

قبل أيام من وفاة أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد قال كاتب هذه السطور في تغريدة له نشرها في حسابه على موقع "X" إن "الكويت تقع على فوهة بركان داخلي وخارجي عظيم"، وعرض ملامح وعناوين أساسية لمواضع اعتقد أنها تمثل بوادر فتنة وعلامات خلل في الحياة السياسية والاجتماعية في هذا البلد.
وفيما لقيت التغريدة أكثر من مليون تفاعل خلال يوم واحد، وجّه ذباب إلكتروني لكاتبها شتائم بذيئة لا تعبر عن دناءة نفوسهم وضحالة أخلاقهم فحسب، بل عن عمق الأزمة الكامنة في الكويت أيضا، وهذا هو الأهم.
وحرصاً من الكاتب على تلمّس مواقع خطئه وصوابه في ما عرضه من معلومات وما ذهب إليه من تحليل فقد حرص على التواصل مع جهات داخل الكويت وأخرى خارجها، سواءً ضمن المنظومة الخليجية أو المحيط العربي، حيث أكدوا جميعهم صواب ما ذهب إليه من عرضٍ وتحليل.
وجاءت وفاة الأمير لتبدأ معها مرحلة ترقّب، وهي مدة لم تمتدّ طويلاً لحسن الحظ، حيث سارع الأمير الجديد الشيخ مشعل الأحمد إلى وضع كثير من النقاط على حروفها علناً ليقطع دابر التحليل والاستنتاج.
من هنا كان حرص الكاتب شديداً على سماع خطاب الأمير الجديد الشيخ مشعل الأحمد الصباح أمام مجلس الأمة فوجده رفع صوته بأعلى مما كان يتوقع في مواضع كان الكاتب سبقه في الإشارة إليها.
ومع أن الأزمات بين مجلسي الوزراء والأمة ليست جديدة إلا أن حكام الكويت كانوا يلتزمون جانب مجلس الوزراء الذي يرأسه عضو من الأسرة الحاكمة بالضد من مجلس الأمة الذي تهيمن عليه في العادة ثلاثة تيارات، هي:
لكنه شهد في السنوات الأخيرة هيمنة تيار آخر هو "تيار التجار"، حيث باتت غرفة تجارة الكويت ترسم خطوات بعض النواب تحت قبة البرلمان، وتستجلب من خلالهم مغانم إلى جهات بعينها دون غيرها وتدفع عن أخرى مغارم.
وتجاوزت هيمنتها ذلك إلى التحكم في تعيينات بعض أعضاء مجلس الوزراء مما ساهم في تثبيت أركان الفساد ومدّ جذوره في السلطتين التشريعية والتنفيذية معاً، وبحمايتهما معا.
وإذا كانت العادة جرت أن يلجأ الأمير إلى حلِّ مجلس الأمة عند احتدام أزمة ما مع مجلس الوزراء، كما أسلفنا، إلا أن الذي حدث أخيراً كان مختلفاً بعض الشيء، وربما مختلفاً جدا.
فلأول مرة يهاجم الأمير كلا المجلسين ويصفهما بأوصافٍ تقترب من جرم الخيانة العظمى، بل لعلها كذلك بالفعل!
ولأول مرة يبدأ أميرٌ جديدٌ في الكويت عهده بانتقاد بعض قرارات سلفه علناً، وبلا تحفظ، مع أن تراب قبر شقيقه ما يزال رطباً كما يقال!
ولأول مرة يصف الأمير تصرفات بعينها في بلاده بأنها "عبث مبرمج" وهو اتهام كبير وتبعاته خطرة وخطيرة معاً وقد تطال رؤوساً كانت تظنُّ أنها بعيدة عن المساءلة ليس لأنها من الأسرة الحاكمة فحسب، بل لكونها من فرع الأحمد المنفرد بالحكم في أسرة الصباح.
من هنا تأتي أهمية خطاب الأمير الجديد أمام مجلس الأمة الذي نقرأ فيه ما يأتي:
وأشار إلى أنه سيتعامل مع الملفات الأخرى فيما بعد.
وبصراحة فإن خطاب الأمير الجديد أعلن، ومنذ أول يوم، أن مهمة الشيخ مشعل الأحمد الأولى ستكون فتح النيران على كل الجبهات، على كلا المجلسين معاً ومعهما على مراكز قوى واستقطاب في الأسرة الحاكمة مثل أحمد الفهد وعذبي الفهد وربما أحمد النواف وآخرين أيضا.
هل سيقتدي الشيخ مشعل الأحمد بولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان وآخرين وينهي مراكز القوى التقليدية في الهياكل الإدارية والسياسية والأمنية والعسكرية في الكويت؟
وبإشارته إلى موضوع العفو وتداعياته التي وصفها بأنها أضرّت بمصالح البلاد فقد يتخذ الأمير إجراءات تعيد من عفا عنهم نواف الأحمد إلى وراء القضبان.
والحق أن الأمير الراحل لم يعفو عن المعنيين بل مراكز قوى بعينها هي من فعلت ذلك وأصدرت المرسوم باسم الأمير، وهو لا يعلم به ربما إذ كان في حالة صحية حرجة حيث كان في غرفة الإنعاش وقت صدوره. وقد يُعلن عن تزوير توقيع الأمير الراحل على مرسوم العفو، وأتوقع ذلك لوجود ما يؤكده بالفعل.

وفضلاً عن إجراءات تخصّ قضايا كبيرة تعرّض لها في خطابه فإننا أعتقد أن مشعل الأحمد سيعيد ترتيب بيت الحكم، وسيعمل على تنظيم أوضاع الأسرة الحاكمة، وسيقصقص بعض أجنحتها الزائدة وسيقطع أصابع ذوي المخالب المتمردة، وسيعمل، كما فعل ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان وآخرين، على إنهاء مراكز القوى التقليدية في الهياكل الإدارية والسياسية والأمنية والعسكرية في الكويت.
وقد يذهب أبعد من ذلك ليكرّس الحكم في أولاده من بعده، وهو ما سيحصل في أكثر من بلدٍ خليجي بالمناسبة.
ومما يؤكد حالة الانفصال عن الواقع والرغبة بتجنب تبعات ما حدث في الماضي بادر أعضاء مجلس الأمة، مساء الخميس 21/12/2023، إلى إصدار بيانٍ تنصّلوا فيه من أية إجراءات حدثت في عهد الأمير الراحل، وأكدوا أنهم قاموا بواجبهم لمصلحة البلاد، في محاولة لإلقاء تبعات تدهور الأوضاع على مجلس الوزراء وحده.
لكن هذا البيان لن يشفع للنواب المقصودين، ولن يَعفِهم من تقاسم المغارم بعد مرحلة شهدت تقاسم المغانم وتبادل المصالح وتحقيق المنافع بينهم وبين أطراف حاكمة وأخرى متاجرة.
ويبدو أنه جاء وقت الكشف عن "النواب القبّيضة" ممن أثروا على حساب ما يدفعون إليه من قرارات، أو شراء سكوتهم.
حسن تعامل الأمير الجديد مع الملفات الساخنة هو وحده من يؤجل انفجار البركان وربما يُخمد نيرانه إلى مدى طويل، أو العكس.
فضلاً عن ذلك، فالذي يتابع ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية يجد تطوراً مهماً جديراً بالاهتمام وغير معهودٍ قبلا، وهو محاولات جهاتٍ بعينها تسمية ولي عهدّ جديد، سواء بإيحاءٍ من الشيخ مشعل نفسه (لصالح ابنه أحمد) أو فرض آخر خارج رغبته (لصالح آخرين)، وذلك عبر حملات ترويجٍ على وسائل التواصل وفي الديوانيات، التي تعدّ إحدى أهم مؤشرات الحياة السياسية والاجتماعية في الكويت.
ولا شكّ أن كل هذا يؤكد تقييمنا الذي أفصح عنه الكاتب قبل نحو أسبوعين ومفاده أن "الكويت على فوهة بركان داخلي وخارجي عظيم"، وهو ما اعترف به الأمير الجديد في أول أيام حكمه.
وأرى أن حسن تعامل الأمير الجديد مع هذه الملفات وغيرها هو وحده من يؤجل انفجار البركان وربما يُخمد نيرانه إلى مدى طويل، أو العكس.
فهل الكويت مقبلة على مرحلة تطهيرٍ يوقد نيرانها اللازمة مشعل الأحمد ولو بهدوء وتلقائية عُرِف بها الأمير الحالي، مع الإشارة إلى أن مهمته لن تكون سهلة بل صعبة ومحفوفة بالمخاطر والمعوّقات، خصوصاً مع الأخذ بنظر الاعتبار أن المعارضة تشتدّ من داخل الأسرة الحاكمة وخارجها، وهناك من يروّج لها في أوساط الشباب بالذات، وأوضاع الكويت تقبل مثل هذا الترويج؟!
أم أن نيران البركان ستواصل الغليان تحت القشرة المتهرئة وصولاً إلى الانفجار الكبير الذي لن يكون أمام أحد فرصةً لتجنّبه أو النجاة من آثاره المدمرة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الظروف الحالية الداخلية منها والخارجية لا تشبه بأي حالٍ من الأحوال ظروف آب/ أغسطس 1990 والسعودية بالذات لن تخوض حرباً دفاعاً عن أحد بعد التجربة المريرة التي خاضتها في اليمن؟!
الأيام وحدها من سيجيب على هذه الأسئلة.