

استمعت لخطاب أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الصباح الذي ألقاه أمس الثلاثاء بمناسبة حلول العشر الأواخر من رمضان، ولا أعتقد أن من المعتاد في الكويت أن يُلقي أميرها خطاباً في هذه المناسبة، والأرجح أن الأمير أراد الحديث عن قضايا سياسية فاغتنم فرصة هذه الأيام المباركة لأكثر من قصد.
وقد لفت نظري في هذا الخطاب ثلاث قضايا.
الأولى: شكلية تتعلق بأداء "أبي طلال"، فقد بدا متعباً وصوته متهدّج، لكن نطقه كان سليماً، وإن كان بطيئاً على نحوٍ ملحوظ، وكانت مخارج حروفه بعيدة عن اللحن والأخطاء اللغوية المعروفة في خطابات حكام آخرين.
الشعب ليس وحده المسؤول عن سوء الاختيار، بل هو آخر من يُسأل عن ذلك، فالجهات المعنية بالموضوع كثيرة، وأولها الشلل داخل العائلة الحاكمة وامتداداتها في أوساط معينة، في مجلس الوزراء وفي غرفة التجارة وغيرها، فهذه الأطراف، العائلية وامتداداتها، مسؤولة بالدرجة الأساس عن ذلك.
الثانية: تأكيد الشيخ على ضرورة حسن اختيار الناخب لأعضاء مجلس الأمة في الاقتراع المقرر غداً (الرابع من نيسان/ أبريل 2024)، ومع أن هذا توجيه تربوي يردّده الجميع، وفي كل مكان، إلا أن الأمير هنا يلمّح إلى ما عصف بالمجالس السابقة من صراعات وما أسفرت عنه من تكوين مراكز قوى و (شلل) تغوّلت وانتفخت جيوبها على حساب البلاد والعباد.
والحق أن الشعب ليس وحده المسؤول عن سوء الاختيار، بل هو آخر من يُسأل عن ذلك، فالجهات المعنية بالموضوع كثيرة، وأولها الشلل داخل العائلة الحاكمة وامتداداتها في أوساط معينة، في مجلس الوزراء وفي غرفة التجارة وغيرها، فهذه الأطراف، العائلية وامتداداتها، مسؤولة بالدرجة الأساس عن ذلك، فهي من عبث بالحياة السياسية وهي من عبث بالحكم ومتطلباته، وهي من عبث بالتوازنات والتوافقات الداخلية في المجتمع الكويتي أيضاً، وهي التي كانت سائدةً طيلة عقود قبل أن يتمكّن فرع الأحمد في آل صباح من الانفراد بالحكم.
والأمير يعرف ذلك جيداً، وتتذكّرون أنه أصدر قراراً بوقف التنقلات بين أجهزة الدولة قبيل تولّيه الإمارة، وهو استباق لخطةٍ (انقلابية) كانت تُعدّها بعض الأطراف في الأسرة لضربه شخصياً والحيلولة دون تولّيه الإمارة أو على الأقل فرض قرارات ما عليه تتعلّق بولاية العهد وبرئاسة الوزراء وبالتشكيلة الوزارية.
وهذه (الشلل) لا مانع لديها من انهيار البلد ما دام المال في حساباتها مكتنز ويتضاعف، فانهياره لن يمنع تربّحها غير المشروع لكونها مسيطرة ومتنفّذة وعميقة وذات ارتباطات بالخارج، وأولها بالجوار الإيراني!
وقد نبّهنا في أحاديث سابقة عن هذا الموضوع، فهل وضع الأمير حداً لتلك الشلل المصلحية ومراكز القوى المنتفعة داخل الأسرة الحاكمة والمتغوّلة في المجتمع؟!
وهل وضع حداً قانونياً يمنع قضايا الفساد من أن تستمر وأن تتضخّم؟!
(الشلل) المتغوّلة في المجتمع الكويتي لا مانع لديها من انهيار البلد ما دام المال في حساباتها مكتنز ويتضاعف، فانهياره لن يمنع تربّحها غير المشروع لكونها مسيطرة ومتنفّذة وعميقة وذات ارتباطات بالخارج، وأولها بالجوار الإيراني!
الثالثة: تأكيد الأمير على موضوع العبث بالهوية الوطنية من خلال التجنيس، والواضح أن هذا الموضوع عميق الأثر في الكويت خطر النتائج عليها بما يجعل الشيخ يكرّر الحديث عنه في كل مناسبة.
لكن مجرد الحديث عنه لن يحلّ المشكلة ولن يمنع تكرارها.
الذي يحلّ المشكلة ويحول دون التمادي فيها هو الضرب على أيدي العابثين في أسرته، والأمير يعرفهم جيداً، فهؤلاء هم من تربّحوا من هذا الملف الذي يضرب أمن الكويت الداخلي وسلامة نسيجها الاجتماعي، وكلاهما مهدّدٌ أصلاً بعوامل عدة، وقد جرى ذلك بالتعاون مع جهات إيرانية تحديدا.
يعرف الشيخ مشعل الأحمد كل التفاصيل في هذا الخصوص، ويعرف أولئك الذين زوّروا قرار العفو الصادر بتوقيع سلفه الشيخ نواف الأحمد الصباح والذي خرج بموجبه من السجن مجرمون إرهابيون مرتبطون بنظام إيران والحرس الثوري الإرهابي، زعيم خلية العبدلي حسن عبدالهادي حاجي مثالاً، وقد أكد الأمير هو شخصياً ذلك التزوير بتحويله قرار العفو إلى النيابة العامة في الكويت بتهمة تزوير توقيع الأمير (الراحل) المثبّت عليه، فماذا فعل هو في هذا الخصوص؟! وماذا فعلت النيابة العامة وقد مضى على ذلك بضعة شهور؟!
فهل كان قرار الشيخ مشعل بتحويل الأمر إلى النيابة العامة مجرد رسالة للمزوّرين المعنيين بافتضاح أمرهم؟ أم أنه كان يقصد الوصول إلى الحقيقة عبر الطرق القانونية؟
وإذا كان القصد هو الوصول إلى الحقيقة فلماذا لم ينقض الأمير القرار أو يجمّد مفعوله قبل إحالته للنيابة العامة، والأمر يستحق لأنه يهدّد الأمن الكويتي؟ ولماذا لم تبتّ النيابة العامة بالموضوع رغم انقضاء بضعة أشهر على تلقيها قرار الإحالة من أمير البلاد، والقضية سيادية وحسّاسة ولا تحتمل تأخيرا؟!
ماذا فعلت النيابة العامة بشأن تزوير قرار العفو الذي حمل توقيع الأمير الراحل؟ ولماذا لم يجمّد الأمير الحالي القرار رغم خطورته؟!
وأظن، والظن هنا غالبه ليس إثماً، أن الشعب تلقّى خطاب الأمير أمس ببرود وبقدرٍ من اللامبالاة، فبعد أن تفاعلت أوساط معينة داخل المجتمع الكويتي بإيجابية مع ما كان أعلنه الأمير في خطاب تولّيه المسؤولية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي فإن ضعف الإجراءات التصحيحية أو انعدامها قد انعكس سلباً على كثيرٍ من المتفائلين، فقد انقضت خمسة أشهر على تولي الشيخ مشعل مقاليد الحكم، ولم يقدّم على طريق الإصلاحات الحقيقية خطوة مع أنه قال الكثير!
ويبقى شغور منصب ولي العهد عامل خطرٍ ومبعث أزمة، وتأخر حسم الملف لن يهدّئ الحال بل سيُبقي نيران البركان مشتعلةً تحت الرماد، ويمنح المعنيين، طامعين وطامحين، الأمل بنجاح ما كانوا يُزمعون القيام به قبل وفاة الشيخ نواف، وهناك في الداخل وفي الخارج من يدفع باتجاه ذلك.
وإليكم الخطاب كما بثّته وكالة الأنباء الكويتية (كونا).