الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

الهيئة: نحذر من الانجرار إلى ممارسات تؤثر على هويتنا بدعوى التعايش مع الآخرين في العراق

الخميس 7 سبتمبر, 2023 13:20
 قالت هيئة علماء المسلمين في العراق إن بلدنا الحبيب (العراق) مرّ بصورة من صور اضطراب التعايش المجتمعي بعد احتلاله وتأسيس المشروع السياسي الاحتلالي فيه؛ حيث اشتغل دهاقنة الاحتلال والمتعاونون معه في هذا الموضوع كثيراً، وسعوا ما أمكنهم لتفريق البلاد وتقسيمها.

وأوضحت الهيئة في رسالة مفتوحة لها، اليوم، أن الاحتلال والمتعاونين معه ابتدعوا لهذا الغرض نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، وبنوا نظاماً سياسياً على وفقه، وزرعوا بذور تفجير المجتمع من الداخل، وهو ما أورثنا مشاكل كثيرة.

وأكدت أن ما نشهده اليوم ليس حيرةً وتردداً، ولا ضعفاً في الشعور الوطني، كما إنه في الوقت نفسه لا يخدم مطلب تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قواعد التعامل بين الهويات الفرعية الخاصة والهوية الجامعة، التي ننشدها جميعاً -وإن تم تصويره كذلك- وإنما هو اضطراب في فهم الواجب المطلوب، والطريقة التي تضمن التعايش بين المكونات العراقية.
واكدت أن جزءاً كبيراً من ذلك انجرار مع سلوكيات وأعراف خاصة؛ حيث ليس من التعايش بمكان الانخراط في سلوكيات مجموعة ما من مجموعات الوطن والمشاركة في طقوسها وتقاليدها- خوفاً ورهباً أو طمعاً وتقربا-؛ وإنما يكون التعايش في احترام خصوصية المكونات، وعدم التدخل فيها، والحرص على عدم تعارضها مع الهوية العامة الجامعة.
وقالت الهيئة في رسالتها إن الموقف الصحيح والسلوك السليم والرؤية المطلوبة تحقيقاً لواجب الوقت -فيما نراه- هو في معرفة واقع الناس في العراق، وإدراك نقاط الضعف والقوة في نسيجهم المجتمعي، والحرص على حماية خصوصياتهم، والتصدي لحملات استهداف أبناء الوطن بسبب معتقدهم أو مذهبهم، والبحث عن سبل التعاون بين المجموعات والمكونات الفرعية بمختلف أنواعها للمحافظة على الهوية الوطنية العراقية.
وبناءً على ما تقدم فإن الاعتزاز بما نؤمن به كـ(أهل سنة وجماعة) في العراق: معتقداً وتشريعاً وسلوكاً، ونظرة منصفة لتأريخ الأمة، واحتراماً وتوقيراً لرموزها؛ يوجب علينا التحذير من الانجرار إلى ممارسات غير معهودة قد تؤثر على هويتنا، ويدعونا إلى الحرص على مقومات هذه الهوية والاعتزاز بها والدفاع عنها، من منطلق أنه: واجب شرعي يُمدح به الإنسان أو يُذم في الدنيا، ويُثاب أو يُعاقب في الآخرة، فضلًا عن كونه موقفاً لا يتعارض البتة مع مقومات التعايش والعلائق مع المجموعات والمكونات والهويات الأخرى؛ فهو عين ما تفعله تلك المجموعات والمكونات والهويات في العالم أجمع، وليس في العراق فحسب.

وفي ما يأتي نص الرسالة:

رسالة مفتوحة
من هيئة علماء المسلمين في العراق بشأن
قواعد التعايش في المجتمع
والضوابط الناظمة للسلوك الجمعي العام في بلد محتل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فيقول الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
إن هذه الآية هي ميزان الحق في الجمع بين الناس: خِلقَةً، والتفريق بينهم: معتقدًا، فقد قسمت العلائق بين بني البشر على مستويين، مستوًى عام، هو مشترك إنساني، ومستوًى خاص، هو: معتقد المرء واختياره.
ومن هنا كانت الآية مؤسسة لمقصد مهم من مقاصد التشريع الإسلامي، وواضعة لقاعدة كلية -بما يجتمع إليها من آيات تؤدي المعنى عينه- ومحددة لنقطة المركز في التعامل مع الآخرين في الدائرة الإسلامية أو الدوائر الأخرى.
والتقوى هنا هي: تحقيق مراد الله من الخلق، ولازمها القرب منه تعالى، ونتيجتها، الالتزام العقدي والتشريعي والأخلاقي، وهي أقسام ثلاثة، يتفاوت فيها الناس بحسب علومهم ونياتهم، فيتدرجون في مراتب الإسلام والإيمان والإحسان. ولأن شرع الله كامل وتشريعه موافق لزمان الإنسان ومكانه وحاله؛ لارتباطه -في الغالب- بمصالح الخلق المعتبرة؛ كانت هذه الآية متوافقة تمام التوافق مع كل ما يأتي به العقل البشري -حينما يتجرد عن الهوى والنزعات- ويضع القواعد المجردة للتعايش السلمي بين الشعوب ومكوناتها، والبلدان ومجموعاتها المختلفة الأعراق والأديان والمذاهب.
وقد مر بلدنا الحبيب (العراق) بصورة من صور اضطراب هذا التعايش المجتمعي بعد الاحتلال وتأسيس مشروعه السياسي فيه؛ حيث اشتغل دهاقنة الاحتلال والمتعاونون معه في هذا الموضوع كثيرًا، وسعوا ما أمكنهم لتفريق البلاد وتقسيمها؛ فابتدعوا لها نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، وبنوا نظامًا سياسيًا على وفقه، وزرعوا بذور تفجير المجتمع من الداخل، وهو ما أورثنا مشاكل كثيرة كنا في غنى عنها؛ حتى بتنا لا نسمع عن التوافق والتعايش إلا في شعارات الأحزاب ومشاريعها لتقاسم السلطة وما يتبعها من مكاسب: مادية ومعنوية.
وقد وعت هيئة علماء المسلمين في العراق هذا مبكرًا، قبل استفحال أدواء الاحتلال ومشاكله؛ فنص نظامها الداخلي في أهدافه على: توعية الناس بعدم الاستسلام للواقع المر الذي تعيشه الأمة، والوقوف بحزم أمام أي قوة تريد سلخ العراق من هويته التاريخية وحضارته الإسلامية والحرص على وحدته واستقلال أراضيه، وإشاعة روح التفاهم والتسامح بين أبناء الشعب العراقي بمختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية ونبذ كل ما يفرق وحدتهم.
ثم نص (ميثاق الشرف الوطني) الذي أصدرته في (15/7/2004م) على: الولاء لله أولًا ثم للعراق ثانيًا، وتقديم مصلحته على كل المصالح الشخصية والسياسية والمذهبية والعرقية وغيرها.
وقد قمنا بواجبنا في ضوء المفاهيم والقواعد متقدمة الذكر، وما استقرت عليه مناهج الهيئة وأدبياتها، وتجنبنا الخوض في أي أمر له صلة بالمعتقدات والعبادات والتقاليد والأعراف، وهو ما نفعله اليوم، ونتواصى على مواصلة الأخذ به؛ امتثالًا منا لنهج الهيئة وأهدافها، وقبل ذلك التزامًا بقواعد التعايش في المجتمعات.
ولكن عندما يراد لهذه القواعد العامة الناظمة للسلوك الجمعي العام أن تتخذ مطية لتحقيق أغراض أخرى أبعد ما تكون عن سبل التعايش الحقة، وفي مقدمتها محاولات التسييس التي تقف خلفها أحزاب وقوى بعينها؛ لجر الشعب نحو أهداف خاصة، وسلوكيات معينة، وإلزام مؤسسات الدولة ودوائرها وإدارات المحافظات بالمشاركة في إحياء مناسبات خاصة بقسم من أبناء الشعب لا كله، فضلًا عن التغطية على ما قامت به هذه الأحزاب والقوى من جرائم بحق العراقيين، ولا سيما المستهدفين منهم بمحاولات التغليب غير الشعوري للأفكار والمعتقدات؛ فقد وجبت الإشارة إلى بعض السلوكيات غير المفهومة وغير المبررة التي بدرت من بعض الجهات أو الأفراد خلال الأيام الماضية أثناء (الزيارة الحسينية)، ولا سيما ممن يتزيَّ بزي العلماء وطلبة العلم.
ونحن ننبه هنا على أن هذه التصرفات لم تأت في -غالبها الأعم- في سبيل التعايش والتعاون والشعور بمشاعر أبناء الوطن، وإنما -للأسف- تحقيقًا للأهداف متقدمة الذكر، أو استجابة لنوازع داخلية ومصلحية، أو لضعف في الفهم والإدراك، ولا سيما بعد زيادتها عما كانت عليه في الأعوام السابقة، التي اقتصرت -حينها- على بعض (الجهات السنية) التي تتبنى أفكارًا (باطنية) مخالفة للمعتقد الصحيح لأهل (السنة والجماعة).
إن ما نشهده اليوم هو ليس حيرةً وترددًا، ولا ضعفًا في الشعور الوطني، كما إنه في الوقت نفسه لا يخدم مطلب تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قواعد التعامل بين الهويات الفرعية الخاصة والهوية الجامعة، التي ننشدها جميعًا -وإن تم تصويره كذلك- وإنما هو اضطراب في فهم الواجب المطلوب، والطريقة التي تضمن التعايش بين المكونات العراقية.
وهو في جزء كبير منه انجرار مع سلوكيات وأعراف خاصة؛ حيث ليس من التعايش بمكان الانخراط في سلوكيات مجموعة ما من مجموعات الوطن والمشاركة في طقوسها وتقاليدها -خوفًا ورهبًا أو طمعًا وتقربًا-؛ وإنما يكون التعايش في احترام خصوصية المكونات، وعدم التدخل فيها، والحرص على عدم تعارضها مع الهوية العامة الجامعة.
والموقف الصحيح، والسلوك السليم، والرؤية المطلوبة تحقيقًا لواجب الوقت -فيما نراه- هو: في معرفة واقع الناس في العراق، وإدراك نقاط الضعف والقوة في نسيجهم المجتمعي، والحرص على حماية خصوصياتهم، والتصدي لحملات استهداف أبناء الوطن بسبب معتقدهم أو مذهبهم، والبحث عن سبل التعاون بين المجموعات والمكونات الفرعية بمختلف أنواعها للمحافظة على الهوية الوطنية العراقية.
وبناءً على ما تقدم: فإن الاعتزاز بما نؤمن به كـ(أهل سنة وجماعة) في العراق: معتقدًا، وتشريعًا، وسلوكًا، ونظرة منصفة لتأريخ الأمة، واحترامًا وتوقيرًا لرموزها؛ يوجب علينا التحذير من الانجرار إلى ممارسات غير معهودة قد تؤثر على هويتنا، ويدعونا إلى الحرص على مقومات هذه الهوية والاعتزاز بها والدفاع عنها، من منطلق أنه: واجب شرعي، يمدح به الإنسان أو يذم في الدنيا، ويثاب أو يعاقب في الآخرة.
فضلًا عن كونه موقفًا لا يتعارض البتة مع مقومات التعايش والعلائق مع المجموعات والمكونات والهويات الأخرى؛ فهو عين ما تفعله تلك المجموعات والمكونات والهويات في العالم أجمع، وليس في العراق فحسب.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44].
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].

الأمانة العامة
22 صفر 1445
7 أيلول 2023

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram