون عراقاً منزوع الدسم، عراقاً لا ينفع ولا يضرّ، عراقاً بلا لون ولا طعمٍ ولا رائحة، ضعيفاً هزيلاً يحتاج إلى كل شيء حتى يقيم أوده، عراقاً يمثله من تسيّد على هذا البلد العريق وشعبه العظيم منذ غزوه عام 2003، وهو غزو انطلق من أراضي بعض (الأشقاء) وموّل تكاليفه بعض (الأشقاء) وحرّض عليه معظم (الأشقاء).
ومع ان أشقاءنا هؤلاء يعرفون أن من يتحكّم بالعراق اليوم لا ينتمي له وليس له فرصة للبقاء فيه، ولكن بعضهم لا يجد أمامه وسيلة للتعبير عن (محبته) للعراق إلا من خلال إطالة أمد بقاء هذه الطبقة الفاسدة القاتلة المزوّرة التي استولت على العراق فدمّرت تاريخه وقتلت شعبه وأفقرت البقية الباقية وأغلقت أمامهم كل منافذ الأمل بمستقبل أفضل، بزعم التعامل مع (الواقع) القائم وفي ضوء الممكن، متغافلين عن حقائق الأشياء كما هي لا كما تزوّقها العيون المخابراتية والاعلام المؤتمر بأمرها.
هذه بعض من انواع حب (أشقائنا) للعراق، ولعلَّ هناك أخرى، لكن كل هؤلاء الأشقاء يتناسون أن الذين (يحبونه) ليس العراق الحقيقي وإن تلمّسوا بعض ملامحه، فالعراق هو نتاج كل حضاراته وابن كل تاريخه، لكن عليهم أن لا يعيشوا في ماضٍ بات في ذمة التاريخ، وانما ينظروا إلى الحاضر وينقذوا العراق مما يعانيه، وإلا فإن ما يحملونه من مشاعر لا تسمن العراقيين ولا تُغنيهم من جوع، وسترتدَّ في يومٍ ما، ولعله قريب، وبالاً عليهم، فإن احترق بيت جارك فسارع لإطفائه ولا تتغافل بدعوى أنه ليس بيتك، وأن السياج سيحول دون امتدادا النيران إلى غرف نومك وملاعب صغارك.
كلمة أخيرة
من يريد أن يحبّ العراق فعليه أن يتعامل معه بأمانة وأن يعرف تفاصيله من أهله وأن يحترم خيارات شعبه الثائر ضد هذه العصابة الرافض لكل إجراءاتها وقوانينها وشخوصها.
ومن يحب العراق عليه أن لا يقف سداً دون أن يتولى العراقيون إصلاح ما دمّره الاحتلال الغاشم في بلدهم وفي نسيجهم الاجتماعي، وعليه أن لا يتذرّع بأن الذين (يحكمون) في بغداد نتاج انتخابات شعبية، فالعالم كله يعلم يقيناً كيف جرت تلك الانتخابات وكيف ستجري مثيلاتها، ولا أن يتذرّع بأن الأنظمة السياسية والحكومات تتعامل مع نظيراتها، فهذا زعمٌ أكل الدهر عليه وشرِب وبات مستهلكاً حدَّ القرف.
وعلى من يحبّ العراق أن يعمل على إنقاذه من إيران، لا أن يزيد من استحكامها فيه، مع أن بعض أولئك الأشقاء يجاهرون بعار دعمهم لمن كانت تربّيه إيران وتدّخره لهذا اليوم الأسود على العراقيين وعلى الأمة كلها.
والحق أنه مهما كانت النوايا المستترة وراء مواقف أولئك (الأشقاء)، فكلّ دعمٍ يقدمونه للعصابة الحاكمة اليوم هو رصاص في صدور العراقيين، وهو حجر عثرة يحول دون تحررهم. والعراقيون لن ينسوا ذلك، خصوصاً أنهم استنفدوا كل الوسائل التي أوضحوا من خلالها لهؤلاء (الأشقاء) حجم البغض فيما يبدونه من (حب) للعراق والعراقيين.
وعلى من يحب العراق أن يتذكّر أن "الطريق إلى جهنم محفوفٌ بالنوايا الطيبة"، وكثير من نوايا الأشقاء العرب تجاه العراق من هذا النوع، وهو ما لا نريد له أن يستمر، حرصاً عليهم وعلينا، وبناءً لمستقبل يخدم أمتنا جميعا، فالأمة أمتنا والعراق عراقكم أيها الأشقاء، ولن يحمل أحدٌ منا حقيبته ويرحل.