

ما سأقدمه في هذا المقال محاولة لتفكيك المشهد المعقد في المنطقة العربية من وجهة نظري المتواضعة.
يقيناً فإن ما تفعله (إسرائيل) يجري بتنسيق وضوء أخضر أميركي من الألف إلى الياء، أما بالنسبة لإيران والقصف (الاسرائيلي) الأميركي المتواصل على ميليشياتها فهو يأتي في إطار تأديب العميل الإيراني الذي يريد حصة أكبر من حجمه من الكعكة، ولوضعه في حجمه الطبيعي بعد أن انتفخَ وظنَّ نفسه أنها تستطيع التحليق منفرداً بعيداً عن سيده ومشغله الأميركي.
المؤكد أن الرسالة الأميركية وصلت إلى إيران وبوضوح، وخيارات التعامل معها أصبحت محدودة جداً، فالتمرد يعني انتهاء دور إيران الخدمي الذي أدّته منذ احتلال أفغانستان مروراً بالعراق وباقي الدول الأخرى، وهذا يعني أن يتحول كلب الصيد إلى فريسة.
والخيار الآخر أن تعود ايران لحجمها الطبيعي وتستمر في أداء دور كلب الصيد والاكتفاء بما يرميه له السيد الأميركي.
في ذات الوقت، القصف (الاسرائيلي) الأخير على أصفهان وإن كان محدوداً ولكنه رسالة مباشرة وشديدة اللهجة مفادها أن استمرار إيران في تمردها سيعني نقل المعركة إلى أرضها وبذلك سينقلب السحر على الساحر.
كذلك الاحداثيات الدقيقة التي تُعطى ل (اسرائيل) لاستهداف قادة إيران وميليشياتها وانقلاب المزاج العام لحاضنة بشار أسد ضدها يأتي في ذات السياق من أدوات الضغط.
لكن من هي الضحية في هذا المشهد المعقد؟
الضحية التالية للعبث الإيراني ستكون غزة ومقاومتها، اجتياح رفح لن يتم إلا بتوافق أميركي إيراني (إسرائيلي)، والقصف الإيراني الاخير على الكيان الصهيوني كان بمثابة "إبراء ذمة" و "رفع حرج" عنها لما سيحصل لاحقا.
غير ان اللافت هنا أن الماكنة الإعلامية العربية ضخّمت من حجم القصف وجعلته سابقة تاريخية رغم نتائجه الخلّبية التي لا تخفى على عاقل.
ما قدمته آنفاً هو السيناريو الأرجح لما هو قادم من وجهة نظري المتواضعة، اللهم إلا إذا لم تقبل ايران بالفتات الأميركي وأصرّت على التمرد للحصول على حصة أكبر من الكعكة، وهذا غير مرجح!
وبعيداً عن الجعجعات الاعلامية والتحليلات الساذجة فإن مشروع الشرق الأوسط الجديد يسير بخطى ثابتة ويوشك على التحقق، رفض الولايات المتحدة الأميركية إعطاء فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة ليس لأنها لا تريد، بل لتجعل ذلك ورقة تفاوض قادمة لتطبيع عربي (إسرائيلي) كامل وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، التطبيع مقابل الاعتراف بدولة فلسطينية ولا اعتقد أنها ستكون على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، بل سيُترك الأمر مثاراً للجدل والأخذ والجذب، وسينجم عن ذلك صفقة على رأسها تصفية الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" وتسليم (الدولة الجديدة) للسلطة الفلسطينية وربما بمساعدة قوات عربية واسلامية على رأسها تركيا.
إيران ضرورة وعلة لوجود (اسرائيل) والعكس صحيح، ويقيني أن مكرهم سيتلاشى عندما تتوحد الأمة العربية حول مشروعٍ جامع تواجه من خلاله الطامعين والطامحين في بلادنا.