

ويداً بيد عبرنا الجسر العتيق وبرفقته جبت أسواق بغداد القديمة وتعرفت على شارع الرشيد والباب الشرقي وفي عهد الصبا وايامه الذهبية، علمني التحليق بطائرة الورق (الهنداوية) في فضاء الفحامة وطريقة تزجيج خيوطها ونحن نستعد لخوض (الگصاص) ومن المنازلات الورقية الحامية إلى مغامرات (الكسار) والاشتباك مع صبية محلة (المنصورية) عند مستشفى (العزل) التي استبدل اسمها بـ(الكرامة) ..
كان صبحي ماهراً في تسديد الكرات الزجاجية (الدعبل) نحو (الاورطة) وبالمهارة نفسها، لم يدع أـحدا يتفوق عليه في لعبة (الحاح)، وأمضينا أوقاتاً مرحة في أزقة الفحامة مابين صخب التلهي بـ( السنبيلة) و(الختّيلة)..
وعندما استقبلنا مرحلة الفتوة والشباب كبرت معنا أمانينا، كان لكل منا حلمه، صبحي يتطلع أن يكون جنرالا ويحمل بيده عصا المارشال، وأنا أتوق أن أصبح محامياً لأدافع عن المظلومين.
عبر حلقات الحياة الأربعة (الطفولة والصبا والشباب والشيخوخة) ظلَّ صبحي عبدالجبار طه الراوي صديقاً حميما، وبقيت جلساتنا الحوارية عامرة كما احتفظت ليالي الأنس بحرارتها على أرائك مقهى العروبة في الاعظمية، مع دوام الزيارات المنزلية المتبادلة، لم تزد السنوات السبعون صداقتنا إلا رسوخا، ونحن نستعيد يوميات زنكو وذكرى الصخب الجميل.
الصورة الجانبية قد تظهره صارماً متجهماً، وما إن تقترب منه حتى تطلَّ على الجانب الخفي من الصورة؛ لتكتشف روح فنان تلقائي، وبراءة دافئة شبيهة بالطفولة الاولى..
كان منذ صباه أنيقا؛ لا يكفُّ عن العناية الشديدة بمظهره، وحسن هندامه، وقد يقضي ليله ونهاره وهو يدقق ملّياً، بما سيرتديه في اليوم التالي، لباساً، منديلاً، جورباً، وحذاء، ويعدّ (الرمادي) بكل درجاته وخطوطه ومشتقاته لوّنه المفضل، وحين تسأله عن الحكمة من وراء ولعه بــ(اللون المحايد)؟ يجبك: الدخّان ايماءة الوجود.
في المناقشات الجادة، إجتماعية كانت أم سياسية، تأخذه الحماسة إلى أقصى حدودها؛ دفاعاً عن رأي أو توضيحاً لمسألة وقد يضيق صدره بـ(الحوار) وقد يثور أحياناً لرأيّ يخالف قناعاته أو لملاحظة نقدية توّجه اليه، وإذا حميَ الوطيس يتحول النقاش إلى سجال، فلا يزده الخلاف إلا عناداً، فيتمسك برأيه، وقد يفضي به الامر في بعض المواقف الى الغضب.. ولكن الى حين، ليعود مرة أخرى الى دائرة الحوار العقلاني الهادئ، فيسعى إلى محاولة تصحيح آرائه أو التخفيف من وطأة مواقفه، مع تأكيد متكرر بأن الباطل وحده من يجعله متوترا.
وصبحي نشأ (مثالياً) وفق قوالب بيئية محافظة، وما ألقته عليه التقاليد من ظلال التزمّت الاجتماعي، لكنه قد يتخلى بالحماسة نفسها عن تحفظه في لحظة الانشراح الوجداني، فلا يتردد من إظهار ضروب البهجة لحناً وغناء، فيبدع في ايقاعات (الطبلة) وهو يتنقل بمهارة عجيبة من لونٍ للون، لا ينافسه في ضبط الأداء الا المحترفون في مثل هذا الضرب من الفنون الإيقاعية.
... وهذه الاشراقة النفسية لا تأتيه مصادفة أو تحلّ عبثا، وانما تتحقق فقط بشروط صبحي نفسه في (الزمان والمكان المناسبين ومستوى الحضور)، وهي لا تتعدى جلسات الأنس وخلوات الأصحاب والأصدقاء المقربين من مناسبات الأفراح الأسرية وفي أضيق الحلقات..
وعندما تجاوز عمره العقد الخامس أقلع عنها، أو نأت عن روحه تلك الاشراقة الفريدة من نوعها.
لخوفه المفرط من غائلة (الامتحانات المدرسية) وقلقه الدائم من مغبة الإخفاق والفشل والرسوب، فإنه أمسك عشية حصوله على الشهادة (المتوسطة) بأول فرصة متاحة في ذلك الوقت (1957)، فالتحق بصنف (الإعاشة العسكرية) كنائب ضابط تموين، وزادته التجربة العملية إنضباطا، ولحرصه وتفانيه وكفاءته رقيّ بعد مرور سنوات الى رتبة (ملازم)، وكان فرحه بـ(النجمة) الذهبية طاغياً، اذ استعاد صبحي عبدالجبار من خلالها، وبها، بعض أحلامه القديمة التى كادت تتلاشى تحت وطأة الرتابة والاحباط والنسيان، فارتقى ظهر الأرض وعاد الى الحياة مرة أخرى.
شارك في الحرب الإيرانية العراقية وكان محارباً شجاعاً ، خرج منها مصاباً، وبقي متفانياً في عمله وخدمة بلده..
عبر حلقات الحياة الأربعة (الطفولة والصبا والشباب والشيخوخة) ظلَّ صبحي عبدالجبار طه الراوي صديقاً حميما، وبقيت جلساتنا الحوارية عامرة كما احتفظت ليالي الأنس بحرارتها على أرائك مقهى العروبة في الاعظمية.
وبفضلّه عرفت تجربة الدهشة الجمالية ولم أتخطَّ التاسعة من عمري: فأبهرني شارع الرشيد بعجائب مقتنياته وتنوع ناسه، وبصحبته اكتشفت سحر (الباب الشرقي)، وتذوقت جماليات (حديقة غازي) ومرئيات (بارك السعدون)، وأتاح لي ولاول مرة فرصة الاطلالة العظيمة على عالم الصورة الناطقة يوم اقتادني في نهاية الاربعينيات إلى سينما الحمراء الشتوي الكائنة في شارع الرشيد، وشاهدنا سويا فيلم (عنتر وعبلة) وهو اول عرض سينمائي أشاهده في حياتي، وبقيت لأيام طويلة منتشياً وسعيداً بفارس بني عبس الذي أسرت بسالته الاحلاقية وجداني، كما ستظل أحداث الفيلم ولزمن طويل في ذاكرتي إلى حد اعتباره نموذجاً لنظرية البطولة في مادة فلسفة التاريخ لطلبة الدراسات العليا، فالعبسي ليس أقل مقاماً من ابطال أرنولد توينبي..
واذ يمضي الزمن بصبحي عبدالجبار وتتراكم على قلبه السنون، فإنك لم تعد تراه الا قائماً للصلاة، أوقارئاً للقرآن، أو وضارعاً يرنو إلى السماء، أو باحثاً عن ذكرى الذي مضى وغاب وانقضى..
وقد يفرّ من نفسه إلى ما وراء الحاضر فيحاول استعادة عشقه القديم للسفر بين البلدان، ففي أواسط السبعينيات، نزل صبحي مصر ضيفاً علي في القاهرة، وكانت مصر تشكل في وجدانه حلماً عربيا، وقد أمضى اسبوعين ما بين القاهرة والاسكندرية، رافقته في جولات عديدة شاهد خلالها معظم المواقع التراثية والاثرية، وقد وقف منبهراً أمام الاهرام وأبي الهول، وقام بزيارة حديقة الحيوان في الجيزة، وأمضى وقتاً مرحاً في مداعبة قردة الشمبانزي، وأحب أحياء مصر القديمة، وتجوّل لساعات مديدة بين أحياء الحسين وخان الخليلي والغورية وبين القصرين، وتردد عليها أكثر من مرة تناول أثناءها (الكشري) وعصير (القصب) واحتسى (شاي الخمسينة) في مقهى الفيشاوي مسترخياً وسعيداً على آرائكها التاريخية، وشاهد العديد من العروض المسرحية، وزار ضريح المناضل جمال عبدالناصرـ
**
وإذ يضع صبحي عبدالجبار خطوته في الارض الاخرى، فإنَّ المديات سواء كانت قريبة أم قصية، فإنها توقظ أشواقه للعودة إلى الديار والحنين إلى الأوطان ليواصل الضراعة عند باب الرجاء، بعد أن اشتدّت عليه ومن حوله الخطوب والأرزاء، وبعد أن أصبحت الدنيا فاقدة للمعنى، ولم يبق من أثر لإشراقات أيامها القديمة إلا ظلالاً من رمادٍ ودخان!
واجهته معاضل صحية كبرى؛ منذ أن استلبت عافيته أمراض (ضغط الدم وارتفاع السكر) وزادت عليها الآلام النفسية بعد عام 2003 فقد شقَّ عليه تحمل صدمة الاحتلال الأميركي للعراق، كان يحمل وجعاً مركباً، يحاول الفرار من أحزانه، فأخذ يتنقل مابين بغداد وراوة، إلى أن أسقطته الآلام، فرقد في مستشفى الكاظمية عام 2009، برفقة نجله مازن.
تحدثت معه عبر الهاتف مرتين، جاءني صوته في المرة الأولى خفيضاً وواهنا، وفي المكالمة الثانية والاخيرة استحال كلام صبحي همساً وأنينا... وكأنه يلقي تحية الوداع، وفي الليلة التالية قضى حاملاً معه أوجاعه، وقد بكيته.. افتقده كثيرا ـ
تحية إلى ذكرى صديق الحياة ـ