

إذ تُعد مذبحة خان يونس التي استمرت عدة أيام واحدةً من كبرى المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق اللاجئين الفلسطينيين جنوبي قطاع غزة، هذه المذبحة التي ارتُكبت على مرحلتين راح ضحيتها أكثر من 250 فلسطينياً، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1956، وبعد تسعة أيام من المجزرة الأولى، أي في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1956، نفذت وحدة من جيش الاحتلال الصهيوني مجزرةً وحشية أخرى راح ضحيتها نحو 275 شهيداً من المدنيين في المخيم نفسه، كما قُتل أكثر من مئة فلسطيني آخر من سكان مخيم رفح للاجئين في اليوم نفسه.
في عام 1956 قرّر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، وهو ممر مائي مهم يسمح للتجارة من وإلى البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الهندي، عن طريق البحر الأحمر.
شكّل ذلك القرار تهديداً لمصلحة الدول الكبرى، في مقدمتها بريطانيا وفرنسا، اللتان أرادتا إفشال قرار عبد الناصر بأي طريقة، حتى ولو تكفّل ذلك شنّ عدوانٍ على مصر.
وبالفعل، وفي اجتماع سري عُقد في سيرفر، يوم 24 تشرين الأوّل/أكتوبر 1956، وافقت بريطانيا وفرنسا و(إسرائيل) على شن هجوم من ثلاث جهات ضد مصر، وبدأ الهجوم بضربة صهيونية على مواقع مصرية في شبه جزيرة سيناء، في 29 تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام.
سرعان ما استغل الاحتلال الصهيوني الهجوم وإعلان وقف إطلاق النار في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، ليقوم بغزو رفح وقطاع غزة، الذي كان خلال تلك الفترة يقع تحت السلطة والسيادة المصرية.
ورداً على المقاومة التي أبداها سكان خان يونس بقطاع غزة، قام الاحتلال الصهيوني بقصف المدينة بسلاح المدفعية، ما أدى إلى خسائر فادحة في أرواح المدنيين، ليهيئ نفسه لارتكاب واحدة من أبشع مجازره في غزة.
بدأت خيوط المذبحة بإلقاء الاحتلال منشورات من الطائرات تحذر السكان من مقاومة القوات الصهيونية، قبل أن تدفع بآلياتها العسكرية بشوارع خان يونس، وتطالب عبر مكبرات الصوت بخروج الذكور من عمر 16 وحتى 50 عاماً.
وبينما أطلق الجنود الرصاص على المتجمعين بالساحات العامة بشكل عشوائي، لم ينجُ من بقوا بمنازلهم من القتل أمام أعين عائلاتهم.
وقعت المذبحة الأولى في مخيم خان يونس للاجئين، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، كان الغرض من المذبحة استئصال المقاومين من غزة، إلّا أن ضحاياها في الأغلب كانوا مدنيين، فقد كان الجنود الصهاينة يعدمون أي شخصٍ يشتبهون في قدرته على حمله السلاح بشكلٍ فظيع، وبلغ عدد الضحايا أكثر من 250 فلسطينياً.
بعد 9 أيام من المجزرة الأولى ارتكب جنود الاحتلال مجزرةً أفظع، راح ضحيتها مئات الفلسطينيين، ففي 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، نفذت وحدة من الجيش الإسرائيلي مجزرةً وحشية أخرى راح ضحيتها نحو 275 شهيداً من المدنيين في نفس المخيم.
إذ جمع ما تبقى من سكان المخيم بعد فرزهم بنفس طريقة المذبحة الأولى، بمكبرات الصوت والمنشورات التي تطالب المدنيين بالخروج من المدينة، قبل أن يغدر بهم جيش الاحتلال ويقتل أكثر من 275 فلسطينياً منهم.
ولم تتوقف المذبحة عند خان يونس، إذ قتل جيش الاحتلال أكثر من 100 فلسطيني آخر من سكان مخيم رفح للاجئين في اليوم نفسه، كما امتدت هذه المذبحة حتى حدود بلدة بني سهيلا في رفح.
أدى فرض حظر التجول المفروض على مواطني غزة إلى بقاء جثث ضحايا المجزرة في العراء وتحت الأنقاض لفترة طويلة، كما منع الاحتلال الفلسطينيين من استرجاع جثث القرويين، وتُركت الجثث متناثرة حول المنطقة.
وبعد انسحاب الاحتلال الصهيوني من غزة وسيناء، في آذار/ مارس 1957، اكتُشفت مقبرة جماعية في محيط خان يونس، احتوت على جثث 40 رجلاً فلسطينياً أصيبوا برصاصة في الجزء الخلفي من الرأس.
كانت فظاعة المجزرة لا توصف، إذ استمر بقاء ضحايا مذبحة خان يونس تحت أنقاض بيوتهم وقراهم لعشرات السنين، فقد عثر على بعض ضحايا المذبحة في سنة 2003، وذلك بعد 47 سنة على ارتكاب مذبحة خان يونس.
قامت الأمم المتحدة بتوثيق مقتل 250 فلسطينياً فقط في خان يونس، ولم تتحدث عن مذبحة اقترفها جيش الاحتلال بحق المدنيين أو تحمّله أي مسؤولية، وبالتالي لم تقدم مذكرات قانونية لإخضاع أي من قادة الاحتلال للمُساءلة بارتكاب جرائم حرب منذ المذبحة وحتى الآن.