

بدأ المقال بالجملة الآتية "مرّ عقدان منذ أن ساعدت الولايات المتحدة شعب العراق على إسقاط نظام صدام حسين الدكتاتوري ووضعت الأساس لنظام ديمقراطي، ومكّنت العراقيين من تذوق طعم الحرية للمرة الأولى، وأزالت الاضطهاد وسوء استخدام الموارد التي سبّبت المشاكل ليس لبلدي فقط بل وأيضا للإقليم بشكل أوسع".
ثم أسهب "السوداني" في عرض أهمية ومراحل الشراكة مع أميركا، ووصفها أنها "مكّنت الطرفين من هزيمة الإرهاب وضمان التعاون والسماح بإعادة بناء الجيش العراقي وقوات أمنية فاعلة، واعتبر "العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق عنصراً أساسياً للاستقرار في الشرق الأوسط ورفاهية شعوب المنطقة".
كما وعد السوداني الأميركيين باستعادة الأمن والاستقرار في العراق وتلاشي الحاجة إلى السلاح الموجود خارج سيطرة الدولة ومؤسساتها، وأعلن "رفض الهجوم على المصالح الأميركية في العراق أو في الدول المجاورة" وعبّر عن استعداده للتعاون مع الولايات المتحدة "لنزع فتيل الأزمات وخفض التوتر في الشرق الأوسط".
كما أكد أن "الاستقرار الحالي في العراق يجب أن يكون مشجعاً للشركات الأميركية لكي تنخرط في مشاريع تنموية مهمة في مجالات الطاقة والاتصالات والإسكان والرعاية الصحية والتعليم والنقل وغيرها".
كيف نقرأ المقال وزيارة السوداني المقبلة إلى واشنطن:
1 –المقال ليس أكثر من رسالة إيرانية إلى أميركا، ف (الحكومة) ومجلس النواب والقوات المسلحة في العراق تسيطر عليها الأحزاب والميليشيات التابعة لإيران، ولا يصدر عن (الحكومة) موقف إن لم يكن لمصلحة ايران، والسوداني دمية جاء بها الإيرانيون كوجهٍ جديد بعد أن فقدت وجوه الجعفري والمالكي وعادل عبد المهدي وحيدر العبادي مصداقيتها أمام الأميركان.
الرسالة الإيرانية الجديدة تأتي بعد رسائل عديدة وجّهتها طهران للولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان ووسطاء آخرين، جوهرها أن إيران لن تردّ على حادث القنصلية في دمشق، وإن ردّت فسيكون رداً "منضبطا" مثل الردّ على اغتيال قاسم سليماني، وأنها ستدعو "حلفاءها" في المنطقة إلى وقف التصعيد
وهذه الرسالة تأتي بعد رسائل عديدة وجّهتها إيران للولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان ووسطاء آخرين، جوهرها أن طهران لن تردّ على حادث القنصلية في دمشق، وإن ردّت فسيكون رداً "منضبطا" مثل الردّ على اغتيال قاسم سليماني، وأنها ستدعو "حلفاءها" في المنطقة إلى وقف التصعيد، وبالمقابل فإنها تريد ثمناً لذلك يتمثل بتخفيف العقوبات المفروضة عليها، وبدء حوار سياسي لحلّ المسألة النووية.
أميركا والكيان الصهيوني تسعيان لجرّ إيران إلى المواجهة لتحويل أنظار المجتمع الدولي عن جرائم الإبادة في غزة، وإيران تخشى هذه المواجهة التي ستكلّفها الكثير وربما تكلّفها نظامها نفسه، لذلك عملت على طريقة "البازار" بأن طلبت ثمناً سياسياً لعدم الرد أو للرد "المنضبط"، ومقال السوداني وزيارته المقبلة لواشنطن هو "عربون" لإثبات حسن نواياها.
أهم رسالة في المقال هي إقرار السوداني بأن الأميركان جاءوا إلى العراق محرّرين لا غزاة.
2– أهم رسالة في المقال هي إقرار السوداني بأن الأميركان جاءوا إلى العراق محرّرين لا غزاة. ولنتذكر عندما احتل الجنرال ستانلي مود بغداد في عام 1917 قال "جئنا محررين لا فاتحين" ولم يَصِف سياسيٌ عراقي وقتها البريطانيين بالمحرّرين.
وبعد قرنٍ تقريباً يحتلّ الأميركيون العراق في غزوٍ غير شرعي هو أكثر الأعمال خسّة في التاريخ الحديث، وأقرّ قادة الغزو الأميركان أنهم أرادوا إسقاط الرئيس صدام حسين لأنه كان "يُعادي الصهيونية ويريد حذف (إسرائيل) من خارطة الشرق الأوسط ويسعى للوحدة العربية وقام بتأميم النفط واستخدم الموارد الهائلة الناتجة عن التأميم لتحديث العراق". (الصفحة "25" من كتاب المؤرخ الأمريكي ميلفين ليفلر "التصدي لصدام حسين: جورج بوش وغزو العراق" الصادر عام 2023). وتساوم ايران الأميركان على "صك البراءة" من هذا الغزو كونها شريكتهم فيه، والأكثر إيلاماً أنها تحاول بذلك إذلال العراقيين بادّعاء أن "الأميركان حرّروهم".
3– لم يُشِر المقال إلى الوضع الحالي في الشرق الأوسط وبالذات جرائم الإبادة التي يتعرض لها شعب فلسطين والحاجة لوقفٍ فوري لإطلاق النار، مع أن المقال أشار الى أن "العلاقة العراقية - الأميركية هي مفتاح استقرار الشرق الأوسط وازدهار شعوب المنطقة" وعبّر عن الاستعداد "لنزع فتيل الازمات وخفض التوتر في الشرق الأوسط".
إن تجاهل الإشارة إلى جرائم الإبادة الصهيونية بتمويل وسلاح وغطاء سياسي أميركي هو بحدّ ذاته رسالة تواطؤ واضحة، كما أن نشر المقال في مجلة "الشؤون الخارجية" اليهودية- الصهيونية هو رسالة أخرى، وقبله كان نوري المالكي استبق زيارته الى واشنطن في أواخر عام 2013 بمقال في جريدة صهيونية أخرى هي "نيويورك تايمز".
احتلّ الأميركيون العراق في غزوٍ غير شرعي هو أكثر الأعمال خسّة في التاريخ الحديث، وأقرّ قادة الغزو الأميركان أنهم أرادوا إسقاط الرئيس صدام حسين لأنه كان "يعادي الصهيونية ويريد حذف (إسرائيل) من خارطة الشرق الأوسط ويسعى للوحدة العربية وقام بتأميم النفط واستخدم الموارد الهائلة الناتجة عن التأميم لتحديث العراق".
4 –تأكيد المقال على أن الأميركان حرّروا العراق وأن "العراق يبحث عن تعاونٍ مستدامٍ مع أميركا في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية" سيضع ميليشيات "المقاومة الإسلامية في العراق" التابعة لفيلق القدس وللحرس الثوري الإيراني في مأزق، فكيف يستقيم شعار "الموت لأمريكا" الذي يرفعونه مع شعار "تحيا أمريكا" الذي يرفعه رئيس وزرائهم ! علماً بأن الأميركان أصبحوا خبراء في التعامل مع "التقية" والنفاق الايراني ولا يقيمون وزناً له ويسخرون من أي تعهد من وكلاء ولاية الفقيه، وحتى من المرشد نفسه، ومنه على سبيل المثال فتوى علي خامنئي بتحريم صنع أو حيازة السلاح النووي.
الخلاصة
إيران دخلت ملعب الكبار وتصوّرت أنها أصبحت قوة فوق إقليمية كبرى قادرة على مناطحة وابتزاز القوى الدولية والإقليمية الكبرى، سلاحها نظرية سياسية عدوانية توسّعية من مخلفات القرون الوسطى وتحالفات مصلحية وميليشيات هزيلة، وأهدرت موارد إيران على صناعة السلاح، وتفكّك اقتصادها وتدهور نسيجها الاجتماعي الهشّ أصلاً بسبب هيمنة الفرس على بقية القوميات المكوّنة لإيران الحالية، وها هي اليوم تُلقي "عنترياتها" وراء ظهرها وتستجدي من الولايات المتحدة القبول، مع ان أميركا تعيش اليوم أسوأ أزماتها السياسية والاقتصادية، خاصة مع حرب أوكرانيا التي استنفدت مواردها وحرب غزة التي استنفدت ما بقي من (قيمها وأخلاقها). فهل سيعود حكام إيران الى وعيهم ويصالحوا شعوبهم ودول الإقليم ويهتموا بصناعة المحاريث بدل المُسيّرات، أم أنهم إلى مزبلة التاريخ ذاهبون؟
والله المستعان