الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

قرار مجلس النواب الأميركي ضد إيران، هل سيزيل النظام فعلاً؟

هل هناك تشويشٌ مقصودٌ لإيهام العرب بقرب إزاحة الولي الفقيه؟! ولماذا؟!

مصطفى كامل
الثلاثاء 4 مايو, 2021 08:13
يتوهّم الولي الفقيه أنه يفاوض مزوّداً بكثير من الأسلحة.
يتوهّم الولي الفقيه أنه يفاوض مزوّداً بكثير من الأسلحة.
 منذ أيام وكثير من العراقيين والعرب مشغولون بما يقولون إنه قرار أميركي لإسقاط النظام الايراني.

شخصياً تلقيت عشرات الرسائل المتسائلة حول هذا الموضوع أو المستبشرة به، وبعض المستبشرين بلغ به الأمل حداً غير متوقع، فتصوَّر أن النظام الايراني سيسقط خلال أيام قلائل أو ربما أسابيع، وعليه فإنه ينبغي علينا، كعراقيين، أن نتوقع عودة العراق لأهله خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وربما زاد بعضهم من سقف توقعاته فأكد قرب وقوع حرب لإزاحة نظام الولي الفقيه إذا لزم الأمر!

وشبّه بعض الذين يسمّون أنفسهم محللين سياسيين هذا القرار بقانون "تحرير العراق" الذي اتخذته إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون عام 1998 والذي كان الأساس الذي استندت عليه إدارة الجمهوري جورج بوش الصغير لغزو العراق عام 2003.

لا يمكن مقارنة موضع نظام طهران في الاستراتيجيات الأميركية بموضع العراق قبل احتلاله في تلك الاستراتيجيات.

بدءاً أقول بكل ثقة إن كل الذين استمتعتم إليهم يتحدثون في هذا الخصوص، عبر وسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواعها أو قرأتم لهم في بعض وسائل الاعلام الخليجية، كلهم بدون استثناء ينطبق عليهم القول يهرفون بما لا يعرفون، وأفضلهم يتحدث انطلاقاً من أمنياته، وبعضهم من خيالاته، وكلهم لا ينطلقون من الواقع.

طرفان أساسيان ساهما في هذا التشويش:

الأول: بعض الذين يتحدثون في القضايا السياسية وهم بعيدون عن تفاصيلها، وما أكثرهم اليوم.

والثاني: بعض وسائل الاعلام العربية، وخصوصاً خليجية، التي تحرص على إلهاء الرأي العام وتخديرهِ فتُصوِّر له قربَ الخلاصِ من هذا النظام الارهابي العنصري التوسعي، وهم في الحقيقة يُخدِّرون من يتابعهم لأسباب عديدة في مقدمتها تمرير سياسات داخلية أو إقليمية ما.

هناك بالطبع طرفٌ آخر تناول هذا الموضوع بقدرٍ كبيرٍ من المبالغة، وهو طرف المعارضة الايرانية ممثلة بمنظمة مجاهدي خلق، لكن خطاب هذا الطرف لا يؤثّر فينا، كعربٍ، كثيراً، وحين أقول لا يؤثر فينا، فلأن خطاب هذا الطرف موجّه بالدرجة الأساس إلى الداخل الايراني، ويقع ضمن الصراع السياسي لـ "مجاهدي خلق" مع نظام ولاية الفقيه. مما يجعل ارتفاع نبرة الخطاب الإعلامي لهذا الطرف مفهوماً، لكننا، كعراقيين وكعرب، خارج مفردات هذا الصراع وخارج آلياته أيضاً.

لنأتي الآن إلى استعراض الموقف وتحليله:

أولاً: يجب أن ندرك أن هناك فرقٌ كبيرٌ بين القرار ومشروع القرار، وهناك فرقٌ بين القانون الملزِم والقرار غير الملزِم.

ثانياً: يجب أن نفهم آليات إصدار القرارات داخل المؤسسات التشريعية الأميركية، سواء الكونغرس بمجلسيه، أي النواب والشيوخ، أو البيت الأبيض ممثلاً بالرئيس.

ثالثاً: يجب أن نفهم طبيعة التوازنات الدولية والظروف السياسية التي نعيشها.

في المؤسسات الأميركية هناك فرقٌ كبيرٌ بين القانون الملزِم والقرار غير الملزِم، وحتى الآن لا يوجد قانون مُلزِم.

ولتحليل هذه المعطيات الثلاث نقول:

الجديد في الموضوع هو رسالة بعث بها اثنان من أعضاء مجلس النواب الأميركي هما الديمقراطي براد شيرمن، النائب من دائرة كاليفورنيا الانتخابية الثلاثين، والجمهوري توم مكلينتوك، من دائرة كاليفورنيا الرابعة، هذه الرسالة المشتركة وُجّهت إلى الرئيس جو بايدن حول دعمهما لـ"رغبة الشعب الإيراني في إيران ديمقراطية وعلمانية".

وجّه النائبان رسالة إلى الرئيس لدعم رغبة الإيرانيين في "إيران ديمقراطية وعلمانية".

هذه الرسالة تتحدث عن قرار صدر مؤخراً عن مجلس النواب قدّم مشروعه نواب أميركيون في شباط/ فبراير 2021، ولأننا نهدف إلى تنوير قرائنا، لا خداعهم كما يفعل آخرون، فقد ذهبنا إلى موقع الكونغرس الأميركي وقرأنا صيغة القرار وهنا رابط الوصول إليه لمن يرغب بالتأكد.

هذا القرار المكوَّن من تسع صفحات يستعرض جوانب من الأنشطة الإرهابية التي قام بها النظام الايراني ضد مواطنين داخل إيران وضد معارضين خارج إيران وداخل الولايات المتحدة وقمعه للمظاهرات المناهضة في الداخل وإعدامه لعدد من النشطاء المناهضين ومحاولة تفجير تجمع جماهيري أقامته منظمة مجاهدي خلق عام 2018 في باريس، وممارسات إرهابية أخرى كثيرة.

قُدّم مشروع القرار في شباط/ فبراير الماضي.

ويؤكد القرار على إدانة الهجمات الإرهابية السابقة والحالية التي ترعاها الدولة الإيرانية ضد الولايات المتحدة وضد مواطنين ومسؤولين ومعارضين إيرانيين، كما يدعو لمحاسبة إيران على خرق امتيازات معاهدة دولية تنظّم عمل البعثات الدبلوماسية في العالم، ويدعو الدول إلى منع الأنشطة الخبيثة لبعثات النظام الإيراني بهدف إغلاقها.

وأخيراً، وهذا هو الأهم، يدعو للوقوف إلى جانب الشعب الإيراني الذي يخطط لتنظيم احتجاجات مشروعة وسلمية ضد نظام جائر وفاسد. والاعتراف بحقوق الشعب الإيراني في نضاله لإقامة "دولة ديمقراطية علمانية وإيران غير نووية".

هذا هو مضمون القرار باختصارٍ شديدٍ، ولكن بوضوح.

نأتي الآن إلى آليات إصدار القرارات في الولايات المتحدة وما هو الموقف بشأن هذا الموضوع الآن؟

حتى الآن لا يوجد قانون ملزم، وانما هناك قرار تبنّاه مجلس النواب بواقع 225 صوتاً من كلا الحزبين.

بعد أن جرى تمرير القرار في مجلس النواب سيحال إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه، فإذا جرى تمريره في مجلس الشيوخ، ويحتاج إلى الأغلبية المطلقة، أي النصف زائد واحد، فسيرفع الى الرئيس للمصادقة عليه واذا لم يصادق عليه الرئيس فسيعاد الى مجلس الشيوخ.

وإلى هنا فالقرار غير ملزم حتى لو جرى تمريره في مجلسي النواب والشيوخ، ويعني أنه يبقى حبيس الأدراج حتى يحين أوانه، ولكي يتحوَّل إلى قانون ملزم بالضدِّ من نقض الرئيس يجب أن يصوّت عليه مجلس الشيوخ في المرة الثانية بأغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد.

هل القرار في صالح العرب وفي صالح المناهضين للنظام الارهابي في ايران؟ وقبل ذلك هل هو في صالح شعوب إيران التي تناضل ضد نظام الولي الفقيه؟

باعتقادي نعم ولكن!

أما عن التوازنات الدولية فنقول:

لبعض المشرّعين الأميركيين، علاقات ببعض جماعات الضغط، اللوبي، وخاصة لوبيات اليمين الصهيوني الذي يتخوَّف من احتمال اتفاق إدارة بايدن مع طهران على تعديلات طفيفة على خطة العمل الشاملة المبرمة عام 2015، ومجموعة الضغط الايرانية (منظمة جمعيات الإيرانيين الأميركان)، وبعض الجهات السياسية داخل وخارج الولايات المتحدة، ومنها منظمة مجاهدي خلق، والحزبان الجمهوري والديمقراطي يستخدمان هذه العلاقات في إطار التنافس بينهما من جهة وفي إطار حملات العلاقات العامة التي يطلقونها أو يخوضون فيها من جهة ثانية.

وتنشط هذه الحملات في ظروف سياسية داخلية أو دولية فيها قدر من الالتباس، وبالتأكيد فإنها تستخدم كثيراً في الضغط على هذه الجهة أو تلك، ويمكن اعتبار مشاريع القرارات هذه بمثابة أداة ضغط أثناء المفاوضات.

ولأنَّ الولايات المتحدة تخوض الآن مفاوضات مع ايران حول البرنامج النووي في العاصمة النمساوية فإن مثل هذه المشاريع وحملات العلاقات العامة تنشط، ويمكن أن تتزايد بشكل ملحوظ في إطار الضغوط التي تمارسها المؤسسة الأميركية على نظام طهران للخضوع للإرادة الدولية بشأن برنامجه النووي غير السلمي، وهي مفاوضات ظنَّ الولي الفقيه أنه يذهب إليها مزوّداً بكثير من الأسلحة المنظورة وغير المنظورة، لكنه ذهب إليها، في حقيقة الأمر، مضطراً ومثقلاً بتبعات الأزمة السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية الحادة التي يعاني منها، فيما هو يواجه الآن موقفاً غربياً موّحداً، وليس أميركياً فقط، يقضي بوضعه أمام خيارين: إما بالتفاوض على اتفاق جديد، أو أن تخرج إيران من كل الالتزامات وبالتالي تواجه موقفاً دولياً جديداً وتصعيدياً بالكامل.

في هذا الصدد، ما هو المتوقَّع من إدارة بايدن؟

حتى لو مُرِّر القرار في مجلس الشيوخ بأغلبية النصف زائد واحد، وهو احتمال ضعيفٌ لكنه واردٌ في إطار "سياسة الضغوط القصوى"، فليس من المتوقع أن يحظى بموافقة بايدن، لأنه يتناقض مع سياسته المعلنة تجاه إيران، وهي تقديم الوعود لها برفع العقوبات لإغرائها بالتخلي عن البرنامج النووي، حيث يبدو بايدن، إذا ما وافق على القرار، وكأنه هو من يصعّد ضد إيران في الوقت الذي يسعى فيه إلى إظهار أن نظام طهران هو من يقوم بالتصعيد، وهذه قضية لا ينبغي إغفالها.

يضاف إلى ذلك موضوع التنافس الصيني الروسي/ الأميركي على إيران، ولا أعتقد أن واشنطن ستمنح بكين وموسكو فرصة ازدراد اللقمة الايرانية لوحدها، وتبقى هي تتفرج على الموضوع.

بقي شيء..

هذا القرار يحتوي على فقرات جيدة لكنه لا يطالب بإسقاط النظام الايراني بل معاقبته، وهنا يكمن الفرق بين هذا المشروع وبين قانون "تحرير العراق" عام 1998 الذي نصَّ صراحة على "دعم الجهود الرامية لإزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين من السلطة في العراق".

وحتى عبارة المطالبة بـ "إقامة دولة ديمقراطية علمانية وإيران غير نووية" الواردة في خاتمة القرار لا تعني بالضرورة إسقاط النظام، فقد تفسّر على أنها تعني إصلاحه، لأن الصياغات السياسية والقانونية في قضايا حسّاسة مثل هذه حتى يمكن الركون إليها والاعتماد عليها لا يجوز أن تأتي عائمة وغير محددة بدقة، وباعتقادي إن هذه الصياغة العائمة مصمّمة بالأساس لأغراض الضغط التفاوضي لا أكثر، لكن هذا لا ينفي إمكانية استخدامها لأغراضٍ أخرى في المستقبل، متى وكيفما لزم الأمر.

الصياغة العائمة في القرار مصمّمة بالأساس لأغراض الضغط التفاوضي لا أكثر، لكن هذا لا ينفي إمكانية استخدامها لأغراض أخرى في المستقبل.

والآن لنسأل:

هل القرار في صالح العرب الذين تحتلّ إيران، رسمياً، أربعةً من عواصمهم؟

وهل هو في صالح المناهضين لنظام طهران الإرهابي حول العالم؟

وقبل ذلك، هل هو في صالح شعوب إيران التي تناضل ضدَّ نظام الولي الفقيه؟

باعتقادي نعم، ولكن!

نعم، لأن القرار يأتي في إطار "سياسة الضغوط القصوى" المتصاعدة ضد إيران، وتصعيد الضغوط إلى أقصاها ضد نظامٍ لا يفهم غير لغة القوة أمر مطلوب، ونعم لأنه يحظى بقدرٍ من التوافق بين الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة حيث حاز على نحو 51 % من أصوات مجلس النواب، ونعم لأنه يأتي في ظلِّ المناخ الذي صنعته الإدارة الأميركية السابقة ضد نظام الولي الفقيه وتمدّده خارج حدود جغرافية إيران السياسية المعروفة، وهو تمدّد جاء على حساب المصالح الأميركية والغربية وبالضدِّ من مبدأ "الاحتواء" المعمول به مع إيران منذ حقبة التسعينات، وهو مناخ لن يكون التراجع عنه بشكل تام خطوة سهلة.

ولكن، هذا القرار قاصرٌ كثيراً عن كيفية التعامل مع هذا النظام الإرهابي المارق ومعالجة مخاطر تمدّده، فهذا النظام لا يمكن إصلاحه إطلاقاً، ولا يمكن التصدّي لجرائمه وتمدّده التوسعي الإرهابي بقرارات جزئية مُصاغة بلغةٍ عائمةٍ فضفاضةٍ كهذه، بل بقراراتٍ واضحةٍ تطالب بإزالته، وإزالته فقط هي من تحقّق مصالح الايرانيين أولاً ومصالح من يناهضه في كل العالم تالياً.

ولأننا لا نضخُّ أوهاماً لقرائنا فإننا لا نفرش لهم طريقاً مليئاً بالورود ثم تفاجئهم المطبات والفخاخ في مساراته، بل نشرح لهم ضمن رؤية شاملة للموقف ونقدم لهم إحاطة تفصيلية بمعطيات الحدث وظروفه.

هذا القرار خطوةٌ فقط على طريقٍ طويلٍ وشائكٍ وصعبٍ للغاية، وشعوب إيران هي من ترسم خطوات هذا الطريق وهي من تحدّد مساراته وليس قرارات دولية من هنا أو هناك.

نعم يمكن للمواقف الدولية أن تساعد فقط في هذا الطريق، ولكنها لا تحسم خطواته ومساراته، والذي يحسم هو إرادة شعوب إيران التي يتصاعد كفاحها ضد النظام، بالتعاون مع إرادة شعوب المنطقة التي وجدت في التدخل الإيراني في شؤونها الداخلية وفي التغوّل على حساب مصالحها وخياراتها الوطنية عاملاً مدمراً لأمنها واستقرارها وبنيتها الاجتماعية. وأهل المنطقة، إيرانيون وعرباً، هم المعنيون، بالدرجة الأساس، بالحفاظ على أمنها واستقرارها، وهم المعنيون بإحداث هذا التغيير وليس التدخلات الخارجية.

أخيراً

لا يمكن مقارنة موضع نظام طهران في الاستراتيجيات الأميركية بموضع العراق قبل احتلاله في تلك الاستراتيجيات، وواهمٌ جداً من يستدعي حالة العراق ليطبقّها على الموقف الغربي من النظام الإيراني، أو يبحث عن أوجه شبهٍ بين الحالتين العراقية والإيرانية.

النظام الإيراني يخدم تلك الاستراتيجيات، وإن اصطدم أو اختلف معها في بعض الأحيان، واصطدامه أو اختلافه معها، أحياناً، يستلزم تشذيب أغصانه التي تتشابك مع امتدادات أغصان مخططاتٍ أخرى، ولا يلزم، لضمان تحقيق فكِّ الاشتباك هذا، قطع شجرته واجتثاث جذورها بالكامل، فالنظام الحاكم في إيران، أياً كان ثوبه وأياً كانت هويته، ركنٌ رئيسٌ في صميم المخططات الاستراتيجية الأميركية والصهيونية والغربية عموماً.

أما العراق، بنظامه الوطني وبتجربته التنموية الشاملة وبعمله على تحقيق النهوض القومي للأمة العربية، فقد كان حائط صدٍّ أمام تلك المخططات فتوجّبت إزاحته، ولم تُمكِن إزاحة حائط الصدِّ هذا إلا بهدمه تماماً، ثم اجتثاث شجرة الحكم الوطني فيه من الجذور، وهذا ما حدث بغزو العراق وما يحدث فيه بالفعل منذ احتلاله.

غير أن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، فلم تنكسر إرادة الشعب والأمة، بل تعاظمت، بصرف النظر عن خيانات ووهن النظام الرسمي العربي. وإرادة الشعب والأمة هي من ستنتصر في خاتمة المطاف بحول الله وقوّته، والله الموفق والمستعان.

 

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram