

فقدت الأسرة الصحفية العراقية، أمس السبت 25 تشرين الثاني/ نوفمبر/ 2023، واحداً من ألمع نجومها وأبرز رّوادها وأنبل رجالاتها وأكثرهم رقيّاً وتهذيباً ونقاء.
إنه أبو العباس وسارة، الرائع الفخم محمد كامل عارف، ذلك القلم الرشيق الباذخ المفعم بالحيوية، والمتابع للإبداع العراقي حيثما كان وفي أيّ مجالٍ كان، والمسكون بحب العراق أرضاً وسماءً وماءً وهواء.
رحل أبو العباس الذي لم ينسَ العراق يوماً، ولا فقد صلته به رغم طول التنائي وبُعد الشُّقة ورغم العسف الذي أصابه، ومبدعين آخرين، على يد دعيٍّ كذاب اسمه حسن العلوي أراد أن يتسلّق إلى دائرة الضوء بالوشاية الكاذبة والكيد السخيف لنخبة من خيرة صحفيي العراق المبدعين طامعاً بأكثر مما يستحق بكثير.
كان الأستاذ محمد كامل عارف مولعاً بملاحقة المبدعين العراقيين فيصطاد بعينه اللمّاحة وأفكاره الثاقبة إبداعاتهم وشواردهم ليكتب عن ذلك بشغفٍ كان أقرب إلى عزف عازفٍ أو ريشة رسامٍ.
ليس هذا فحسب، بل يمكن القول إن الأستاذ عارف كان مسكوناً بحب العراق، أذكر أنه يوم صدر "تقرير شيلكوت" عن مسؤولية بريطانيا في جريمة غزو واحتلال العراق سنة 2016 كتب ما يشبه المحاكمة له وللجنة التحقيق التي أصدرته، وكشف عن أخطر أوجه القصور في هذا التقرير الذي أرى أنه لم يكتب إنصافاً للحقيقة بل كتب لملء الفراغ أو وضع نقطة في آخر سطر مجلد المسؤولية البريطانية عن الجرائم الوحشية المرتكبة بحق العراقيين لتظن لندن، بدهائها، أنها أغلقت ملف أوزارها في العراق، وهيهات أن يُغلَق أو أن نُغلقه نحن.
لم ينسَ أبو العباس عراقه الذي عرفه وأحبّه وسكن مقلتيه وخافقيه، وهو البريطاني سكناً وجنسية، لا بل كان دائم الحرص على التذكير بجريمة لندن حين كان ونستون تشرتشل ربما أول شخصٍ في التاريخ يستخدم أسلحة الدمار الشامل الكيمائية حين أمر بقصف القرى الكردية بالغازات السامة في بدايات القرن العشرين.
وإذا كان الأستاذ محمد كامل عارف مولعاً بملاحقة المبدعين العراقيين فيصطاد بعينه اللمّاحة وأفكاره الثاقبة إبداعاتهم وشواردهم ليكتب عن ذلك بشغفٍ كان أقرب إلى عزف عازفٍ أو ريشة رسامٍ، فيمكن القول بثقة إن جريمة غزو العراق كانت همّه الأكبر، فقد كتب مقالات عدة محذّراً من هول الجريمة قبل حدوثها، وكتب عشرات المقالات والرسائل عن أهوال الكارثة بعد حلولها، ولعلً مقالته "مات اللمبجي" في الجاسوس أحمد الجلبي تكشف بعنوانها المّصاغ بحذق صائغٍ ماهرٍ عن موقفه من حفنة الجواسيس الذين خانوا العراق وكانوا مسماراً في بسطال غُزاتِه ومحتلّيه، إذ شبّهه بـ "داوود اللمبجي" ذلك السمسار المعروف بمهنته القذرة في مواخير (الميدان) العفنة في بغداد العتيقة.
يسجّل للأستاذ عارف بفخرٍ كبيرٍ ووطنيةٍ عاليةٍ أنه عرض قبيل احتلال بغداد سنة 2003 في مقالة له عنوانها "جريمة بريطانيا العظمى" مشورة قانونية مجانية أخفَقَت في التوصل إليها لجنة التحقيق البريطانية (لجنة السير شيلكوت) التي كلّفت نحو 15 مليون دولار، واستندت مشورته إلى سياسيين ورجال قانون.
ويسجّل له بفخرٍ كبيرٍ ووطنيةٍ عاليةٍ أنه عرض قبيل احتلال بغداد سنة 2003 بأربعة أيام في مقالة له عنوانها "جريمة بريطانيا العظمى" عرض مشورة قانونية مجانية أخفَقَت في التوصل إليها لجنة التحقيق البريطانية (لجنة السير شيلكوت) التي كلّفت نحو 15 مليون دولار، حيث استندت مشورته إلى سياسيين ورجال قانون، بينهم السياسي البريطاني العريق تام دالايل الذي يسمى "أبو البرلمان البريطاني" لعضويته فيه طيلة 41 عاماً متواصلة، والذي طالب في مقالة له في صحيفة "غارديان" وقتها عنوانها "بلير مجرم حرب" بتقديم رئيس وزراء بلاده وزعيم حزبه إلى "محكمة العدل الدولية" في لاهاي، وأقرّ فيها بأنه يقترف جريرة كبرى باتهام زعيم حزبه لكن ذلك أقلّ خطورة بما لا يُقاس من نتائج حرب العراق التي قال إنها "ستضع الغرب المسيحي في مواجهة الإسلام".
الزهور بأنواعها كانت هي الأخرى محلّ اهتمام أبي العباس، كان مغرماً، وأنا مثله، بزهور اللافندر، الخزامى، التي ألهمت شعراء العرب في الجاهلية وهي تفوح بعطرها الأخّاذ في جنبات واحات صحاريهم.
وحبّ الزهور ليس لذاتها فحسب ولا لجمال منظرها وما تشيع في النفس من حبور، بل لأنها تعني حبّ الحياة والأمل والتفاؤل وزراعة ما ينفع الناس ويرفع من ذائقتهم ويهذّب من طباعهم، وقد كان هذا واحداً من هموم البغدادي النبيل محمد كامل عارف، وأذكر أنني أهديته صورة لزهور اللافندر في يوم تموزي من سنة 2018 كنت زرعتها في حديقتي رداً على مقالٍ له أشار فيه إلى أنه وحفيدته زرعا شتلات من اللافندر، أهدتها له جاراته التركيات، في حديقة بيته بضواحي لندن.

رسالتي له مع صورة زهور اللافندر التي نحبّها كلانا.
لكن هذه ليست كل اهتمامات أبي العباس، فالفن والثقافة بكل أنواعها كانت أوسع آفاقه، كيف لا وقد كانت صفحة "آفاق" بأفكارها الغنية وإبداعاتها الثرّة ميدانه الأرحب وكان بحقّ فارسها الفذّ مع زميله الرائع المبدع الأستاذ سهيل سامي نادر، حينما كانا يتألقان إبداعاً في صفحات "الجمهورية" المدرسة الصحفية العراقية الباذخة ثراءً في أوج أيام عزّها حينما كانت تعمل فيها نخبة النخبة في الصحافة العراقية الملتزمة الواعية حينما كان يقودها سعد قاسم حمودي، وهو الصحفي البارع ابن الصحفي الرائد الذي كان طمع حسن العلوي بمنصبه في ترؤس دار الجماهير للصحافة وراء الكيد لعارف ونادر وسلوى زكو وسلام مسافر وسعود الناصري وضياء حسن وآخرين، وهو الكيد الذي لم يُفلِح فقرر الرئيس أحمد حسن البكر، يرحمه الله، تعيين حمودي وزيراً للإعلام مع احتفاظه بمنصبه في رئاسة دار الجماهير للصحافة.
ومن الثقافة والفن إلى الترجمة وإلى الكتابة في العلوم والتكنولوجيا تنوّعت إسهامات الأستاذ عارف ليكون علامة فارقة في الصحافة العربية التي فتحت له أبوابها ليكتب أعمدة ثرّة غنية بالمعلومات والإحصاءات وحافلة بالرؤى المستقبلية في مجالات علمية وتقنية شتى، وليشهد في رحلات ميدانية عدة مناسبات علمية كانت محطات تاريخية في مسيرة البشرية.
باختصار، كان محمد كامل عارف أروع من رائعٍ وأحلى بكثير، وقد خسرناه صحفياً ومعلّماً وكاتباً وباحثاً عن الحب والحق والخير والجمال، خسرناه إنساناً بكل معاني الكلمة.
حتى المطبخ العراقي لم يفُت أبي العباس، فكتب عن طعومه ومذاقاته وروائحه وأكلاته وعن تاريخه وأدواته، ولعلّه كان يجد في ذلك تعبيراً عن الحنين إلى وطنه الساكن فيه، والذي لن يغادره شأن كل عراقي نهل من مياه نهر دجلة العذب، يوم كان يجتاز بغداد محمّلاً بالخير والجمال والترف.
ومع فارق السن والتجربة بيننا، كان الأستاذ عارف متعاوناً جداً في أي طلبٍ أتقدم به إليه لاستكمال معلومة أو تصحيحها، وللحصول على صورة أو خبرٍ أو وثيقة، في سلوكٍ يعكس نبل المعلمين الكبار المؤمنين بتواصل الأجيال، وقد كان بحقّ معلماً ألهم، بتجربته وسيرته ونقاء قلبه ورقيِّ أخلاقه وواسع معرفته، أجيالاً من المبدعين في مجالات الصحافة والفكر والثقافة والفن وضروب الإبداع والجمال.
وكنا، حتى خفت بصرُه ولم يفقد بصيرته قبل نحو سنتين، نتواصل بمحبة باستمرار وأحياناً كل يوم ونتناقش في شتى مجالات الحياة.
باختصار، كان محمد كامل عارف أروع من رائعٍ وأحلى بكثير، وقد خسرناه صحفياً ومعلّماً وكاتباً وباحثاً عن الحب والحق والخير والجمال، خسرناه إنساناً بكل معاني الكلمة.

مع العباس وسارة وعقليته الراحلة نوّار الأوقاتي.
أعرف أن الفجيعة كبيرة وأن مشهد الرّحيل مهيب، وأدرك أن الكلمات أصغر من أن تعبّر عن أحزاننا، لكنني على يقين أن رحمة الله تعالى أكبر.
يرحم الله أبا العباس وسارة، البغدادي النبيل محمد كامل عارف البياتي النجم الذي ارتقى فمثله لا يهوي وإن احتجب ضياؤه في حومة إحدى الثقوب السوداء التي طالما حدّثنا عنها وهو يكتب مقالاته المبحرة في التخوم القصية للسماوات الفسيحة.