

وبناء على ذلك يمكن القول بأن كل أسباب الموت باتت متوفرة، حيث الحرب وشح الطعام والمياه والدواء، وغيرها من أساسيات الحياة، إلى درجة أن بعثة لمنظمة الصحة العالمية وجدت أن عشرة أطفال قد ماتوا جوعا، في اثنين من مستشفيات غزة قبل أسبوعين.
كما أن الصليب الأحمر في القطاع أكّد أن ما يتم إسقاطه من المساعدات جوا لا يُسهم إلا بالنزر اليسير من حاجة مئات آلاف من السكان وأنه حل غير مستدام. وهذا التفاقم في المأساة يبدو أنه قد ضغط بشكل غير مسبوق على أقرب حلفاء (إسرائيل)، فدفعهم للجهر بالقول بأن الوضع في القطاع لا يمكن السكوت عليه. وها هو رئيس الوزراء البريطاني يتحدث أمام برلمان بلاده قائلا (إننا نواجه حالة من المعاناة المروّعة في غزة. لا يمكن أن يكون هناك شك في ذلك، فالناس يموتون من الجوع ويموتون من أمراض كان من الممكن الوقاية منها. إن (إسرائيل) هي القوة المُحتلة وهي المسؤولة، وتترتب على ذلك عواقب بما فيها الطريقة التي ننظر فيها إلى ما إذا كانت إسرائيل ملتزمة بالقانون الإنساني الدولي)، ويختتم كلامه بالقول، إن الصبر على إسرائيل قد بدء ينفد. أما بايدن فقال خلال خطاب حالة الاتحاد في الكونغرس الأميركي (إن المساعدات الإنسانية لا يمكن أن تكون اعتبارا ثانويا أو ورقة تفاوض. إن حماية وإنقاذ الأرواح البريئة، يجب أن تكون أولوية). كما نقل المتحدث باسم الأمن القومي الامريكي جون كيربي عن الرئيس الأمريكي جو بايدن قوله، بأن الوقت قد حان كي تقوم (إسرائيل) بفتح مزيد من المعابر وتسمح بدخول المساعدات بكميات أكبر.
صانع القرار في (إسرائيل) على قناعة تامة بأنه لا الولايات المتحدة ولا بريطانيا ولا غيرهما من الدول الغربية لديهم الإرادة السياسية التامة بإعلان، أنها تنتهك القانون الدولي الإنساني
وبعيدا عن الخوض في مدى مصداقية هذه الكلمات والمواقف الصادرة من أقرب حلفاء العدو (الإسرائيلي) وداعميه ومُموليه ومُسلحيه، فإن الماثل أمامنا انتقادات واضحة ومتزايدة من المجتمع الدولي لدولة الاحتلال، وضغوط بيّنة للسماح بإدخال المساعدات الإغاثية إلى القطاع على وجه السرعة. كما أنها تعبير عن الحرج من قبل حلفاء (إسرائيل)، بسبب سياسة التجويع والحصار والقتل العشوائي للمدنيين، وإصرار العدو على عدم الإنصات إلى أية نصيحة أو مشورة من الأصدقاء، أو إلى أي جهد دبلوماسي مبذول منذ شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي وحتى اليوم. لذلك ما قاله وزير الخارجية البريطاني والرئيس جو بايدن أمر مُرحّب به، ولكن في الوقت نفسه هذه تعليقات ضعيفة للغاية، ولا ترقى إلى مستوى الذعر الذي يعانيه الفلسطينيون بسبب أهوال ماكنة الحرب (الإسرائيلية). فهذه الأقوال والتصريحات والتحذيرات ينبغي أن تترافق لا بالكلام وحسب، بل بالأفعال. أفعال ملموسة تؤمن دخول المساعدات الإنسانية بشكل طبيعي إلى داخل القطاع، عبر رفع الحصار البحري وإعادة تمويل الأونوروا بشكل كامل، والعمل على وقف الإجراءات (الإسرائيلية) وجرائم الحرب التي ترتكبها. السؤال المهم الآن هو، هل الامتعاض الدولي الذي نسمعه من آلة الحرب (الإسرائيلية)، هو بداية لممارسة ضغوط حقيقية على (إسرائيل)؟
بالنسبة لبريطانيا، على سبيل المثال، فإن طبيعة الحوار الذي يدور بينها وبين حليفتها (إسرائيل) هو مجهول للرأي العام. ولكن يبدو أن الحكومة البريطانية، تشعر بمدى امتعاض واشمئزاز الرأي العام الداخلي بغيابها عن الساحة الدولية، وابتعادها عن المُثل التي تتغنى بها في مقاربتها بالاستناد إلى القانون الدولي، واحترام قرارات محكمة العدل الدولية. وكل هذه الشؤون وضعتها الحكومة البريطانية على حدة وغيّبتها. بالتالي هذا الفعل هو تغييب لرؤية معظم الشعب البريطاني، وهذا هو السبب الفاعل في التحوّل المحدود في الخطاب السياسي الذي نسمعه في سياسة المملكة المتحدة. وإذا ما أردنا أن نكون متشائمين فلربما كل ما تم تحقيقه، هو أن السلطات (الإسرائيلية) قد استمعت خلف الأبواب المغلقة عن ما قاله كاميرون في تصريحاته العلنية لا أكثر، وما يقال عن الموقف بين (إسرائيل) وبريطانيا يمكن أن يقال عن الموقف بين الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا. فواشنطن تحاول من خلال هذه التصريحات إمساك العصا من الوسط، وهي حريصة على عدم تدمير العلاقة مع نتنياهو، على الرغم من أنها متوترة أصلا. وأن بايدن يستخدم هذه التصريحات كوسيلة يخاطب بها الرأي العام العربي والإسلامي، ويظهر من خلالها بأنه جدي ويرغب في حل المأساة الإنسانية في غزة. في حين أن الولايات المتحدة لم تقدم أي مشروع إنساني حقيقي يخدم الشعب الفلسطيني، بل هي متورطة بالعدوان عليه. وإذا كان البعض يرى في إعلان جو بايدن عن إنشاء ميناء مؤقت في غزة يكون مدخلا للمساعدات الإنسانية، يراه خطوة إيجابية وصادقة، فالحقيقة أنها قد جاءت متأخرة جدا. كما يبدو أن هذا المسار يأتي من ضمن خطوات تحاول من خلالها الإدارة الاميركية، أن تظهر في هيئة غير الضالعة في حرب التجويع القائمة في غزة، بالإضافة الى أنها تحاول التنصل من الناحية الشكلية من مسؤوليتها عما جرى ويجري.
لا شك في أن (إسرائيل) تستخدم ملف المساعدات الإنسانية لغزة للضغط على حركة حماس، سواء من أجل الوصول إلى صفقة تقبل فيها الحركة بالشروط (الإسرائيلية) وإعلان الهزيمة وهذا مُحال، أو حتى محاولة تجريد الحركة من حاضنتها الشعبية وجعلها بالضد منها وهو أيضا غير ممكن. واستمرارها في هذا السلوك دليل واضح على اطمئنانها التام من أن أيا من حلفائها الدوليين لا يمكن أن يقرن الأقوال والتصريحات السياسية بالأفعال. أي أن صانع القرار في (إسرائيل) على قناعة تامة بأنه لا الولايات المتحدة ولا بريطانيا ولا غيرها من الدول الغربية لديهم الإرادة السياسية التامة بإعلان، أن (إسرائيل) تنتهك القانون الدولي الإنساني، من خلال عدم السماح بإدخال المساعدات إلى غزة. فجميع الحلفاء قدموا ل(إسرائيل) الغطاء السياسي والدبلوماسي لهذا البرنامج، وهذا التدمير المنهجي الكامل لغزة وتجويع السكان فيها. إن حلفاء (إسرائيل) الدوليين لا يريدون تغيير استراتيجياتهم تجاهها، وأنهم حتى اليوم يرفضون وقف إطلاق نار دائم ومستدام. وفي هذا الصدد قال جو بايدن قبل أيام قليلة، إن (إسرائيل) لديها الحق بالقتال ضد حماس حتى النهاية. والنهاية هنا معناها القضاء على حماس وانتصار (إسرائيل).. وإن جل ما يريده الحلفاء الدوليين هو أن تغيّر (إسرائيل) من طبيعة الحرب، من حرب برية شاملة إلى عمليات جراحية تستهدف قيادات المقاومة، وبذلك تكون كل التصريحات الغربية ضد (إسرائيل) مجرد احتيال سياسي، يوهمون به الداخل والخارج بأنهم مهتمين بمعاناة الفلسطينيين، بينما استراتيجياتهم ما تزال هي هي. وإذا اعتقد البعض بأن فكرة الميناء البحري التي طرحها بايدن بأنها تحوّل في الموقف الأمريكي فهو واهم، لان (إسرائيل) هي من طرحت هذه الفكرة منذ بداية الحرب، وقالت بأنها يمكن أن تكون بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهذا دليل على أن الحلفاء الغربيين ينسقون مع إسرائيل في كل تفاصيل الحرب.
نشر المقال هنا