

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالقِسطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ على أَلَّا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
كلما سنحت فرصةٌ أو استجدَّ حدثٌ دارت بين المثقفين العرب، في ندواتهم أو كتاباتهم أو أحاديثهم وعبر وسائل الإعلام التقليدية منها أو الجديدة، نقاشاتٌ وثارت خلافات، وقد يعتقد بعض الناس أن هذه ظاهرةٌ صحيةٌ تُنمّي الفكرَ وتزيدُ من وعي الرأي العام وتفتحُ أمام الباحثين عن الحقيقة آفاقاً أوسعَ ورؤى أشمل، لكن الواقع يكشف عن حقيقة مرة، فالأمر ليس كله على هذا النحو.
فالحق أن كثيراً من هذه النقاشات لا يستهدف البحث عن الحقيقة ولا يرمي إلى زيادة وعي الناس، فمعظمها لا طائل منه، فهو جدالٌ عابثٌ لتمضية الوقت يستحق أن يوصف بأنه "جدل بيزنطي" يستعيد القصة المشهورة التي حدثت في العام 1453 عندما حاصر السلطان العثماني محمد الثاني القسطنطينية، وبينما كان مصير الإمبراطورية البيزنطية بأكملها على المحكّ، كان مجلس شيوخ المدينة مشغولاً بمناقشة أمور ميتافيزيقية لا طائل منها، مثل البحث عن جنس الملائكة وعن حجم إبليس وعن أيهما أسبق في الخلق الدجاجة أم البيضة؟
وبينما كان الجدل محتدماً في قاعة مجلس الشيوخ كان القتال يدور في شوارع القسطنطينية بعد أن تمكن جنود السلطان العثماني من اقتحام أسوارها ثم السيطرة عليها، حتى انتهى الأمر بأن قضى الإمبراطور نحبه على أسوارها ولقِّب السلطان العثماني بـ "الفاتح" وعلى هذا استقرَّ الحال حتى يومنا هذا وذهبت أدراج الرياح جدالات "الشيوخ".
كثير من نقاشات (النخب) العربية لا يستهدف البحث عن الحقيقة ولا يرمي إلى زيادة وعي الناس، فمعظمها لا طائل منه، بل عبثي يستحق أن يوصف بأنه "جدل بيزنطي" لتمضية الوقت.
ومن الحق أيضاً أن كثيراً من نقاشات (النخب) العربية هذه لا ينبع من مواقف فكرية أو سياسية أو عقائدية على الإطلاق، فلو كان مبعثه الصراعات الآيديولوجية أو الانتماءات السياسية فحسب لفهمنا وقدّرنا، بل هناك ما يحرّكه، وهو أن دولاً فاعلةً جداً في الوسط الإعلامي العربي ومتحكّمة بتمويله أسّست بيئة حاضنة لأفكارها ومروّجة لمواقفها السياسية، وأن هذه الجهات تشتري بالمال مثقفين وإعلاميين وكتاباً وصحفيين، ويتبارى هؤلاء في تجميل القبيح وتقبيح الحسن وتحليل الحرام وتحريم الحلال.
وقد كانت لنا في العراق تجربة عميقة مع هؤلاء الذين كانوا يبيحون ما يريده مموّلوهم ولو كان قتلاً لنفسٍ بريئة أو هدراً لمال معصوم أو احتلالاً لبلدٍ حرٍ مستقل.
وفي الغالب لا تُسفر تلك المعارك العبثية عن شيء، حيث ينصرف كلٌ إلى ما ينصرف إليه معتقداً أنه أدّى واجبه أو أراح ضميره، حتى وإن كان الأمر لا يتعلق بواجبٍ ولا براحة ضمير.
ومع اندلاع معركة "طوفان الأقصى" فجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تجدّدت تلك النقاشات، وكثيرٌ منها عبثي، حول الموقف من "الطوفان" كعملية وحول حركة المقاومة الإسلامية "حماس" القائمة بها.
وكالعادة، توزّع الناس بين مؤيد ورافض، وهذا طبيعي في حدثٍ عظيم كهذا، فهناك من يؤيد العملية وهناك من يرفضها، وتتوزع بواعث المؤيدين والرافضين بين فكرية وعقائدية وسياسية وأخلاقية، وارتزاقية أيضا، والحق أنه أياً كانت المواقف فهي مفهومة حتى وإن لم تكن مقبولة، مفهومة لأنها مبنية على الدوافع وهي معروفة ومحدّدة سلفا.
فالذي يعتبر (إسرائيل) كياناً غاصباً وغير شرعي ويؤيد فكرة مقاومة الشعب الفلسطيني لاسترداد حقه في أرضه ومياهه وثرواته سيقف في جانب العملية، والذي يعتبر أن (إسرائيل) دولة قائمة، حتى بصرف النظر عن شرعية قيامها، ويعتقد بأن عليه التماشي مع (الواقع) والانسجام معه سيرفض العملية، وقد يبالغ أو يتطرّف فيراها بعين الصهيوني الذي يعتبرها إرهابا، وهناك من يقف بين بين، مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وهناك الطرف الإيراني الذي يريد أن يجيّر الأمر كله لصالحه، وهذا لا يعنينا لذا لن نتحدث عنه الآن.
ولأن "الطوفان" أغرق الاستعدادات التي كانت جارية حثيثاً لتنظيم حفل إعلان الاعتراف السعودي بـ (دولة إسرائيل) وهو اعترافٌ تنبع أهميته من جانبٍ واحدٍ هو الجانب السعودي، لأنه لا قيمة أبداً لاعتراف (إسرائيل) بالمملكة، إذ هي كيانٌ قائمٌ لا تمنحه تل أبيب شرعيةً باعترافها به، ولأنه حال دون قيام العلاقات الدبلوماسية تكاملاً لا تطبيعاً بين الرياض وتل أبيب، أو أجّله في الحقيقة بضعة أشهر، بما يعني تأجيل الجائزة الكبرى التي كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سينالها عند إتمام الصفقة، لأنَّ ذلك حدث فقد شهدنا حملة شعواء شنّتها أوساط سعودية أو محسوبة على السعودية ضد العملية وضد حركة "حماس" بالتحديد رغم أن أطرافاً أخرى في قطاع غزة تشارك "حماس" في عملياتها ضد العدو الصهيوني ولو بنسبة أقل بكثير.
وقد يسأل سائل:
لماذا التركيز على السعودية وقد اعترف غيرها بـ (إسرائيل) وطبّع علاقاته معها؟
ومع أن السؤال جوهري إلا أنه في ذات الوقت ساذج لأنه يتجاهل أو ينفي الأهمية الاستراتيجية لبلدٍ مثل المملكة العربية السعودية!
فالسعودية، لاعتبارات كثيرة، بلد هو الأهم في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، وهو من بين الأهم في العالم، وبالتالي فإن تأثيرات سياساته، حتى بعض الداخلية منها، لا تنعكس عليه فحسب، بل على ما يحيط به من العرب والمسلمين وآخرين في العالم، وهذا يعني أنه لا تجوز مقارنته بأي بلدٍ آخر أياً كان.
فضلاً عن ذلك هناك سبب عملي، إذ تسيطر الرياض على غالب فضاءات الإعلام العربي، قديمه والجديد، مقروءاً ومسموعاً ومرئياً، وهي تبعاً لذلك تؤثر في كثيرٍ من توجّهات الرأي العام بل وتتحكّم بها أيضا، ولا ينبغي أن يمرّ هذا التأثير أو التحكّم دون رد فعلٍ من أوساطٍ متلقية ومعنية.
أغرق "الطوفان" الاستعدادات التي كانت جارية حثيثاً لتنظيم حفل إعلان الاعتراف السعودي بـ (دولة إسرائيل) وهو اعترافٌ تنبع أهميته من الجانب السعودي فقط، لأنه لا قيمة أبداً لاعتراف (إسرائيل) بالمملكة، باعتبارها كياناً قائماً لا تمنحه تل أبيب شرعيةً باعترافها به.
والأعقد بين كل ما دار من نقاشات أو ثار من خلافات تلك المواقف التي تبني رؤيتها على موقف "حماس" من إيران وعلاقتها بنظام الولي الفقيه وميليشياته، وفي هذا كلامٌ كثيرٌ سأحاول إجماله ولو بصعوبة.
هناك، أولاً، موقف عقائدي أخلاقي يؤمن به كثيرون يقول إن "حماس" باصطفافها إلى جانب إيران وضعت نفسها في خانة قتلة أهلنا في العراق وسوريا واليمن ولبنان بالتحديد، ويسوقون على ذلك أمثلة، وهي متاحة بوفرة فعلاً، عن إشادة قيادات "حماس" بتلك الميليشيات الإجرامية في أقطارنا العربية وبرموزها وبراعيها الأكبر الولي الفقيه وفيلق قدسه الذي لم يبقَ قطرٌ من هذه الأقطار العربية الأربعة إلا عاث فيه قتلاً ونهباً وتدميرا.
ويرى أصحاب هذا الموقف أن "حماس" لم تعد في صف الأمة، عربية وإسلامية، بل في صف أعدائها وبالتالي لا يمكن الوقوف معها في أي قضية تُقدِم عليها بشكل مطلق.
وهناك، ثانياً، من يدافع عن "حماس" بضراوة فهي عندهم على صوابٍ دائماً، حتى لو كانت في نظر غيرهم أخطأت، ولا ينبغي أن نشير إلى أيٍّ من أخطائها، إن وجدت في نظر آخرين، لأنها تقاوم العدو الصهيوني المحتل، ومن كان على ثغرٍ لا يجوز أن يُرى في فعله خطأ، وبالتالي فالحركة عندهم معيار حقٍ يُقاس الناسُ والجماعات عليه.
وأغلب من يرى هذا الموقف أولئك الذين يتقاسمون مع "حماس" المنطلقات النظرية ذاتها، وأعني التوجّهات ذات الصبغة الإخوانية أو القريبة من الإخوانية.
والحق أن "حماس" ليست وحدها المنفردة بين الجماعات الإسلامية بالاقتراب من إيران وليست وحدها من يجهل مشروعها أو يخفّف من آثاره جداً، أو يُكابر فينفي ذلك المشروع من الأصل، فكل الجماعات والشخصيات التي تستلهم مواقفها الفكرية من حركة الإخوان المسلمين، عربية كانت أو غير عربية، تعاني من خللٍ جوهريٍ في صميم بنيتها العقائدية والفكرية، ويبدو هذا الخلل الجوهري تحديداً في عدم فهمها لطبيعة المشروع الفارسي العنصري ومشروع التشيّع السياسي، وينعكس هذا على أدائها السياسي وعلى تحالفاتها وعلى مجمل مواقفها، إلا من رحم ربك، وقليلٌ من هم، وعسى أن تتَّسع رحمة الله لتشمل المزيد.
وهناك موقف ثالث يلتمس لـ "حماس" العذر فيوافق على أن الحركة تقترب من إيران وتشيد برموزها وميليشياتها، لكنه يقول إنها حركة معنية بالشأن الفلسطيني ولا علاقة لها بقضايا العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين وصراعهم مع إيران، التي تحتل دولهم، أو مع ميليشيات إيران، التي تقتلهم وتسرقهم وتدمّر دولهم.
والحق أن هذا موقف براغماتي مصلحي غارقٌ في اللاأخلاقية، إذ كيف يتحدث أصحاب هذا الموقف عن أمة واحدة، إسلامية غالباً، لكنهم يحصرون أنفسهم في قضيةٍ محددةٍ محصورةٍ بحدودٍ جغرافيةٍ، هم أول من يرفضها، ولا يعيرون بالاً لقضايا الأمة الأخرى؟!
وطبقاً لهذا المنطق الأجوف كيف للعراقي أو السوري أو اليمني أو اللبناني أن يقف مع الفلسطيني في تصدّيه للاحتلال الصهيوني، إذا كان الفلسطيني غير معني بقضاياه وغير آبهٍ بمعاناته مع الاحتلال الإيراني وأدواته؟!
وهناك، رابع، يرى أن "حماس" مجبرةٌ على اتخاذ موقفٍ قريبٍ من إيران، لأنها تموّلها، أو أنها وحدها من يموّلها كما يقولون، وعليه فإننا يجب أن نفهم موقف الحركة النابع من الاضطرار لا الاختيار، وعلينا أن نتجنّب الإساءة إليها بأي شكلٍ من الأشكال، الآن على الأقل، حيث ليس على المضطرّ حرج.
لكن هذه الخيارات الأربعة ليست وحدها المتاحة أمام العربي، أو المسلم، ليحسم موقفه في هذا الخصوص، ففي السياسة لا توجد خيارات صفرية، مع بالمطلق أو ضد بالمطلق، فهذه الخيارات الصفرية لا يمكن أن تكون إلا في مسألة الإيمان والكفر، فالإنسان يؤمن بالله أو يكفر به، وليس هناك خيار ثالث، ونحن هنا نتعامل مع قضية قابلة للنقاش ولا نتصدى لقضية الإيمان والكفر وهي محسومة كما قلنا.
نخطّئها ولا نخوّنها
ثمة خيار نراه الأصوب في التعامل مع هذه القضية الشائكة التي تختلط فيها العقائد الدينية بالمعايير الأخلاقية بالمبادئ السياسية بالأفكار الحزبية وهو أن يقف المرء مع "حماس" في تصدّيها للعدو الصهيوني ويؤيد مقاومتها له وأن لا يتردّد لحظةً في دعم خياراتها بهذا الخصوص، وفي ذات الوقت أن يخطّئها ويرفض مواقفها في قضايا أخرى، على أن يُمارس، كمثقفٍ وسياسيٍ بل كإنسان، مع بيانه خطأها وقبله وبعده، دوره في التبصير والتوعية، فنحن إنما خلقنا لنكون هداةً لا قضاةً، وأن يبذل جهده في بيان صواب ما تقوم به "حماس" من مقاومة للعدو الصهيوني، وخطأ ما تقيمه من علاقات مع العدو الفارسي أو تبذله من جهود، ولو عن غير قصدٍ مباشرٍ، في منح قتلة العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين صكّ غفرانٍ ووثيقة براءةٍ وحسن سيرةٍ لمجرد قيام أولئك القتلة بعمليات دعائية هنا أو هناك، وهي عمليات لا تردعُ صهيونياً ولا تغيثُ فلسطينياً كما رأينا من قبل ونرى الآن.
وعلينا أن نتذكّر جميعاً أن نصرة الظالم لا تكون بالسكوت عن خطئه وظلمه، بل ببيان ذلك الخطأ له ومنعه من الاستمرار في ظلمه، وأرى أن "حماس" أخطأت في موقفها من إيران وأذرعها الإرهابية، وأنها ظلمت أشقاءها العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين.
وقد يكون مناسباً أن نتجنّب الآن الإشارة إلى هذه الأخطاء، للاعتبارات المفهومة وللظروف التي يعيشها أهل فلسطين، إلا إذا أصرَّ المعنيون على خطئهم وتمادوا فيه، فيكون حينها للموقف حديث آخر، ولكن بهدوء وبلا تخوين.
بعبارةٍ أخرى، فإننا لا نظلم "حماس" ولا نُسلِمها بل على الحق ندعمها، وعلى الباطل لا نؤيدها ولا نقرُّ لها.
هذا هو الموقف الأكثر انسجاماً، برأيي، مع قواعد الشرع التي لا تجيز للإنسان التفرج على معاناة أخيه المظلوم (نصرة المظلوم) ولا تبيح له الوقوف مع أعدائه (الولاء والبراء)، ومع ضوابط الانتماءات الفكرية والمعايير الأخلاقية التي تجعله في صفِّ مقاومة المحتلين ورفض مشاريعهم والتصدّي لها بلا تردد، ومع الالتزامات السياسية التي تفرض عليه الوقوف مع حركة سياسية مثل "حماس" وغيرها في ظرفٍ كالذي نعيشه الآن.
مثلما كان قرار غزو العراق واحتلاله مشروعاً صهيونياً نفّذه (المخلّص) جورج بوش بتمويل نظمٌ رسميةٍ عربيةٍ خائنةٍ ورضا نظامٍ عالميٍ متهالكٍ وجبانٍ، فإن قرار إزالة حركة "حماس" من المشهد السياسي وإنهاء الوضع القائم في قطاع غزة قرارٌ صهيونيٌ تسعى لتنفيذه جهات دولية وإقليمية وعربية.
ومن باب ذكر الأخطاء، لابدّ من القول هنا إن "حماس" وإن قاتلت العدو الصهيوني إلا أنها ليست معيار الحق، ولا قادتها هم معياره، وهي حزب سياسي يمكن أن يقترب من الحق أو يبتعد عنه، وقادته ليس بينهم معصوم، فهم بشرٌ يخطئون ويصيبون، ولما كان الأمر كذلك كيف جاز لها أن تبدأ مثل هذا العمل النوعيِّ الاستراتيجي الذي يرقى إلى مستوى حربٍ ذات نتائج مصيرية، وهي تعلم يقيناً إن إمكاناتها الذاتية- تسليحية ومالية ولوجستية وسياسية- محدودة للغاية ولن تمكّنها من الاستمرار في ظل الاختلال المجحف لمعادلات الصراع وميل الموازين المادية والسياسية لصالح العدو الصهيوني، ومع تردّي مستوى الفعل لدى النظام الرسمي العربي، أو انعدامه في الحقيقة.
ومع تأكيدنا المطلق على أن "حماس" لم تُخطئ في قرارها بمواجهة العدو الصهيوني ومقاومته، فهي حركة مقاومة أولاً وأخيراً، فإن غالب الظن أنها أخطأت في تقييم مواقف إيران وميليشيات "محور مقاومة سليماني" والتعويل على دعمهم، وإذا كانت "حماس" عوّلت على هذه القوى فقد أوقعت نفسها في خطأ استراتيجي عظيم وعرّضت شعب غزّة لوضعٍ يصعب تصوّر حيثياته المستقبلية.
ونحن هنا إذ نتحدث عن معايير الصراع بين البشر لا نُسقِط من حسباننا إرادة رب العالمين التي لا تتعامل مع الأمور بمعاييرنا ولا تقيم لها وزنا، وهي التي ستكون الحاسمة بالتأكيد.
قبل الختام
ثلاث ملاحظاتٍ أساسية نذكرها قبل أن نختتم مقالتنا اليوم.
الأولى: تتحدث واجهات النظام الرسمي العربي وألسنته في وسائل الإعلام عن خطأ تعامل "حماس" مع إيران، وهو عندنا خطأ أيضاً، لكننا نسألهم:
لماذا لا ترون في تعامل أنظمتكم الرسمية مع إيران خطأ؟
بل لماذا تسمحون لأنفسكم بالتعامل مع النظام الميليشياوي القائم في العراق وهو أخطر منافذ وأدوات الحرس الثوري الإرهابي الإيراني الذي تزعمون رفضكم له ومواجهتكم لأدواته، علماً أنكم لا تتعاملون مع هذا النظام فحسب بل تدعمونه وتمثلون بعض عوامل استمرار وجوده؟!
ولماذا سمحتم لسفاحٍ مثل بشار الأسد بعودته إلى صفوفكم وتعلمون يقيناً طبيعة دوره وعمق خدمته للمشروع الفارسي الذي تزعمون أنكم تتصدّون له، وأنتم أول من يستهدفه هذا المشروع؟!
وإذا كان التعامل مع إيران مباحاً لدولكم التي تتمتع بخياراتٍ أكبرَ وحريةٍ أوسعَ في العلاقات الدولية، فلماذا تمنعونه عن حركةٍ مخنوقةٍ في جيبٍ جغرافيٍ هو الأكثر كثافةً سكانيةً في العالم والأعقدَ في حدوده وإدارته وتمويله وعلاقاته الخارجية؟!
الثانية: صحيح أن استعادة الرهائن الصهاينة هدف تعمل عليه حكومة بنيامين نتانياهو تحت ضغط عواملَ داخليةٍ عدة، لكن هذا ليس السبب الرئيس لاستعادة شنِّ العمليات العدوانية بسعارٍ وحشي أكثرَ دمويةً وأشدَّ إبادةً في غزة بعد هدنة الأيام السبعة التي انقضت قبل أيام.
الهدف الحقيقي هنا هو المسعى الصهيوني لفرض وقائع على حركة حماس في مقدمتها إسقاطها داخلياً بما يسمح بفرض إجراءاتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ وإداريةٍ على القطاع تستبعدها تماماً من أية ترتيبات مستقبلية (سياسية، أمنية، خدمية، إعادة إعمار.. الخ) في أعقاب توقف العمليات العسكرية التي لابدَّ أن لها أن تتوقف وإن طال أمدها.
هذه الرغبة الصهيونية المدعومة أميركياً، وبالتأكيد من جهات أخرى أيضاً، هي الهدف الرئيسي باعتقادي.
وأرى أن المعوّقات الفعلية التي تحولُ دون تنفيذها محصورةٌ في الإطار الداخلي في غزة، وليس خارجها، لا في الإطار العربي الذي يفاوض في مصر أو في قطر ولا في الإرادات الدولية ولا حتى في الإطار الفلسطيني العام، أعني سلطة بلدية رام الله.
فالفلسطينيون في غزة هم من سيُسقِط هذا الهدف أو يحقّقه، وبعد ذلك بمراحل تأتي العوامل والإرادات العربية والإقليمية والدولية والمسعى الصهيوني.
الثالثة: مثلما كان قرار غزو العراق واحتلاله وإسقاط دولته الوطنية سنة 2003 مشروعاً إجرامياً صهيونياً نفّذته الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية وموّلته وسهّلت مساربه نظمٌ عربيةٌ خائنة وغادرة ورضيَ به نظامٌ عالميٌ متهالكٌ وجبانٌ، فإن قرار إزالة حركة "حماس" من المشهد السياسي وإنهاء الوضع القائم في قطاع غزة منذ العام 2007 قرارٌ صهيونيٌ تسعى لتنفيذه جهاتٌ عديدةٌ دوليةٌ وإقليميةٌ وعربيةٌ ترى في الحركة خطراً عليها وعقبةً أمام مشاريعها لتسوية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي الصهيوني.
ومثلما كان مجرم الحرب أرئيل شارون يرى في الرئيس صدام حسين، يرحمه الله تعالى، صداعاً تتوجّب إزالته، وكان معظم النظام الرسمي العربي يرى في دولة العراق الوطنية مصدرَ إزعاجٍ وجاء احتلال بغداد (خلاصاً) من ذلك الإزعاج لمن يعنيهم الأمر على يد (المخلّص) جورج بوش، مثلما كان ذلك فقد اتفق المعنيون ضمنياً أو فعلياً على إبادة غزة والتخلّص منها أملاً في (راحة) موهومة.
لكن مثلما كان احتلال العراق بوابة خرابٍ للمنطقة كلها سيمتدَّ طويلاً وسيؤثرُ عميقاً، ستكون إعادة احتلال غزة، لو حصلت لا قدّر الله، كذلك.
والله الموفق والمستعان