الإثنين 28 / سبتمبر / 2026

قصة الذهب المصري من التنقيب إلى التهريب

الأحد 4 فبراير, 2024 10:52
 "حينما يظهر حجر المرو، نفاجأ بعصابات مسلحة تهاجمنا ليلاً وتجبرنا على ترك الموقع، وكذلك شركات وهمية تدّعي ملكيتها للمواقع يأتون برفقة أفراد مسلحين ويشهرون أسلحتهم في وجوهنا. تحدث مواجهات وتسقط أرواح وتُرمى جثثهم في أراضي الجبل من دون دفن"...

لم يجد إبراهيم (اسم مستعار)، وهو شاب في العقد الثاني من عمره بديلاً عن خوض تلك المغامرة المحفوفة بالموت، فضيق الحال ومهمة البحث عن لقمة العيش تطاردانه، ولا مناص أمامه سوى العيش بين ثنايا الجبال الشاهقة بمنطقة المثلث الذهبي في صحراء مصر الشرقية بحثاً عن الذهب.

لم يكن ذلك الشاب العشريني ذو الشعر الكثيف المُغطى بالغبار، يتخيل يوماً أنه سيُمسك بين يديه قطعة من الذهب الخالص المستخرج لتوّه من عروق بين شقوق الجبال، ليكون بذلك الطرف الأول في سلسلة تبدأ به، لتمر بمن يصقلون تلك القطعة وصولاً إلى من يهربونها لاحقاً خارج البلاد. وبين حلقات السلسلة، تغلف قطعة الذهب تلك مخاوف شاب كان يحمل في قلبه أحلاماً بيضاء تخشى أن تتلوث يوماً بدمائه حال انهيار الجبل فوق رأسه وهو يبحث عن قوت يومه بمهنة التنقيب عن الذهب.

وعلى مدى ثمانية أشهر، من التواصل والترجل بين تلال المثلث الذهبي (محافظة البحر الأحمر الحدودية جنوب مصر)، بعد تعهد الحفاظ على سرية البيانات وعدم الإفصاح عن الهُويات، تكشف "اندبندنت عربية" في تحقيق استقصائي ما يحدث داخل مناجم الذهب الرسمية وغير الرسمية بصحراء مصر الشرقية، حيث عمليات تهريب للخارج، وتحكّم لأشخاص بعينهم في سوق وتعاملات الذهب، وغش في عياراته بحثاً عن الثراء السريع، مما يهدر ملايين الدولارات على خزانتها.

تنقيب غير شرعي: استكشاف وتفجير وطحن

بدأت الرحلة، التي استغرقت 14 ساعة من القاهرة إلى مدينة القصير، وفي الأخيرة انتظرنا حلول منتصف الليل للتحرك إلى مواقع مناجم الذهب التي يسيطر عليها "الدهابة" (وصف يُطلق على من ينقبون عن الذهب).

على مرمى البصر طرق مُظلمة يلفها الخوف من شدة الظلام. وفي هذا العالم تسود قوانين "الدهابة"، إذ يحظر إضاءة مصابيح السيارات رغم الظلمة، فإضاءتها تعني أن خطراً يهدد "الدهابة"، الأمر الذي يُترجم إلى "إخبارية" تصل إلى بقية السيارات حتى تغيّر مسارها.

في الخامسة صباحاً، وبعدما تخطينا أكثر من 90 كيلومتراً من القيادة الشاقة، وصلنا إلى واحد من المواقع المختارة في قلب منطقة المثلث الذهبي، بالقرب من منطقة القصير، (لم نحدد المواقع التي ذهبنا إليها بناءً على طلب الدهابة)، حيث مشاهد خلابة لصخور الجبال المتشابكة، بعدما كادت السيارة أن تنقلب في كل منعطف، بخاصة أننا سلكنا الطريق نحو النقطة الأعلى في الجبل. ومع الدخول في شبكة الطرق الجبلية الوعرة، انقطعت شبكة الهاتف المحمول، فأصبحنا معزولين عن العالم الخارجي.

فجراً، يستيقظ العمال في المنجم، استعداداً لبداية يومهم الشاق. وداخل خيمة متهالكة شيّدوها بأنفسهم من أقمشة ثقيلة لتقيهم شمس النهار الحارقة يتناولون وجبة إفطار فقيرة: كِسرات من الخبز، وعلبة فول، تصل إليهم بشكل أسبوعي، يتبعها كوب من الشاي "الحِبر" الكثيف والخالي من السكر، أو ربما فنجان من القهوة العربية.

على قمة الجبل، توجد معدات ثقيلة ضخمة: بلدوزر يحطّم الصخور، وجرافات تشق طريقها بشدة، وعربات نقل ذات حجم هائل. ومولدات كهرباء تعمل بالطاقة الشمسية، ويمتد الموقع الشاسع ليضم نحو 40 عاملاً.

تمر عمليات التنقيب عن الذهب بثلاث مراحل تبدأ باستكشاف الموقع، والتأكد من وجود عروق الذهب من خلال تتبع "العنج الفرعوني" (الأثر الذي تتبعه الفراعنة في تحديد مسار عروق الذهب ولا يزال موجوداً)، ثم تحطيم الجبل، إما بالتكسير وإما التفجير، لاستخراج حجر "المرو" (كتل حجرية تحتوي داخلها على معدن الذهب)، والمرحلة الأخيرة نقل هذه الأحجار لطحنها داخل طواحين مخصصة لاستخلاص الذهب.

تمر عمليات التنقيب غير الشرعي بـ 3 مراحل: استكشاف الموقع والتأكد من وجود عروق الذهب، تحطيم الجبل بالتكسير أو التفجير، لاستخراج حجر "المرو"... وأخيراً طحنه لاستخلاص الذهب

يقول إبراهيم (اسم مستعار)، وهو شاب في العقد الثاني من عمره، بينما يجهّز معدات العمل "الجبل ممكن يقع علينا ونحن نشتغل (نعمل) بسبب التفجير والتكسير، لكن ما عندنا (ليس لدينا) حل غير أن نواجهه. إذا نجونا من هذا الموت يجب أن نتعامل مع مخاطر أخرى".

وحول هذه المخاطر الأخرى، يوضح: "حينما يظهر حجر المرو نفاجأ بعصابات مسلحة تهاجمنا ليلاً، وتجبرنا على ترك الموقع، وكذلك شركات وهمية تدّعي ملكيتها للمواقع يأتون برفقة أفراد مسلحين، ويشهرون أسلحتهم في وجوهنا، مدّعين أن هذه المناجم خاصتهم. هنا تسقط أرواح شباب في مواجهات مع تلك العصابات، بخاصة العمال السودانيون الذين يُقتلون وترمى جثثهم في أراضي الجبل من دون دفن".

"توجد أماكن مملوءة بالذهب لا تعلم الدولة عنها شيئاً تحت سيطرة بعض الأفراد، وتُستغل لصالح شخصيات نعلمها جميعاً، لكننا لا نستطيع الكشف عن أسمائهم تجنباً للوقوع في مشكلات قد تهدد حياتنا. مناجم الذهب يُستخرج منها كميات هائلة، لكنها تختفي في جيوب شخصيات بعينها"، يقول إبراهيم.

وتنص المادة 42 من القانون رقم 145 لسنة 2019 على أنه "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبالغرامة التي لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تزيد على 5 ملايين جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخرج خاماً من خامات المناجم من دون ترخيص".

مع ذلك، لم يحدّ القانون أو يمنع عمليات التنقيب غير الشرعية عن الذهب، إذ حصرت "اندبندنت عربية" نحو 43 محضر شرطة خلال الفترة بين عامي 2018 و2023، لأشخاص ضُبطوا وبحوزتهم إما أطنان من حجر المرو الذي يحتوي على الذهب، وإما سبائك ذهبية غير مدموغة بمصلحة الدمغة، وإما كمية من الذهب المهرّب من مصر.

ومنذ عام 2020، نظمت الحكومة المصرية مناقصات عالمية لاستغلال مناطق التنقيب عن الذهب، وفازت 11 شركة بين محلية ودولية بمناقصة عالمية لاستكشاف وتنقيب الذهب، في حين طُرحت مناقصة أخرى العام الماضي لخمس مناطق، وأرجئ موعد الإغلاق 4 مرات متتالية، بسبب الإقبال الضعيف من الشركات العالمية، وستُغلق المناقصة وفق وزارة البترول فبراير (شباط) المقبل.

صراع في الجبل من أجل الذهب

في طريقنا إلى موقع آخر، يبعد عن الأول نحو 80 كيلومتراً، كانت العلامات الغامضة تحاصرنا عند نهاية كل طريق: إطارات سيارات ضخمة محترقة جزئياً، شجرة صغيرة وُضعت وثُبتت بحصى كثيفة، إشارة إلى سرية المنطقة. مع دليل واضح للمدقات (طريق داخلي غير ممهد يسلكه الدهابة في وسط الصحراء، هم فقط من يستطيعون السير فيه) يعبر عن اضطرار المنقبين، في بعض الأحيان، للسير مسافة تصل إلى 20 كيلومتراً في وسط الصحراء الوعرة.

في الموقع الثاني، شقّ "الدهابة" الجبل نحو نهاية "العِرق"، ما يؤشر إلى وجود الذهب على سطح الحجر. وبالحديث مع العاملين أكدوا أنه "موقع فرعوني" اكتشفه الإنجليز ونهبوه. لكن لعدم وجود معدات ثقيلة وحديثة آنذاك فإنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى باقي "العروق"، ونحن كسكان أصليين للمنطقة وصلنا إلى باقي "العروق" لمعرفتنا بالطبيعة الجغرافية للمنطقة.

بجوار مغارة يختبئون داخلها في حال الخطر، تحدّث إلينا رجل يدعى الشيخ، في أواخر الأربعينيات من عمره، قائلاً إن هدفهم ليس العمل ضد الدولة، بل إنهم يسعون للتعاون معها بشكل رسمي وتقديم حصتها المستحقة. ومع ذلك، يُشير إلى أن ما يحدث على أرض الواقع هو العكس تماماً، إذ "يتورّط بعض اللصوص لصالح أشخاص ذوي نفوذ، ويتصارعون مع المنقبين أو يستولون على حصيلة البحث والاستكشاف". مؤكداً وجود "شركات وهمية في منطقة المثلث الذهبي يديرها أفراد معروفون بتاريخهم في تمويل البلطجية بأسلحة".

ويتساءل الشيخ: "كيف حصل هؤلاء على أجهزة "الشيشنة" (جهاز لتحديد عيار الذهب غير مصرّح للأفراد بحيازته من دون ترخيص من مصلحة الموازين والدمغة)"، مؤكداً أن كميات الذهب المستخرج من مواقع الذهب بداية من قنا وقفط والقصير وسفاجا ومرسى علم وشلاتين تجمّع وتباع لتجار ذهب معروفين بمنطقة الصاغة.

تشكل العصابات المسلحة خطراً على شركات التنقيب صاحبة حق الامتياز و"الدهابة" فريستهم السهلة والحكومة المصرية: التأمين مسؤولية الشركات

لم تنجُ أيضاً الشركات الأجنبية التي لها حق امتياز بمنطقة المثلث الذهبي من البلطجية والعصابات المسلحة، ورغم وجود شركات كبيرة لتأمينها فإننا حصلنا على خطاب من شركة "آخ جولد" Akh Gold عام 2020، التابعة لمجموعة "لامنشا"، التي تمتلكها الشخصية البارزة في عالم الأعمال المصري نجيب ساويرس، إذ تمتلك الشركة حصة 35.05 في مصر، ولديها حق امتياز. والخطاب كان موجهاً في صيغة شكوى إلى وزير البترول المصري طارق الملا، بسبب عصابات البلطجية الذين يُهددون العمال، ما اضطرت معه الشركة إلى وقف أعمالها شهرين.

"آخ جولد" في شكواها أشارت إلى أن البلطجية المسلحين يشكلون تهديداً خطراً على جميع الشركات الأجنبية صاحبة حق الامتياز في منطقة المثلث الذهبي. ومع ذلك، نفت هيئة الثروة المعدنية مسؤوليتها عن حماية الشركات بمجرد الحصول على أراضيها، إذ تعتبر الهيئة أن مسؤولية الحماية تقع على عاتق الشركة ذاتها، بالتالي لا تستطيع تقديم أي دعم في هذا الصدد.

"الهدف من إنشاء المثلث الذهبي هو زيادة عائدات استخراج الذهب من 6 مليارات دولار إلى 8 مليارات سنوياً، لكن حتى الآن ما تحقق لا يمثل 0.5%". بتلك الكلمات حاول وكيل لجنة الطاقة بمجلس النواب محمد الجبلاوي، تفسير تنظيم هذه المناقصات. مشيراً إلى أن موظفي هيئة الثروة المعدنية يعانون "قيوداً حكومية، ولا يستطيعون التحرّك إلا من خلالها".

ما ذهب إليه الجبلاوي يؤكده رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين والموارد الطبيعية حسن بخيت، إذ يرى أن "التنقيب التقليدي العشوائي كبّد الدولة خسائر كبيرة، بخاصة أن المنطقة الجغرافية التي تسمّى بالمثلث الذهبي، تحتوى على مواد تعدينية كثيرة". مرجعاً سبب عدم استفادة الدولة من هذه المنطقة إلى "اختيار الشركات العديمة الخبرة في البحث والاستكشاف، التي ليس لها ملاءة فنية ومادية وغير مؤهلة للتعدين".

وطالب بخيت بـ"مراجعة هذه الشركات من خلال لجنة فنية واختيار شركات لديها سابقة أعمال في مجال التعدين". مؤكداً أن الاشتراطات التي تضعها الدولة من خلال المزايدات التي تطرحها للبحث عن الذهب "غير محفّزة للشركات الرائدة في مجال التعدين".

علامات الاستفهام تحيط بـ"أس أم دبليو"

الولوج إلى عالم هؤلاء المنقبين والباحثين عن الذهب في تلك المنطقة الجغرافية المهمة كان أولى خطواتنا في مسيرة طويلة للكشف عن تلك العصابات، وأيضاً الشركات الأجنبية التي تستولي على الذهب ولا تلتزم حدود مناطق امتيازها، وهذا ما شاهدناه:

أثناء وجودنا بمواقع التنقيب رصدت "اندبندنت عربية" سيارة من طراز "لاند روفر" مميزة بعلم أصفر، تتبعنا السيارة من بعيد، وبالاستفسار من أحد الحراس عنها، أجاب: "السيارة خاصة بشركة روسية تحمل اسم (أس أم دبليو)".

حاولت معدة التحقيق التحدّث إلى مسؤول الشركة، الذي يُفترض أنه لبناني الجنسية ويدعى (بولو)، لكنه رفض. وتحدّث معنا أحد حراس الموقع الذي استقرت السيارة أمامه، معللاً ذلك بأن "وجودي هنا يشكل خطراً". موجهاً إلينا نصيحة: "لا تعودوا إلى هنا مرة أخرى، الجبل فيه ناس كتيرة عِفشة (سيئة)، وأقل واحد هنا يواجه حكماً بالمؤبد بعدما قتل اثنين أو ثلاثة أشخاص".

يرى مراقبون أن الاشتراطات التي تضعها مصر في مزايدات البحث عن الذهب "غير محفّزة" والشركات الحالية عديمة الخبرة في البحث والاستكشاف

وبالتقصي عن الشركة ومدى مشروعية وجودها في الموقع، وجدنا أن رحلة التنقيب الخاصة بها انطلقت عام 2007 بمنجم الفواخير، وهو منجم فرعوني جرى تأميمه بعد ثورة 1952. ورغم إغلاقه في ذلك الوقت استأنفت الشركة العمل فيه بعدما حصلت على حق امتيازه. ومؤخراً دخلت الشركة في قضايا دولية مع مصر، لتتنازل في النهاية عنها عام 2020 لصالح الحكومة المصرية.

وبالبحث عن الشركات التي حصلت على حق التنقيب خلال العامين الماضيين، لوحظ غياب أية معلومات تشير إلى أن شركة "أس أم دبليو" فازت بأية مزايدات، ما يتناقض مع ما رصدناه بأن الشركة تنقّب في منطقتي الفواخير وأم بلد، اللتين تبعدان نحو 40 كيلومتراً عن مكان وجودها، ما يُثير تساؤلات عن طبيعة عمل الشركة في تلك المناطق.

وكانت "اندبندنت عربية" موجودة في الموقع يومي الـ 22 والـ 25 من (حزيران) يونيو 2023. وبعد مرور شهر تقريباً تبين أن الشركة توقفت عن العمل في الموقع، رغم أن معداتها لا تزال موجودة حتى وقت نشر التحقيق.

تواصلت "اندبندنت عربية" مع رئيس هيئة الثروة المعدنية المهندس ياسر رمضان، للاستفسار عن الشركة، وهل من أساس لوجودها في الموقع؟ لكنه طلب التواصل مع وزير البترول المصري طارق الملا، قائلاً: "غير مصرّح لي بإدلاء أي تصريحات صحافية". حاولنا الاتصال بوزير البترول المصري لكنه لم يرد، فأرسلنا بريداً إلكترونياً للشركة على موقعها الرسمي، فلم ترد أيضاً.

منجم صلاح... 200 بئر بأيدي مصرية وسودانية

أثناء إعداد التحقيق، نشرت وزارة الداخلية المصرية في الأول من أغسطس (آب) 2023 خبراً فحواه القبض على شخصين يحملان 53 كيلوغراماً من الذهب غير المدموغ في أسوان (جنوب مصر)، كان المتهمان في طريقهما إلى أحد التجار بمنطقة الصاغة بالجمالية في وسط القاهرة لبيعه.

انطلقنا في استكمال رحلتنا من المثلث الذهبي بالصحراء الشرقية إلى أقصى الجنوب (من أسوان حتى شلاتين جنوب مرسى علم)، وكان الخبر المنشور على موقع وزارة الداخلية المصرية بداية الخيط لاستكمال تتبع حلقات سلسلة سرقة مناجم الذهب بمناطق الدرع النوبي، التي تعدّ أغنى الأماكن الموجود بها عروق الذهب الخام، وفق وزارة البترول المصرية.

قادنا البحث إلى شخص يعيش في محافظة أسوان جنوب صعيد مصر، ويعمل بمنطقة شلاتين (على بعد نحو 255 كيلومتراً جنوب مرسى علم). وبعد أسبوع من التواصل الهاتفي أكد الرجل الذي يعمل في منجم يدعى "منجم صلاح"، وجود نحو 15 ألف شخص في هذا المنجم بين مصريين وسودانيين.

بتتبع المنطقة من خلال الخريطة الحدودية لمصر، تبين أنها تتبع إدارياً مدينة شلاتين، التي تقع بالقرب من محمية وادي الجمال. وفي الـ 15 من يوليو (تموز) الماضي، وصلت "اندبندنت عربية" إلى منطقة قريبة من "منجم صلاح"، للوقوف على حقيقته ومشروعية عمله.

غير أن الدليل المرافق لنا قال إن القوات المسلحة المصرية تجري مسحاً وتمشيطاً في المنطقة منذ الثالثة فجراً، مما كان أثره جلياً على وجه السائق الذي بدت عليه علامات الارتباك، رغم تأكيده معرفته بكل المدقات والطرق، وخبرته في العمل مع "الدهابة"، سواء كانوا مصريين أم سودانيين، خلال السنوات الثلاث الماضية. وأجرى مرافقنا بعض الاتصالات، بعدها طُلِبَ منا الرجوع من حيث أتينا: "الجيش مش بيهزر (لا يهرج)".

"منجم صلاح"... 15 ألف عامل بين مصريين وسودانيين حفروا 200 بئر بحثاً عن الذهب وصاحبه لديه شركة في مدينة شلاتين تعمل من الباطن وذوو نفوذ يتقاسمون معه الذهب المستخرج

على مدى ثلاث ساعات متواصلة، ووسط عدم استقرار شبكة الاتصالات، أجرى الدليل عديداً من المكالمات الهاتفية لمعرفة ما يحدث في المنجم. إلا أنه في النهاية طلب منا المغادرة، مشيراً إلى أن أخباراً متداولة حول اعتقال أعداد كبيرة من السودانيين، إضافة إلى مصريين. فما كان من الدليل إلا أنه هاتف شخصاً آخر ليرافقنا إلى أسوان. وفي مساء اليوم التالي أرسل الدليل مقاطع فيديو توثق الانتشار الأمني المكثف بمحيط المنجم.

"زنجي" أحد الأشخاص الذين تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، يقول: "اكتُشف المنجم عام 2017 على يد صلاح جمعة (33 سنة)، وهو رجل من قبيلة البشارية، بعدما جمع عدداً من السودانيين الذين يعيشون في شلاتين، وحفروا آباراً تصل إلى 180 متراً في باطن الأرض للوصول إلى عروق الذهب".

ويبعد "منجم صلاح" نحو 45 كيلومتراً عن موقع شركة شلاتين للثروة المعدنية، ويتميز بنسبة عالية من الذهب. ويؤكد "زنجي" وجود نحو 10 آلاف شخص يعملون لحساب صلاح جمعة، و5 آلاف شخص آخر يعملون بنظام "الكومادية" (أي لصالح أنفسهم أو آخرين) مع مساحة المنجم التي قد تصل إلى 100 كيلومتر مربع.

تحدّثت "اندبندنت عربية" هاتفياً إلى شخص سوداني من قبيلة البشارية، الذي أكد أن "الآبار التي حُفرت في المنجم حتى الآن تصل إلى 200 بئر". مشيراً إلى أن "صلاح، صاحب المنجم، لديه شركة في مدينة شلاتين، لكنها تعمل من الباطن، ويشارك فيها بعض الشركاء ذوي النفوذ الذين يتقاسمون معه الذهب المستخرج". متسائلاً: "كيف يمكن لشخص يدير هذا الكم من المعدات والحفارات والرافعات، ويتحكّم في نحو 10 آلاف شخص، ولديه مكتب ومحاسبون وعمال، وحراسة داخل الموقع، أن يظل بعيداً من الأعين حتى الآن؟".

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram