

في زمن إختلال الموازيين وانتكاس المفاهيم أصبحنا نرى في عالمنا العربي تغوّل الأقلية على الأكثرية (!) بدعم وتواطؤ إقليمي ودولي.
وهناك عدة شواهد رأينا فيها تغول الأكثرية على الأقلية، حيث ارتكبت الأكثرية بحق الأغلبية جرائم إبادة جماعية، مثل المسلمين في ميانمار والهند، والايغور في الصين، ولكننا في زمن إختلال الموازيين وانتكاس المفاهيم أصبحنا نرى في عالمنا العربي تغوّل الأقلية على الأكثرية (!) بل وترتكب الأقلية بحق الأكثرية جرائم إبادة جماعية بدعم وتواطؤ إقليمي ودولي، وعلى سبيل المثال سوريا "النصيرية" واليمن "الحوثي" ، العراق "الحشد الشعبي".
تهمة "الطائفية" باتت مرادفة لتهمة "معاداة السامية" تماما.
المضحك المبكي أن الضحية "الأكثرية" إذا رفعت صوتها تشتكي من تغوّل الأقلية وأنهم يُذبحون على أساس طائفي فإنها سرعان ما تُتهم بالطائفية وتبني خطاب الكراهية (!) بل ويهبّ الجميع لنجدة الأقلية وتقديم كل أصناف الدعم لها، حتى أن تهمة "الطائفية" باتت مرادفة لتهمة "معاداة السامية" تماماً، كما هو حال الشعب الفلسطيني اليوم الذي يذبح على مرأى ومسمع من العالم كله، وعندما يهبّ الفلسطينيون للدفاع عن أنفسهم أمام عدو مُحتل مغتصب يُتهمون بمعاداة السامية!
والمضحك المبكي أن أكثر من يدعم هذه السردية ويُصدق عليها ويروّج لها (نخب) من أبناء جلدتنا!
هنا شككت في نفسي وتساءلت: ماهي الطائفية أصلاً؟!
هل نحن طائفيون دون أن نشعر؟!
هل كان أجدادنا طائفيون؟!
من أول من ابتدع الطائفية بشكل ممنهج؟!
هذه الأسئلة سأجيب عنها في ما تبقى لدي من سطور .
ما هو تعريف الطائفي؟
الطائفي، بحسب معجم أوكسفورد هو الشخص الذي يتبع بشكل متعنت طائفة معينة، أي أنه الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغبنها حقوقها، أو يُكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها، تعالياً على بقية الطوائف، أو تجاهلاً لها وتعصباً ضدها، في حين لا يعني مجرد الانتماء إلى طائفة، أو فرقة، أو مذهب، جعل الإنسان المنتمي طائفياً، كما لا يجعله طائفياً عمله لتحسين أوضاع طائفته، أو المنطقة التي يعيش فيها، دون إضرار بحق الآخرين.
بناءً على هذا التعريف فلا ينطبق علينا أي بند من بنود "الطائفي" بينما تنطبق بشكلٍ جلي وواضح على الفريق الآخر والشواهد أكثر من أن تحصى وهذا ما سأبينه بالأدلة لاحقاً.
هل كان أجدادنا طائفيون؟!
سأكتفي بالجواب عن هذا السؤال بشواهد عقلية ومنطقية يؤكدها الواقع العملي.
حكم أجدادنا هذه الأرض على مدار 14 قرناً من الزمان، وكانوا يمتلكون من القوة والسطوة بما يمكّنهم، لو شاءوا، من إبادة جميع الأقليات في المنطقة بكل سهولة، أو في الحد الأدنى نفيهم من هذه الأرض إلى الأبد، وهذا ما لم يحصل ، فما يزالون يعيشون بيننا إلى اليوم لم يمسسهم سوء.
أول من ابتدع الطائفية بشكل ممنهج وعبّأ الجماهير على أساسها وأجبر الآخرين عليها هم أبناء الأقليات الطائفية.
الملفت أن الأقليات في مجتمعاتنا غالباً ما تتحالف مع الغزاة وتنحاز إليهم على حساب الأكثرية من أبناء بلدهمء ويسقط لديهم مفهوم المواطنة أمام النزعة الدينية أو الطائفية، وينحازون للعدو الطارىء ويتنكرون لمن قاسموهم لقمة العيش في السراء والضراء.
ومن هنا يجب فهم فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية يرحمه الله بحق بعض الطوائف من الأقليات، حيث أنه فتاواه مقيدة بأهل زمانه فقط كونهم خونة تحالفوا مع أعداء الأمة، وليست على أساس المذهب والمعتقد.
هذه حقائق وإن كانت مؤلمة ولكن يجب أن نذكرها كما هي دون مواربة، ومن الأمثلة المؤلمة انحياز أقباط مصر للمحتل الفرنسي سنة 1798، حيث وضع أحد أشهر تجار مصر حينها -وهو يعقوب بن حنا- نفسه وأمواله الطائلة تحت تصرف الحملة الفرنسية، وشكّل فرقة مكونة من ألفين من أقباط مصر، التحقت بالجيش الفرنسي وشاركت في محاربة المصريين، وكان سبباً في إفشال ثورة القاهرة الثانية سنة 1800، ومن الأمثلة الأخرى كانت الحملة التي قادها الصفويون -وتحديدا عباس الأول في إيران ( 1587-1629) والتي أجبرت سكان بلاد فارس على التحوّل من مذهبهم إلى مذهب آخر لمنافع سياسية إستراتيجية وضعها من قبله بإتقان إسماعيل الأول.
ومن الأمثلة الحديثة الرسالة التي وجهها العلويون في سوريا بتاريخ 15 يونيو/حزيران 1936 وسُجِّلت في وزارة الخارجية الفرنسية برقم 3547، وأُرسلت، بالتزامن، إلى ليون بلوم رئيس الحكومة الفرنسية، ولعدد من قادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، تحت توقيع عدد من الشخصيات النافذة العلوية؛ عزيز آغا الحواش، ومحمد بك الجنيد، وسليمان المرشد ومحمد آغا جديد (والد صلاح جديد) وسليمان الأحمد المعروف باسم "بدوي الجبل" و سليمان علي الأسد (جد حافظ الأسد).
ومما جاء في الرسالة أن "الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله، على مرّ السنين مقابل تضحيات كبيرة، يختلف بمعتقداته الدينية وتقاليده التاريخية عن تلك التي تخصّ الشعب المسلم السني، ولذلك فإن الشعب العلوي يرفض أن يكون مرتبطاً بسوريا المسلمة، لأن الدين الإسلامي يُعدُّ الدين الرسمي للدولة، وأن الإسلام يعدُّ العلويين كفاراً.. وليس هناك من بوادر أمل بتغيير هذا الوضع، لهذا السبب، ستواجه الأقليات في سورية خطر الموت عندما ينتهي الانتداب".
والأمثلة كثيرة ولا يتّسع المقام لذكرها.
الآن وبعد كل ما قدمته أترك الحكم للقارىء الكريم ليحكم من هو الطائفي على وجه الحقيقة؟ وهل يعقل أن تكون الأمة طائفة أصلا؟!
ختاما
استوقفني كلام معبر جداً لأحد العراقيين من الطائفة الشيعية عندما اشتكى أحدهم أمامه من تسلّط الميليشيات "الشيعية" وإجرامهم وسرقتهم لمقدرات البلاد وارتهانهم لإيران فأجابه:
اليوم أدركت أن صدام حسين يرحمه الله لم يكن مجرماً، بل كان يحمينا من هؤلاء المجرمين.
فمن هو الطائفي إذا؟!