

لفتت نظري خلال اليومين الماضيين كثرة التعليقات والتحليلات التي تتعلق بتولي رئيس جهاز المخابرات في تركيا هاكان فيدان مسؤولية وزارة الخارجية ضمن التشكيلة الوزارية الجديدة التي أعلنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً في بلاده، ومفتتحاً بها "قرن تركيا" ومئوية الجمهورية التركية.
ووجدت نفسي أتسأءل أمام ذلك الكم الكبير من التعليقات في هذا الخصوص:
مالغريب في تولي رئيس جهاز المخابرات في بلدٍ ما حقيبة وزارة الخارجية ليحظى تولي السيد فيدان بكل هذا الكم من التعليقات والتحليلات؟!
والحقيقة أنني لم أجد في الأمر غرابة تُذكر، ففي كثيرٍ من دول العالم ارتبطت الجهود الدبلوماسية بالعمل المخابراتي على نحوٍ عميقٍ منذ خمسينات القرن العشرين، وحتى قبل ذلك طبعاً لدى دول العالم الاستعمارية الغربية بالذات، وتطوّر ذلك الترابط بمرور الزمن وتشابك الملفات وتشعّب الأزمات حتى بات كل منهما رديفاً للآخر.، فصار العمل المخابراتي معززاً للعمل الدبلوماسي في بعض الأحيان ومتقدماً عليه في أحيان أخرى.
وعلى سبيل المثال كان معتاداً طيلة عقودٍ قبل احتلال العراق، على وفق عرفٍ شفهي في الغالب، أن يكون الموقع الدبلوماسي الأول في سفارات العراق وتركيا وإيران محجوزاً لعنصر رفيع في جهاز مخابرات بلده، بمعنى أن السفير أو القائم بالأعمال العراقي والتركي والإيراني في كل من بغداد وأنقرة وطهران كان ضابطاً رفيعاً في جهاز مخابرات بلاده، لأن العلاقات بين تلك البلدان متشابكة سياسياً وأمنياً واستخبارياً مما يلزم أن يُعهَد به إلى عنصرٍ يجمع الصفات والموارد الاستثنائية التي يتيحها جهاز المخابرات لقياداته الرفيعة مع المميزات التي يتمتع بها رجل الدبلوماسية البارع.
بل أن الشواهد التي لا تُحصى تؤكد أنه حتى في حال انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الدول أو خفض مستواها أو تجميدها جراء اندلاع أزمة أو نشوب حرب فإن التواصل الاستخباري لا ينقطع، بل يتواصل ولو بطرقٍ غير مباشرة، فضلاً عن أخرى مباشرة.
وفي هذا الخصوص تحديداً، بالإضافة إلى القضايا الداخلية التي كان له الدور الأكبر في التصدي لها ومعالجتها مثل قضية تنظيم "الدولة الموازية" التابع لفتح الله غولن وما نجم عن الانقلاب الخائب الذي تعرضت له تركيا سنة 2016، نجد أنه لسنواتٍ طويلة كان رئيس جهاز المخابرات التركية هاكان فيدان يقود علاقات بلاده مع كلٍ من العراق ومصر وسوريا والسعودية والإمارات وإيران من وراء ستار، وبالتأكيد فإن هذه الملفات هي الأكثر أهمية والأشدّ تعقيداً على الصعيد السياسي في الدولة التركية، لأسباب شتى، وخطوة تعيينه بمنصب وزير الخارجية الآن تعني مواصلة قيادته لتلك الملفات ولكن علناً في هذه المرحلة.
لكن السؤال هنا: لماذا علناً بعد مرحلة طويلة، نسبياً، من السرية والعمل الخفي؟
لهذه الانتقالة من العمل وراء الستار إلى العمل في الواجهة دلالة مهمة، فهي تكشف أن الملفات التي كان يتولاها السيد فيدان في السرّ لأكثر من 13 سنة صار ضرورياً قيادتها بطرق دبلوماسية علنية في السنوات المقبلة.
والمؤكد أن هذه الانتقالة تكشف نجاح الرجل في أداء مهماته في تلك الملفات وضرورة انتقالها، أي الملفات، إلى مرحلة الصيغ الدبلوماسية المؤسساتية بعد أن أنضجتها صيغ العمل المخابراتي الخاصة جداً والاستثنائية جدا.
هناك ملفات حُسمت إيجابياً وسارت في المسار الدبلوماسي الطبيعي ولكنها بحاجة إلى رعاية استثنائية من مهندسها المباشر لتواصل النجاح، كما أن هناك قضايا ما تزال بحاجة إلى تعامل استثنائي لإعادة وضعها على الطريق الصحيح.
وليس من الحتمي بالتأكيد أن التقدم في كل تلك الملفات يسير على ذات الوتيرة، فهناك قضايا شائكة في العلاقات بين أنقرة وبعض العواصم العالمية، وهناك قضايا أكثر تعقيداً مع بعض الدول من الحال مع عواصم أخرى، مما يعني أن هناك ملفات حُسمت إيجابياً وسارت في المسار الدبلوماسي الطبيعي ولكنها بحاجة إلى رعاية استثنائية من مهندسها المباشر لتواصل النجاح، كما أن هناك قضايا ما تزال بحاجة إلى تعامل استثنائي لإعادة وضعها على الطريق الصحيح.
وبعبارة أخرى وتوضيح أكثر، إن تحسن العلاقات بين تركيا وأي من الدول التي شهدت العلاقات معها سخونة وتأزماً خلال العقد الماضي، لشتى الأسباب، لا يعتمد على طرفٍ واحد، فهناك أطراف مقابلة في تلك العلاقات تختلف بالتأكيد في طريقة تعاطيها مع الخطوات التركية، ومبعث الاختلاف يعود إلى طبيعة ما كان سائداً من أزمات وإلى الاداء السياسي المختلف بين الدول وإلى الأهداف التي يسعى إليها كل طرف، وكل ذلك يعني ضرورة استمرار الحاجة إلى التعامل مع تلك القضايا بعناية أكبر واهتمامٍ أعمق ولكن على وفق الصيغ الدبلوماسية الطبيعية والمؤسساتية هذه المرة وليس المخابراتية الاستثنائية فحسب، لكنها الدبلوماسية المستفيدة من تجربة العمل المخابراتي والمعزّزة بصيغه الاستثنائية أيضا.

فيدان وكالن تلميذان من مدرسة أردوغان.
ولعل العلاقة الشخصية المتميزة بين السيد فيدان وخليفته في جهاز المخابرات السيد إبراهيم كالن ستعزّز مكانة كل منهما في خدمة الدبلوماسية التركية والتوجهات العامة للدولة، مع الإشارة إلى كونهما، فيدان وكالن، من تلاميذ مدرسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولاؤهما لقيادته وتوجّهاته السياسية محسوم، كما أن أعوام قربهما اليومي منه وتعاملهما التفصيلي معه والمهام التي تولاها كلٌ منهما تجعلانهما الأكثر فهماً له والأقدر على التعبير عن تطلعاته وأفكاره، مما سيسهّل تنفيذ السياسة الخارجية لبلدٍ مؤثرٍ في محيطه القريب، وهو محيطٌ متعدّد الاهتمامات ومختلف الهويات ومتشابك المشاكل والعقد والالتزامات في الوطن العربي وفي العوالم الثلاث الإسلامي والأوروبي والتركي وسط آسيا، وهذه الساحات الأربعة كلها تمثل المجال الحيوي الأقرب للسياسة التركية، وكذلك في المحيط الدولي الأكبر الذي تحاول تركيا أن تؤدي دوراً متوازناً فيه ومتميزاً أيضا.
هذا ما ينتظر الدبلوماسية التركية من آفاقٍ مستقبلية في مطلع "قرن تركيا" الجديد، ونحن ننتظر التعبير عن ذلك أيضاً شرط أن نفهم، كعربٍ ومسلمين، أن تركيا دولة وليست جمعية خيرية، دولة لها مصالحها ولها توجهاتها، وهذا يعني بالتأكيد أن كل أجهزة الدولة تعمل على وفق تلك التوجهات لتحقيق تلك المصالح، والجهاز الدبلوماسي في الدولة المعنية معني بتحقيق أقصى المكاسب لدولته بالذات وليس تحقيق مصالح الجهات الأخرى، أياً كانت تلك الجهات الأخرى دولاً أم جماعات أم توجّهات.
الدبلوماسية هي الحرب ولكن بوسائل وصيغٍ أخرى، وسائل جميلة وصيغٍ برّاقة وعباراتٍ منمّقة، وأعتقد أن هاكان فيدان، بخبراته العسكرية والاستخبارية والإدارية وبما وفّرته له تجارب الدبلوماسية السرية، سيخوض (معاركه) الدبلوماسية بطريقة تجمع كل ذلك معاً في بوتقة واحدة لتقدّم منتجاً برّاقاً جداً زاهياً جداً ولكن صلباً جداً كذلك.
وكلّ ما هو آتٍ قريب.