

عندما بدأ العدوان كنت خارج العراق، وقررت العودة على الرغم من نصيحة العديد من الاصدقاء ان ابقى في الخارج وانتظار ما ستسفر عنه الامور. الا ان قرار العودة كان هو الغالب.
كان السفر الى العراق آنذاك لا يتم الا عن طريق البر. وكانت اول المفاجآت في يوم 8 نيسان عند الوصول الى الحدود العراقية التي لم يكن فيها سوى شاب واحد لم يكلف نفسه حتى مشقة الاطلاع على جوازات السفر، ونصحنا ان نكون حذرين لأن القوات الأميركية كانت تجوب المناطق المحاذية للطريق الدولي غرب الانبار. وللعلم فان طلائع هذا القوات كانت قد انزلت جوا قبل ايام من بداية العدوان للبحث عن منصات صواريخ بعيد المدى خشية ان يطلقها العراق باتجاه (اسرائيل) كما حدث في عام 1991.
ثم ظهر فيما بعد ان كل نقاط الحدود العراقية كانت قد اخليت وظلّت سائبة لأشهر مما مكّن كل من هبّ ودبّ ان يدخل العراق، وكان على رأس الداخلين ميليشيات مسلحة وافراد المنظمات الارهابية، التي لم تكن تحلم بالتسلل الى العراق قبل ذلك التاريخ.
ثم كانت الصدمة الثانية عندما اوقفتنا دورية عسكرية أميركية قبل الوصول الى مدينة الرمادي، وبعد ان اطلعت على جوازات سفرنا سمحت لنا بالاستمرار في المسير.
عند الوصول الى اطراف بغداد شاهدت آليات عسكرية عراقية محترقة على جانبي الطريق، وشاهدت جثث بعض الشهداء في داخل إحداها. كما لاحظت وجود بعض المقاومين المدنيين في بعض التقاطعات، الذين كانوا يتربصون القوات الأميركية المتقدمة نحو بغداد. اما بغداد نفسها فلقد تحولت إلى اشبه بلعبة الاطفال التي تطلب منك ان تنتقل على الورق من مكان الى اخر وسط طرق تنتهي بكونها مغلقة وعليك ان تعود لتبحث عن طريق سالك اخر وهكذا.

في اليوم التالي لوصولي ذهبت الى ساحة الفردوس، حيث يوجد فندقي فلسطين مريديان وعشتار شيراتون اللذين كانا يأويان الصحفيين الاجانب، وكنت اعرف بعضهم، وكانوا قد حضروا الى منزلي ليتفقدونني وليجروا معي احاديث صحفية. واجريت حوارا عبر الاقمار الفضائية مع المذيع البريطاني القدير والمعروف جون سنو أعدت عليه رأيي بأن ما يجري هو ليس حباً بالعراق والعراقيين وانما لسببين رئيسين النفط وامن (اسرائيل). وبعد ان نقلت له ما شاهدته بتفاصيل، ختمت حديثي بالقول: ان ما يجري لا يبشّر بخير أبدا.
بعد ان أنهيت لقاءاتي مع مراسلي محطات اخرى، وهممت بالخروج من الفندق حدثت جلبة كبيرة أجبرتنا على الوقوف جانباً، وإذا بأفراد من الجيش الأميركي يقتحمون الفندق، وكانت هذه هي الصدمة الأكبر التي اشعرتني بالحقيقة المرة ألا وهي ان الاحتلال قد تم فعلا، منظر اعتصر القلب وأدمع العين.
تركنا الفندق على عجل وشاهدت القوات الأميركية وهي تحيط بساحة الفردوس وتعدّ العدة لكي تسقط تمثال الرئيس، هذه التمثيلية التي كانت معدّة مسبقا.
خلال ساعات قليلة تحوّلت بغداد إلى مرتع للمسلحين المنفلتين والسرّاق الذين لم يتركوا مصرفا او وزارة او دائرة حكومية الا وباشروا في نهبها، (باستثناء وزارة النفط التي حمتها القوات الغازية). وكان على راس هذه المجاميع المنفلتة ميليشيات مسلحة قدمت من الدول المجاورة او من شمال العراق. وكل مجموعة وضعت يدها على منزل مسؤول او دائرة حكومية وجعلت منها مقراً لها وسكناً لأتباعها. وطبعا اصحاب هذه المساكن لم يكونوا ليجرأوا على العودة الى مساكنهم.
ثم انتشرت ظاهرة الاغتيالات التي قامت بها هذه الميليشيات المسلحة وفرق من مخابرات دول اجنبية، وشملت الاساتذة والعلماء والضباط والسياسيين الذين كانوا مختلفين مع القادمين الجدد.
ثم حدثت جرائم كان واضحاً ان دول جوار (عربية وغير عربية) قد خطّطت لها ونفّذتها، مثل حرق المكتبة الوطنية وتخريب وسرقة المتحف العراقي ومهاجمة سفارات دول اوروبية كانت قد رفضت المشاركة في العدوان. كل هذه الامور حدثت امام اعين القوات الغازية التي لم تفعل شيئا لإيقافها او منعها، لا بل ان بعض هذه القوات او من يرافقهم كانوا يلتقطون الصور التذكارية وهم يضحكون.
ثم بدات مجاميع المتعاونين مع الاحتلال بالتوافد على بغداد، وكان واضحاً من تصرفاتهم ان حب الانتقام والاستحواذ على الممتلكات الحكومية كان هدفهم الرئيس. ولم يظهر اي واحد منهم على مدى شهور لكي يطمئن العراقيين ويخبرهم بأن (مرحلة جديدة مشرقة ستبدأ)، كما كانوا يدّعون. وكانت اخبار القتل والتدمير تفرحهم والبعض منهم يتبجّح بها على اساس ان من تطالهم هذه الجرائم كانوا من (اتباع النظام السابق).
وعندما حزنت على اغتيال احد الزملاء وطلبت من باقي الاساتذة ان ننظّم وقفة احتجاجية في الحرم الجامعي، (الذي بالمناسبة اصبح لأشهر عديدة معسكراً لبعض وحدات الجيش الأميركي الغازية والتي كانت تخضعنا للتفتيش في الدخول والخروج)، اقول عندما طالبت بوقفة امام ادارة الجامعة عارضني أغلب الزملاء وقال احدهم (ولماذا نحتج؟ ألم يكن المرحوم بعثيا؟) هكذا وبكل بساطة اصبح التفكير السائد لدى عدد غير قليل من زملاء المهنة مع شديد الاسف.
ثم جاءت القرارات التي عُدّت مسبقا والتي اريد منها تدمير العراق بصورة ممنهجة، مثل حل الجيش واجتثاث البعث وتشكيل جيش من تجميع الميليشيات المسلحة، وغيرها كثير.
أكثر ما كان مؤلما في تلك الايام هو الانحدار الاخلاقي الذي وصل اليه عدد غير قليل من الناس، من بينهم متعلمين ومثقفين وحملة شهادات عليا.
في اليوم التالي للاحتلال حدّثني شخص أثق به كان يسكن قرب احد القصور الرئاسية، انه شاهد بأم عينيه طبيباً شهيراً وصاحب مستشفى يدخل مع الغوغاء والسراق المنفلتين للقصر ويشارك في سرقة بعض محتوياته.
وعندما باشرنا الدوام في الكلية بمبادرة شخصية منا كي لا يخسر طلبتنا سنة دراسية، وجدت نفسي امام اشخاص وكأنني أراهم لأول مرة، وليس أولئك الذين عشت معهم اكثر من عقدين من الزمن. بدا كل واحد منهم يتبجّح بهويته الطائفية وبهويته القومية الضيقة (اذا كان من غير العرب). قلة قليلة فقط حافظت على توازنها.
في اليوم الاول لوصولي للكلية وجدت مجموعة من طلبة الدراسات العليا وحملة شهادة الدكتوراة من الشباب الذين تخرجوا من كليتنا، وكانوا قبل ذلك اليوم يتظاهرون بالادب والاحترام، وجدتهم متجمعين امام مكتب عميد الكلية ويطالبونه بالخروج لكي يعتدوا عليه، وهم نفسهم كانوا قبل أيام يأتمرون بأوامره وينفذونها دون نقاش. وعلى الرغم من اني كنت على خلاف مع العميد لأسباب ادارية بحتة، الا انني تصدّيت لهم وطلبت منهم ان يبتعدوا وأخبرت سكرتير العميد، (الذي اغتيل فيما بعد لأسباب طائفية)، ان يطلب منه ان يغادر بسلام وبسرعة خشية ان تتعقد الامور، وبقيت واقفاً حتى تأكدت انه غادر الكلية. وفي حالة اخرى قام احد افراد هيئة التدريس بجعل مسكنه مقراً لتجمع النماذج المنفلتة من الكلية (طلاباً ومدرسين) لكي تجتمع وتخطط للاعتداء او لتشويه سمعة زملاءه من التدريسيين!
بعض من كانوا منتمين لحزب البعث، ومنهم من كان معروفا بكتابة التقارير على زملائه، ولا يهمّه في ذلك ماذا ستكون نتائج هذه التقارير، بدأوا يتبارون في سرد القصص والحكايات عن (ظلم النظام السابق لهم ولعوائلهم)، وعن بطولات زائفة لم تكن لتقنع أحدا!
خلال ساعات قليلة تحوّلت بغداد إلى مرتع للمسلحين المنفلتين والسرّاق الذين لم يتركوا مصرفاً أو وزارة أو دائرة حكومية الا وباشروا في نهبها، (باستثناء وزارة النفط التي حمتها القوات الغازية).
لم يكن كل ما يجري يبشّر بخير. بل كانت الدلائل واضحة لكل عاقل ومتبصر (على قلة مثل هكذا اشخاص) ان القادم سيكون كالحاً ومؤلماً. وهذا الشعور لم يأت اعتباطاً وانما كان مبنياً على أحداث وعلى أحاديث القادمين الجدد.
اولا اعتبرت ادارة الاحتلال والمتعاونين معها ان كل من كان موجوداً في العراق انذاك هو من اتباع النظام السابق، مهما كانت كفاءته واخلاصه، واعتبرت مكوناً كاملاً من مكونات الشعب العراقي بأنهم بعثيون، وبالتالي فلا يوجد اعتراض على تصفية النموذجين السابقين.
وعلى الطرف الاخر فإن كل من اتى مع الاحتلال مهما أثيرت حوله من شبهات فساد وجرائم، كان هو المفضّل وله الحق في الحكم. كما اعتبرت ادارة الاحتلال ان العراق (دولة مصطنعة) شكّلها البريطانيون بعد الحرب العالمية الاولى، ضاربين عرض الحائط تاريخ هذا البلد العريق الذي يمتد الى آلاف السنين.
ولم يعد هناك حديث عن عراق وعراقيين، وانما اصبح الحديث عن مكونات. واصبح الحديث الطائفي المقيت والقومي الشوفيني البغيض هو ما يملأ اسماع العراقيين عبر وسائل الاعلام، التي لم يعد اغلبها يراعي ابسط المبادئ الاخلاقية والمهنية.
واصبح التهديد بالقتل وتنفيذه سمة حل الخلافات واداة للترهيب.
أحد طلابي القدماء، والذي كان بعثياً وحصل على بعثة دراسية في الخارج، واصبح زميلا، أوصل لي تهديدا مباشرا من أحد قيادات الاحزاب الطائفية الجديدة بسبب أحاديثي الرافضة للاحتلال، ولما غضبت وأخبرته ولماذا لم تقل له بأنني معروف باستقلاليتي وبأنك انت من كان بعثيا، سكت لأنه كان قد ربط مصلحته مع تلك الجهة وحصل على منصب مرموق فيما بعد كان يطمح له. واخر غضب مني على الرغم من علاقاتنا الطيبة الطويلة لأنني سخرت واستهجنت فكرة جعل يوم الاحتلال عيداً وطنياً، ثم اكتشفت انه ذهب ليخبر احد ممثلي الاحزاب الطائفية الجديدة بما حصل، وهو يعلم ان هذا سيكون بمثابة تحريض علي، والحمد لله ان من سرد له الحادثة كان لا يزال يمتلك بعض الشعور الوطني واتفق مع رأيي. اما نهب المال العام وحتى الخاص فقد اصبح ديدن القادمين الجدد.
حدوث الاحتلال جعل البعض (سذاجة في الغالب) يعتقد ان المحتلين سيعمدون الى بناء دولة مرفهة اقتصاديا، تحكمها مبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. وكنت اقول لمثل هولاء البعض ان من اخضع شعباً كاملاً لحصار لا انساني قتل ما يقارب من مليوني شخص ربعهم من الاطفال لا يمكن ان يفكر ببناء عراق جديد، وكان البعض منهم يسخر من قولي.
ما خفّف من هول الصدمة من كل النماذج السلبية التي سبق ذكرها، هو انطلاق المقاومة الوطنية التي اثبتت زيف ادعاءات المتعاونيين مع الاحتلال بأن العراقيين سيستقبلون الغزاة بالزهور، ونجحت في تكبيد قوات الاحتلال اضعاف اضعاف ما خسرته اثناء الاجتياح والاحتلال، وأجبرته على التفكير بالانسحاب بأسرع وقت ممكن.
كنتيجة للاحتلال اصبح العراق مرتعاً لنفوذ الاطراف الخارجية. بل يمكن القول انه لم تبق دولة مجاورة او اقليمية الا ومدّت نفوذها في العراق بطريقة ما. وكل هذه الاطراف وجدت من بين القادمين الجدد او من اصحاب النفوس الضعيفة من يأتمر بأمرها ويخدمها ضد مصلحة العراق. وكل ذلك من اجل منع العراق من ان يستعيد دوره العربي والاقليمي المعهود.
ما خفّف من هول الصدمة من كل النماذج السلبية هو انطلاق المقاومة الوطنية التي أثبتت زيف ادّعاءات المتعاونيين مع الاحتلال بأن العراقيين سيستقبلون الغزاة بالزهور.
الانتماء الى العروبة والاعتزاز بها أصبح مدعاة سخرية الاحزاب الطائفية والشوفينية. واعتمد مبدأ المحاصصة وغاب مبدأ معاقبة القتلة والفاسدين. ونتائج كل هذه السياسات والتصرفات هي من اوصل العراق الى المنحدر الذي يعيش فيه، خزينة فارغة، فساد عام، خراب شامل، حملات اغتيال واختطاف وتغييب مستمرة ومطالبات صريحة بتقسيم العراق.
بعد يأس طويل ظهرت بارقة امل تمثّلت في انتفاضة شباب تشرين، التي رغم محاولات تشويهها واختراقها وإسكاتها بالاغتيالات والاختطافات، فإنَّ جذوتها ما زالت مستعرة، وما زال صوتها يدوّي ويجبر الحكام الى الاستماع له.
لقد خضع العراق وبغداد بالذات الى احتلالات واجتياحات وتدمير في فترات تاريخية متعددة، ولكن ابناءه الأصلاء كانوا دائماً ما يستعيدونه ويعيدون بناءه شامخاً من جديد. ورغم كل الظواهر المحبطة فإن شباب العراق وأجياله القادمة قادرين على فعل ذلك رغم كل العقبات التي تقف امامهم.
سلام عليك يا عراق يا موطن الانبياء والرسل، سلام عليك يا مرقد الائمة الاطهار من كل المذاهب، سلام عليكِ يا ارض الابطال التي أنجبت من حرر القدس، سلام عليكِ يا بغداد يا من أنجبتِ العلماء الذين نوّروا للعالم طريقه بكتاباتهم وانجازاتهم العلمية.
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) صدق الله العظيم ن
شر المقال هنا