فكّرت زينب في البحث عن عمل لضمان عدم انقطاعهم من الخبز، لكن حالة شقيقها الصحيّة ومعاناته كذلك من كهرباء في رأسه، دفعتها إلى استبعاد الفكرة، فهو يحتاجها أن تكون هي وشقيقته الثانية إلى جانبه، ويقول: "شقيقتي الثالثة متزوجة لكن أوضاع زوجها المادية لا تسمح له بأن يساندنا ولو بالقليل، فالأزمة الاقتصادية ترخي بظلالها على جميع اللبنانيين، فارضة عليهم أن يكونوا من أصحاب الملايين ليتمكنوا من تأمين قوت يومهم فقط".
كما عبّر جار أحمد عن درجة الفقر المدقع الذي أنهكهم، آملا أن يقف أصحاب الأيادي البيضاء إلى جانبهم، ويقول: "هم يحتاجون إلى كل شيء من طعام وشراب ودواء وكهرباء ومفروشات وأدوات كهربائية وغيرها، وإن بدؤوا قبل شهرين الاستفادة من بطاقة مساعدة وزارة الشؤون الاجتماعية، إلا أنها وحدها لا يمكن أن تنتشلهم من براثن الفقر".
هناك التعريف الأكاديمي للفقر، ومنه تعرّيف الأمم المتحدة بأنه "أكثر من مجرد الافتقار إلى الدخل أو الموارد أو ضمان مصدر رزق مستدام، حيث أن مظاهره تشمل الجوع وسوء التغذية وانحسار إمكانية الحصول على التعليم والخدمات الأساسية، إضافة الى التمييز الاجتماعي والاستبعاد من المجتمع وانعدام فرص المشاركة في اتخاذ القرارات"، لكن هناك فرق بين هذا التعريف وما يحصل على أرض الواقع في لبنان، بحسب ما يقوله الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية، الدكتور محمد فحيلي.
لا يمكن إنكار أن للفقر موطئ قدم في لبنان، بحسب فحيلي "وكذلك اضطرار اللبنانيين إلى التقشف بعدما كانوا يعيشون حياة تميل إلى الرفاهية، لكن الحديث عن فقر مدقع ومجاعة تسللت إلى ثلاث من خمس أسر أمر مبالغ فيه، كونه يعني أن لدينا ما يقارب من 750 ألف أسرة فقيرة، فيما لو افترضنا أن عدد سكان لبنان خمسة ملايين نسمة، ما يفترض وجود مشكلة اجتماعية مستفحلة في كل شارع لبناني، وهو ما لا نلمسه".
ويوضح أن قدرة القطاع الخاص اللبناني على التأقلم مع المتغيرات الاقتصادية، حيث إن ما يزيد عن الـ80% منه أصبح مدولراً، تدحض ما توصل إليه البنك الدولي فيما يتعلق بنسبة الفقر، وذلك رغم أن "الاقتصاد اللبناني انكمش من 55 مليار دولار، سنة 2018، إلى 18 مليار دولار اليوم، منها عشرة مليارات تحويلات من الخارج، سبعة منها تدخل عبر قنوات رسمية وثلاث بطرق غير رسمية، عدا عن المليارات التي يخبئها اللبنانيون في منازلهم".
مع انهيار سعر صرف الليرة وازدياد الأسعار، ارتفعت تلقائيا كلفة المعيشة في لبنان بنسبة 196 في المئة، حتى بداية شهر نيسان/أبريل هذا العام، مقارنة بشهر تشرين الاول/أكتوبر 2022، كما جاء في دراسة لـ "الدّوليّة للمعلومات".
قدر عدد أفراد الأسرة بأربعة، وتم الأخذ بعين الاعتبار الفروقات المعيشية في السكن بين القرية أو المدينة، والسكن بالتملك أو الإيجار، وخلصت الدراسة إلى أن كلفة معيشة هذه الأسر مماثلة، تتراوح بين 39 مليون ليرة و77 مليون ليرة شهريّا بالحد الأدنى (من دون احتساب كلفة الصحة والاستشفاء)، بينما تراوحت هذه الكلفة في تشرين الاول/أكتوبر 2022، بين 20 مليون ليرة و26 مليون، وهذا يعني أن كلفة المعيشة قد ارتفعت، من تشرين الاول/ أكتوبر ولغاية نيسان/أبريل 2023، بنسبة تراوحت بين 95 و196%.
تضخّم "جنوني"
سبق أن أشار البنك الدولي إلى أن "لبنان احتل المرتبة الأولى ضمن الترتيب العالمي لناحية تضخم أسعار الغذاء بارتفاع نسبته 261%، بين نهاية شباط/فبراير 2022 ونهاية شباط/فبراير 2023"، وقبل أيام لفت إلى أن متوسّط تضخّم الأسعار في هذا البلد سجّل 171.2%، في عام 2022، متوقعا أن يبلغ متوسّط التضخّم 165%، في عام 2023. وقبل يومين أشار موقع "World of Statistics" إلى أن لبنان سجّل أعلى نسبة تضخّم في أسعار الغذاء عالميا بنسبة 352%.
يرى فحيلي أن السبب الرئيسي خلف ارتفاع الأسعار في لبنان هو فقدان المواطنين الثقة بالوضع الاقتصادي والنظامين السياسي والمالي وكذلك بأجهزة الرقابة والقضاء، و"يتجسد فقدان الثقة اقتصاديا بعدة مظاهر منها التضخم، حيث يتخلى المواطنون عن التعامل بعملتهم المحلية وتتراجع رغبتهم بالاستثمار، لا سيما في ظل تجميد أرصدتهم في المصارف والتي تقدر بـ 100 مليار دولار، إذ يعجزون عن الوصول إليها إلا على سعر صرف 15 ألف ليرة أو بمبالغ قليلة، باستثناء المستفيدين من التعميم 158 الذين يحصلون على الفريش دولار".
"عندما يفقد المواطن الثقة بالنظام السياسي، تصبح العملة المحلية بالنسبة له، من دون قيمة"، بحسب فحيلي، موضحا أن "هذا العامل النفسي ينعكس غلاء في الأسعار، وبالتالي الربط بين ارتفاع سعر صرف الدولار وارتفاع الأسعار لم يعد واقعيا، والدليل بعد دولرة الأسعار تراجع سعر صرف الدولار بالنسبة إلى العملة اللبنانية، لكن أسعار السلع أخذت منحى تصاعديا، فالدولرة أعطت لأصحاب السوبرماركت والتجار هامشا لرفع الأسعار من دون أن يشعر المواطنون، كما أن نسبة التضخم تختلف من منطقة إلى أخرى، حيث أن لكل سلعة سعر يختلف بحسب المنطقة التي تباع فيها".
ويستبعد الباحث الاقتصادي أن تكون السلة الغذائية التي تم الاستناد عليها لقياس نسبة التضخم تمثل كل المواطنين اللبنانيين، "لا سيما وأن المتغيرات الاقتصادية دفعت اللبناني إلى تبديل خياراته الاستهلاكية كي يتمكن من تأمين حاجياته الأساسية، وهذا هو سبب قدرته على التأقلم والصمود رغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها اقتصاد بلده".
من جانبها، لا تستبعد الخبيرة الاقتصادية، ليال منصور، نسبة التضخم التي وصل إليها لبنان، وتقول إنها ليست المرة الأولى، التي يحتل فيها البلد أولى المراتب عالميا، إذ "وهذا يعود أولا إلى التضخم المستورد، أي الارتفاع العالمي للأسعار يضاف إليه التضخم الناتج عن انهيار العملة الوطنية".
وتشير إلى أنه "لولا تحويلات المغتربين التي تعادل 40% من الناتج القومي.. لما تمكن المواطنون من الصمود وتأمين مصاريفهم الاستهلاكية من طعام وشراب وملبس"، مشيرة إلى أن "لبنان احتل المرتبة الثانية عالميا من حيث مساهمة تحويلات المغتربين في الناتج المحلي الإجمالي التي بلغت 37.8% في العام 2022".
وكان البنك الدولي قدّر حجم تحويلات المغتربين الوافدة إلى لبنان بـ6.8 مليار دولار، في عام 2022، ليحل في المركز الثالث إقليميّا مسبوقاً فقط من مصر والمغرب، والمركز الأول في المنطقة والمرتبة الثانية عالميا، من حيث مساهمة تحويلات المغتربين في الناتج المحلي الإجمالي.
الحجر الأساسي للنهوض
ويؤكد رئيس جمعية عكار الزاهر الخيرية، رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار ومختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، من خلال احتكاكه بالمواطنين، أن 70% منهم عاجزون عن تأمين صحنهم اليومي، وذلك نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، والارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية التي أصبحت بأغلبيتها بالدولار، الذي يقترب سعر صرفه من عتبة إلى الـ 100 ليرة".
ويقول: إن "الموظفين الذين يقبضون رواتبهم بالليرة اللبنانية والعائلات التي لا تصلها تحويلات مالية من الخارج، أصبحوا في عداد الفقراء".
الرفاهية أصبحت من الماضي والكارثة الكبرى تكمن بحسب الكسار "في الطبابة والاستشفاء" ويشدد: "أيا يكن حجم المساعدات التي تصل إلى لبنان لن تغطي جميع المحتاجين، من هنا نرى الهجمة من بعض اللبنانيين على اللاجئين السوريين، الذين يشاركونهم في الحصول على المساعدات، وعلى الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية تحمّل مسؤوليتها كي لا نصل إلى ما لا تحمد عقباه".
وذكر الكسار أن تواصل الجمعيات غير الحكومية ورجال الدين في عكار مع المغتربين ساهم في التخفيف من مأساة بعض المواطنين، لكن "كل هذه والمبادرات لا يمكنها أن تلعب دور الحكومة اللبنانية، وإلى حين انتخاب رئيس جمهورية وتأليف حكومة والبدء بإصلاحات تضع حدا للانهيار المستمر منذ حوالي الأربع سنوات، لا بد من تأمين مصادر دعم إضافي لوزارة الشؤون الاجتماعية كي تتمكن من توزيع بطاقات مساعدة لكل الفقراء والمعدمين".
توقع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد في لبنان بنسبة 0.5% هذا العام، بعد أن تراجع بنسبة 2.6%، في عام 2022، لافتا إلى أن الانكماش الاقتصادي الذي ألمّ بهذا البلد، بين عامي 2018 و2022، أطاح النمو الاقتصادي الذي تحقق على فترة أكثر من 15 عاما.
يعتبر فحيلي أن الموازنة العامة للعام 2022، أطلقت عجلة الانكماش الاقتصادي لهذه السنة "كونها استهدفت قدرة اللبناني على تمويل فاتورته الاستهلاكية، إذ بموجبها رُفع سعر صرف الدولار الرسمي واحتسبت الرسوم والدولار الفريش في المصارف على منصة صيرفة وفرضت ضريبة على الدخل بالدولار وبمفعول راجعي، وأقرت نفقات إضافية من دون تأمين تمويلها، ما تسبب بضغوطات تضخمية استهدفت الاستهلاك".
وأكد أنه "بالتالي، كل نمو سيشهده لبنان في هذه المرحلة مصدره الاستهلاك والتحويلات من الخارج ورغبة المواطنين بالإنفاق".
وترى منصور أن تراجُع نسبة الانكماش الاقتصادي مقارنة بالسنة الماضية لا يعني أن الانهيار توقف بالضرورة، بل "سيستمر إلى حين اعتماد نظام صرف جديد يُستغنى من خلاله عن العملة الوطنية، فهذا هو الحجر الأول في مشروع إعادة اعمار اقتصاد البلد".



