الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

السعودية في 2050: التشجير أو 60 درجة مئوية

سعاد اليعلا
السبت 10 أبريل, 2021 20:32
انطلاق مشاريع التشجير في السعودية ضمن برنامج يهدف لزراعة 10 مليارات شجرة
انطلاق مشاريع التشجير في السعودية ضمن برنامج يهدف لزراعة 10 مليارات شجرة
 في عام 2050 قد تفتح النافذة على سعودية خضراء وهواء نقي، وقد لا تتمكن من فتحها نهائياً. "المستقبل الذي نختاره"، هو عنوان كتاب لـ"توم ريفيت كارناك" و"كريستيانا فيغيرز"، اللذين وضعا تقديراتهما لمستقبلين محتملين، الأول يتمحور حول خفض انبعاثات الكربون إلى النصف في هذا العقد، والأخير يتكلم عن الأرض إذا فشلنا في تخفيض نسبة الملوثات.

وأثبتت دراسة مشتركة بين فريقين من مركز النظم الهندسية المعقدة في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في السعودية، ومجموعة من الباحثين في برنامج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المشترك لعلوم وسياسة التغيير العالمي، صحة ذلك بعد استخدام نهج عالي الدقة للنمذجة المناخية الإقليمية، لتوليد توقعات منتصف القرن الحادي والعشرين (2041-2050) في ظل سيناريو انبعاثات عالية وتأثير مناخي مرتفع.

حرارة قد تصل إلى 60 درجة مئوية 

وتوصل الفريقان إلى أنه بعد 30 عاماً فقط سترتفع درجة الحرارة في السعودية وبعض دول الشرق الأوسط ودول العالم إلى 60 درجة مئوية، وقد ينجم من ذلك هواء حار وثقيل محمل بالجسيمات الملوثة التي تدخل في الأعين وتسبب السعال الحاد. ولن يتمكن الإنسان من الخروج من باب المنزل ويتنفس الهواء النقي. وبدلاً من ذلك، قبل فتح الأبواب أو النوافذ في الصباح، قد يصبح عليك أن تتحقق من هاتفك لمعرفة نوعية الهواء في اليوم المحدد. وعندما تتداخل العواصف وموجات الحر وتتجمع، فإن تلوث الهواء ومستويات الأوزون السطحية المكثفة يمكن أن تجعل من الخطر الخروج من دون قناع وجه مصمم خصيصاً، الذي قد لا يتمكن كثيرون من شرائه بسبب ثمنه الباهظ.

زراعة 10 مليارات شجرة للحد من التدهور البيئي

وفي سباق مع الزمن، وبالنظر إلى الوضع الراهن وحتى تتجنب السعودية الخيارات الصعبة، أطلقت مبادرتين تتضمنان زراعة 10 مليارات شجرة داخل البلاد خلال العقود المقبلة، ما يعادل إعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار من الأراضي، تمثل إسهام السعودية بأكثر من 4 في المئة في تحقيق مستهدفات المبادرة، ما يعني زيادة المساحة المغطاة بالأشجار الحالية إلى 12 ضعفاً للحد من تدهور الأراضي والموائل الفطرية، و1 في المئة من المستهدف العالمي لزراعة تريليون شجرة.

فهل تستطيع وهي الأكثر إنتاجاً للانبعاثات الكربونية، حيث تحتل المرتبة العاشرة عالمياً في الانبعاثات، من تحقيق التزامها بالمستهدف العالمي تجاه البيئة، فبحسب دراسة أجراها كابسارك فإن السعودية تاريخياً تُعد أحد أسرع دول مجموعة العشرين في نمو معدلات الانبعاثات الكربونية الناتجة من استهلاك الوقود، بنحو 5 في المئة سنوياً، إلا أن الجدير بالذكر حسب الدراسة، أن معدل الانبعاثات الكربونية في السعودية شهد استقراراً في عام 2016، بينما حققت في 2018 انخفاضاً في معدل الانبعاثات الكربونية بما يساوي 4.4 في المئة. وهل تستطيع زراعة 10 مليارات شجرة وهي تواجه أكبر تحد يتمثل في ندرة المياه في منطقة صحراوية جافة وكيفية توفير المياه اللازمة لعملية التشجير الضخمة، إذ تشير بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية إلى أن "البلاد تمتلك مخزوناً احتياطياً محدوداً من المياه الجوفية غير المتجددة القابلة للاستغلال، ومعدلات إعادة تعويض منخفضة". ويستهلك قطاع الزراعة لوحده 84 في المئة من إجمالي الطلب على الماء، وتصل النسبة عندما يتعلق الأمر بالموارد المائية غير المتجددة إلى 90 في المئة.

وفي ظل قلة مياه الأمطار، تعتمد البلاد بشكل كبير على تحلية المياه التي تصل إلى 60 في المئة من إجمالي المياه المخصصة للقطاع المدني، وهي عملية ترهق اقتصاد البلاد بشكل كبير.

السعودية أدركت المسؤولية

يقول عضو مجلس الشورى السعودي فضل البوعينين، إن البلاد قادرة على ذلك  بحشد الأصوات وجمع الكلمة لتنفيذ المبادرة الخضراء، وأشار إلى أن ما قامت به السعودية من قبل عندما قدمت مشروعاً مهماً في قمة العشرين التي عقدت افتراضياً برئاستها بفتح ملف التدوير الدائم للكربون يدل على أنها أدركت حجم المسؤولية والخطر والبدء الفعلي في تنفيذ هذه المبادرات، إضافة إلى مشاريع الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة التي تعزز الجانب المناخي في العالم وليس في السعودية فقط .

وأشار إلى أن السعودية جادة في الحد من الانبعاثات الضارة وفق برامج ومبادرات عملية، ولكنها أيضاً تحتاج إلى البعد الدولي الذي يتفهم المشكلات الخطيرة التي قد تجتاح العالم بأكمله.

من جانبه قال عضو مجلس الشورى منصور الكريديس، إن البيئة في العقود الماضية واجهت مشكلات عديدة مع ما يشهده العالم وأيضاً السعودية من نمو سكاني هائل وثروة صناعية، مبيناً أن محور البيئة له علاقة وثيقة بالإنسان، كونه يؤثر في البيئة ويتأثر بها كذلك سواءً عبر الهواء والغذاء والماء وغيرها.

وأوضح الكريديس، أن حكومات العالم جميعاً تدرك أهمية البيئة والتحديات التي تواجه الإنسان، إلا أنها دائماً لا تعطيها الأهمية القصوى على عكس نظيرتها من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك مجالات البيئة تأتي في مؤخرة الاهتمامات.

وأضاف، "نحن في السعودية نواجه تحدياً بيئياً ليس بالسهل ولدينا نمو سكاني كبير وضعف في الإدراك البيئي، إضافة إلى التنمية الصناعية التي تشهدها البلاد، ولكن في هذا الوقت أدركت أهمية ذلك بإطلاقها العديد من المبادرات".
الحرارة ستقلص عمر المواطن

وقال الأكاديمي المتخصص في البيئة بجامعة الملك سعود، فرحان الجعيدي، "إن تلوث الهواء نتيجة الاحتباس الحراري سيقلص متوسط عمر المواطنين بمعدل سنة ونصف السنة، كما أن الظواهر البيئية وأبرزها التصحر يعد تهديداً اجتماعياً واقتصادياً للمنطقة، ومن هنا جاءت "مبادرة السعودية الخضراء" التي أعلن عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قبل أسبوع وتهدف لمواجهة التحديات البيئية وزيادة المساحة الخضراء وخفض الانبعاثات الكربونية والحفاظ على الحياة البحرية".⁠

الزراعة بمياه المساجد

وذكر الجعيدي "أن الحل في المساجد لتوفير المياه للمبادرة الخضراء، وذلك بتدوير مياه الوضوء لزراعة النبات، مشيراً إلى أنه قام مع فريق من زملائه بتطبيق التجربة، باستخدام المياه الرمادية والمقصود منها مياه الوضوء والتخلص من المياه السوداء في المساجد بإنشاء مزرعة في محافظة من محافظات الرياض".

وأضاف، "أن هدف السعودية أن يكون 30 في المئة من مساحتها محميات نباتية، وهي أكبر من نسبة المستهدف العالمي من مساحة الدول للمحميات الطبيعية عند 17 في المئة، ولذلك يلزم تأمين كمية المياه اللازمة لزراعة هذا العدد من الأشجار (10 مليارات شجرة) بزراعة أنواع الأشجار المحلية والمتكيفة مع المناخ السائد في البلاد التي لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، كذلك استخدام بعض التقنيات الحديثة، التي يجري العمل عليها مثل الاستمطار الصناعي".

زراعة 200 نوع من الأشجار 

وأشار إلى "إمكانية زراعة 200 نوع في السعودية، حيث إن موقعها جغرافياً، يتميز بالتنوع التضاريسي كالجبال والسهول والصحاري والسواحل البحرية، ما يجعلها تعتمد على أكثر من نوع يلائم جميع هذه المناطق، ففي المناطق الساحلية ستتم زراعة المناجروف وهو نبات يزرع على المياه المالحة وغذاء جيد للطيور والأسماك، ما سيسهم في تعزيز البيئة البحرية".

وتابع، "أما في الصحارى فيمكننا زراعة  72 نوعاً مختاراً من الأشجار المحلية ذات الظل الكثيف والملائمة للبيئة الصحراوية، مثل زراعة السدر البلدي والطلح النجدي والغاف الخليجي وجميع النباتات التي لا تحتاج لسقيا إلا وقت الزراعة وبعد ذلك تمتد جذورها في باطن الأرض للبحث عن الماء من دون الحاجة لكثير من السقيا، وقد تزرع الفواكه في المناطق الجبلية، وهو ما قام وزير البيئة والزراعة أخيراً بتوزيع 500 ألف شتلة من الفواكه المحلية في الطائف والباحة وعسير وجازان تشمل العنب والرمان والتين والبن واللوز وغيرها، ولكن المشروع والمبادرة تهتم خلال المرحلة الحالية بالنباتات التي تقلل من زحف الأتربة وتستخدم قليلاً من الماء أكثر من النباتات ذات الفائدة".

وقال الأكاديمي المتخصص في الطقس والمناخ بجامعة الملك عبدالعزيز، مازن بن إبراهيم عسيري، "إن قضية التغير المناخي حازت الاهتمام العالمي منذ عقود، وترجم ذلك من خلال الاتفاقيات المختلفة التي أطرت العمل لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة وكبح جماح الاحتباس الحراري، سعياً نحو الحد من آثار التغير المناخي، ولكن الجهود التي بذلت في هذا التوجه لم تحقق الطموح العالمي والتخفيف من آثار التغير المناخي، لا سيما في ظل الاستمرار في زيادة الانبعاثات للغازات الدفيئة عالمياً، ومن هذا المنطلق وكذلك من منطلق إدراك السعودية نصيبها من المسؤولية كمنتج عالمي رائد للنفط في تحفيز العمل العالمي لمكافحة أزمة المناخ، نبعت مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، التي ستكون بمثابة خريطة الطريق نحو تجاوز أزمة المناخ والتصحر وارتفاع درجات الحرارة".
مضيفاً، "أن مبادرة السعودية ومبادرة الشرق الأوسط الخضراوين يتضح منهما جلياً استشعار أهمية حماية الأرض ودور السعودية الريادي في الإسهام في تحقيق المستهدفات العالمية في حماية البيئة والسيطرة على التغير المناخي والحد من آثاره، حيث عانت البلاد التحديات البيئية المختلفة مثل ارتفاع درجة حرارة الهواء لتصل إلى 52 درجة مئوية في بعض المناطق صيفاً وشح الأمطار، الذي يهدد الأمن المائي وزيادة وتيرة العواصف الترابية وكثافتها وتأثيرها سلباً في الاقتصاد".

وذكر عسيري، "أن زراعة 10 مليارات شجرة تعني زيادة الغطاء النباتي بما يساوي 12 ضعفاً عن الوضع الحالي، التي ستوفر بيئة خصبة لكثير من الكائنات الحية، ما سيعزز نمو الموائل الفطرية، ومن جانب آخر سيسهم ذلك في تخفيف آثار التغير المناخي من خلال تعديل الخصائص الإشعاعية لسطح الأرض وزيادة رطوبة التربة، ما سيؤدي إلى تلطيف الأجواء المحلية، وزيادة استهلاك غاز ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج غاز الأوكسجين من خلال عمليات البناء الضوئي، التي بدورها ستقلل تركيز أحد أهم الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، وسيعزز تحقيق مستهدف السعودية في تقليل الانبعاثات الكربونية بأكثر من 4 في المئة من الإسهامات العالمية بالتوجه لمشاريع الطاقة المتجددة، التي تهدف إلى توفير 50 في المئة من الطاقة الكهربائية في البلاد بحلول 2030، التي ستمحو أكثر من 130 مليون طن من الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى رفع نسبة تحويل النفايات عن المرادم إلى 94 في المئة".

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram